1653 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ويروى (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أبو جعفر الجعفي المعروف بالمسندي، قال (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بن يوسف (الأَزْرَقُ) بتقديم الزاي على الراء وبالقاف، الواسطي، شريف الذكر، مات سنة ست وتسعين ومائة، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوري (عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ) بضم الراء وفتح الفاء مصغَّرًا، وقد مرَّ في أبواب الطَّواف [خ¦1630] .
(قَالَ سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قُلْتُ أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ) أي أدْرَكْتَه وفَهِمْتَه، وهي جملة وقعت صفة لشيء(مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْنَ صَلَّى
ج 8 ص 121
الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ)أي في أيِّ مكان صلاهما (يَوْمَ التَّرْوِيَةِ) وسيأتي الكلام في قوله (والعصر) بعد قوله الظُّهر، في آخر الباب إن شاء الله تعالى [خ¦1654] .
(قَالَ) أنس رضي الله عنه صلَّاهما (بِمِنًى قُلْتُ فَأَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ) بفتح النون وسكون الفاء، هو الرجوع عن منى بعد انقضاء الحج (قَالَ بِالأَبْطَحِ) وهو مكان متَّسع بين مكَّة ومنى، والمراد به المحصَّب (ثُمَّ قَالَ) أي أنس رضي الله عنه (افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ) وفي الحديث استحباب إقامة صلاة الظُّهر والعصر يوم التَّروية بمنى؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم خرج إلى منى قبل الظُّهر وصلَّى فيه الظُّهر والعصر.
وذكر أبو سعد النَّيسابوري في كتاب «شرف المصطفى» أنَّ خروجه صلى الله عليه وسلم يوم التَّروية كان ضحًى وفي «سيرة الملَّا» أنَّه صلى الله عليه وسلم خرج إلى منى بعدما زاغت الشَّمس. وفي «شرح الموطَّأ» لأبي عبد الله القرطبي خرج صلى الله عليه وسلم إلى منى عشيَّة يوم التَّروية.
وقال النَّووي ويكون خروجهم بعد صلاة الصُّبح بمكَّة بحيث يصلُّون الظُّهر في أوَّل وقتها، هذا هو الصَّحيح المشهور من نصوص الشَّافعي، وفيه قول ضعيف أنَّهم يصلُّون الظُّهر بمكَّة ثمَّ يخرجون.
وفي حديث جابر الطَّويل عند مسلم (( فلمَّا كان يوم التَّروية توجَّهوا إلى منى فأهلُّوا بالحج، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلَّى بها الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ) ). الحديث.
وروى أبو داود والتِّرمذي وأحمد والحاكم من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال (( صلَّى النَّبي صلى الله عليه وسلم الظُّهر يوم التَّروية والفجر يوم عرفة بمنى ) )، ولأحمد من حديثه (( صلَّى النَّبي صلى الله عليه وسلم بمنى خمس صلوات ) )، وله عن ابن عمر رضي الله عنهما (( أنَّه كان يحبُّ إذا استطاع أن يصلِّي الظُّهر بمنى من يوم التَّروية، وذلك أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلَّى الظُّهر بمنى ) ).
ولابن خزيمة والحاكم من طريق القاسم بن محمَّد، عن عبد الله بن الزُّبير قال (( من سنَّة الحجِّ أن يصلِّي الإمام الظُّهر وما بعدها والفجر بمنى، ثمَّ يغدون إلى عرفة ) ). وفي «الموطَّأ» حديث ابن عمر رضي الله عنهما موقوفًا من طريق نافع عنه.
وقال المهلَّب النَّاس في سعة من هذا؛ يخرجون متى أحبُّوا ويصلُّون حيث أمكنهم، ولذلك قال أنس رضي الله عنه (( صَلِّ حيث يصلِّي أمراؤك ) )، والمستحبُّ في ذلك ما فَعَلَه الشَّارع صلَّى الظُّهر والعصر بمنى، وهو قول مالك والثَّوري وأبي حنيفة والشَّافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور.
وقال ابن حبيب إذا مالت الشَّمس يطوف سبعًا ويركع ويخرج، وإن خرج قبل ذلك فلا حرج، وعادة أهل مكَّة أن يخرجوا
ج 8 ص 122
إلى منى بعد صلاة العشاء، وكانت عائشة رضي الله عنها تخرج ثلث اللَّيل، وهذا يدلُّ على التَّوسعة، وكذلك المبيت بمنى ليلة عرفة ليس فيه حرج إذا وافى عرفة ذلك الوقت الذي يُخَيَّر، وليس فيه جَبْر كما يُجْبَر ترك المبيت بها بعد الوقوف أيَّام رمي الجمار، وبه قال مالك وأبو حنيفة والشَّافعي وأبو ثور.
وقال ابن المنذر والخروج إلى منى في كل وقت مباح إلَّا أنَّ الحسن وعطاء قالا لا بأس أن يتقدَّم الحاج إلى منى قبل يوم التَّروية بيوم أو يومين، وكرهه مالك، وكره الإقامة بمكَّة يوم التَّروية حتَّى يمسي إلَّا إن أدركه وقت الجمعة فلعلَّه يصلِّيها قبل أن يخرج.
ورجالُ إسناد الحديث ما بين بخاريٍ وهو شيخه، وإنه من أفراده، وواسطيٍّ وهو إسحاق، وكوفيٍّ وهو سفيان، ومكِّيٍّ وهو عبد العزيز، وقد سكن بالكوفة، وقد أخرج متنَه مسلمٌ، وأبو داود، والتِّرمذي، والنَّسائي في الحجِّ أيضًا.