فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 11127

14 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع، وقد مر ذكره (قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) ابن أبي حمزة _ بالمهملة والزاي _ الحمصي، وقد سبق ترجمته أيضًا (قَالَ حَدَّثَنَا) وفي رواية (أَبُو الزِّنَادِ) بكسر الزاي وبالنون، هو عبد الله بن ذَكوان المدني القرشي، وكان يغضب من هذه الكُنية، ولكن اشتُهر بها، ويُكنى أيضًا بأبي عبد الرَّحمن وأصله من همْدان.

وقد اتَّفق على إمامته وجلالته في الحديث، وكان الثَّوري يسمِّيه أمير المؤمنين في الحديث. وقال أبو حاتم هو ثقة صاحب سنة، وهو ممَّن يقوم به الحجة إذا روى عنه الثِّقات، وشهد مع عبد الله بن جعفر جنازة فهو إذًا تابعي صغير.

روى عن جماعات من التَّابعين، وروى عنه التَّابعيون، وولَّاه عمر بن عبد العزيز خراج العراق. وقال عبد ربِّه رأيتُ أبا الزِّناد دخل المسجد ومعه من الأتباع مثل ما على السُّلطان من أصحاب السُّؤالات.

وقال اللَّيث بن سعد رأيتُ أبا الزِّناد وخلفه ثلاثمائة تابعي من طالب علم وفقِه وشِعر، ثم لم يلبث أن بقيَ وحده وأقبلوا على ربيعة، وكان ربيعة يقول شِبرٌ من خُطْوَة خير من ذراعٍ من علم.

هذا وقد قيل كفُّ بختٍ خير من كرِّ علم. وقال أحمد أبو الزِّناد أفقه من ربيعة. وقال البُخاري أصحُّ أسانيد أبي هريرة، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة.

روى له الجماعة. قال الواقدي مات أبو الزِّناد فجأةً في مغتسلهِ ليلة الجمعة في رمضان سنة ثلاثين ومائة.

(عَنِ الأَعْرَجِ) أبي داود عبد الرَّحمن بن هُرمز، التابعي المدني القرشي، مولى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، روى عن أبي سلمة وعبد الرَّحمن بن القاري، وروى عنه الزُّهري ويحيى الأنصاري ويحيى بن أبي كثير وآخرون.

واتَّفقوا على توثيقه، وروى له الجماعة، مات بالإسكندرية سنة سبع عشرة ومائة على الصَّحيح.

قال محمود العينيُّ واعلم أن مالكًا لم يَرْوِ عن عبد الرحمن بن هُرمز هذا إلَّا بواسطة، وأمَّا عبد الله بن زيد بن هُرمز فقد روى عنه مالك، وأخذ عنه الفقه وهو عالمٌ من علماء المدينة قليل الرِّواية جدًا توفي سنة ثمان وأربعين ومائة، فحيث يَذكُر مالكٌ ابنَ هرمز ويَحكي عنه، فإنَّما يريد عبد الله بن زيد هذا الفقيه لا عبد الرَّحمن بن هُرمز صاحب أبي الزِّناد المحدِّث، والتبس ذلك على كثيرٍ من الناس فَذَكَرْتُه؛ للفرق بينهما.

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وقد مضى ذِكره. ومن لطائفِ هذا الإسناد أنَّه مشتملٌ على حمصيين ومدنيين. ومنها أنَّ فيه التَّحديث والإخبار والعنعنة. وأخرج متنه مسلم أيضًا في الإيمان، والنَّسائي أيضًا. وفي رواية أخرى للنَّسائي (( حتَّى أكون أحبَّ إليه من مالهِ وأهلهِ والنَّاس أجمعين ) ).

(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ) وفي رواية (صلَّى الله عليه وسلم قَالَ فَوَالَّذِي) الواو للقسم (نَفْسِي بِيَدِهِ) وفائدة القسم تأكيد الكلام به، ويُستفاد منه جواز القسم على الأمر

ج 1 ص 192

المهم تأكيدًا وإن لم يكن هناك مستحلف.

ثمَّ لفظ اليد من المتشابهات ففي مثل هذا افترق العلماء فرقتين

إحداهما تسمى المفوِّضة وهم الَّذين يفوِّضون الأمر فيها إلى الله تعالى قائلين {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران 7] .

والأخرى تسمَّى المأوِّلة، وهم الَّذين يُأوِّلون مثل هذا، كما يقال المراد من اليد القدرة، عاطِفين {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} على {الله} ، والأوَّل أسلم، والثَّاني أحكم.

وذكر أبو حنيفة إمامنا الأعظم رحمه الله تعالى أنَّ تأويل اليد بالقدرة ونحو ذلك يؤدِّي إلى التَّعطيل، فإنَّ الله تعالى أثبتَ لنفسه يدًا، فإذا أُوِّلت بالقدرة يَصير عين التَّعطيل، وإنما الَّذي ينبغي في مثل هذا أن يؤمن بما ذكره الله تعالى على ما أرادَه، ولا يشتغل بتأويله، فنقول له يد على ما أرادَه لا كَيَدِ المخلوق، وكذلك الكلام في نظائر ذلك هنا.

(لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ) أي إيمانًا كاملًا (حَتَّى) أن (أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ) أفعل تفضيل، يعني المفعول على خلاف القياس وهو كثير. وقال ابن مالك وإنما يشذُّ بناؤه للمفعول إذا خِيف اللَّبس بالفاعل، فإن أمن بأن لم يستعمل الفعل للفاعل، أو قرن به ما يشعر بأنه للمفعول لا يشذ، كقولهم هو أشغل من ذات النحيين، وفصل بينه وبين معموله بقوله إليه؛ لأنَّ الممتنع هو الفصل بأجبني مع أنَّ في الظرف توسعة.

(مِنْ وَالِدِهِ) أي أبيه، واكتفى به عن الأم، كقوله تعالى {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل 81] أو أُريد به ذات له الولد فيتناولهما (وَوَلَدِهِ) ذكرًا أو أنثى.

وخَصَّ الوالد والولد بالذِّكر؛ لأنَّهما أعزُّ على الإنسان غالبًا من غيرهما، وربما يكونان أعز من نفس الرَّجل على الرجل فَذَكَرَهُما على سبيل التَّمثيل، وكأنَّه قال حتَّى أكونَ أحبَّ إليه من أعزَّته، ويعلم منه حكم غير الأعزة؛ لأنَّه يلزم فيه بالطَّريق الأولى أو اكتفى بما ذكر في سائر النُّصوص الدَّالة على وجوب كونه أحب من نفسه أيضًا كالرِّواية التي بعده فترقَّب، وقدم الوالد على الولد للأكثريَّة؛ لأنَّ كل أحدٍ له والد من غير عكسٍ أو نظرًا إلى جانب التَّعظيم أو لسبقه بالزمان. وفي رواية النسائي عن أنس قدَّم الولد؛ لمزيد الشَّفقة.

ثمَّ إنَّ محبَّة الولد هي محبَّة رحمةٍ وشفقةٍ، ومحبة الوالد محبَّة إجلال وإعظامٍ، ومحبَّة الرسول عليه السلام محبة إحسان. وسيأتي الكلام على محبته عليه السَّلام.

واعلم أنَّ المحب قد ينتهي في المحبة إلى أن يُؤثر هوى المحبوب على هوى نفسهِ فضلًا عن ولده ووالده، بل يحبُّ أعداءَ نفسه لمشابهتهِم بمحبوبه.

قال الشَّاعر

ج 1 ص 193

~أشبهْتِ أعدَائي فصرْتُ أحبُّهم إذْ صارَ حظِّي منك حظِّي منهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت