15 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن كثير، أبو يوسف الدَّورقي العبديُّ البصري ساكن بغداد، ودورق قلانس كانوا يلبسونها، فنسبوا إليها وكان ثقة حافظًا متقنًا صنَّف (( المسند ) )، رأى اللَّيث وسمع ابن عُيينة والقطان ويحيى بن كثير وخلقًا، وروى عنه أخوه أحمد بن إبراهيم وأبو زُرعة وأبو حاتم والجماعة، وهو شيخُ الأصول الخمسة، مات سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
(قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ) بضم المهملة وفتح اللام وتشديد الياء المثناة التحتية، وهو أبو بشر إسماعيل بن إبراهيم بن سهم بن مِقسَم البصري الأسدي مولاهم، كان أبوه تاجرًا من أهل الكوفة، وقدِم البصرة فتزوَّج بها عُلَية بنت حسان مولاة لبني شيبان، وكان يكره أن ينسب إليها لكنَّه اشتهر بها، وكانت أمُّه عُليَّة نبيلة عاقلة. سمع عبد العزيز بن صهيب، وأيُّوب السَّختياني، وسمع من محمد ابن المنكدر أربعة أحاديث، وسمع خلقًا غيرهم اتَّفقوا على جلالته.
قال شعبة فيه سيِّد المحدثين، وريحانة الفقهاء. وقال أحمد إليه المنتهى بالبصرة. وقال عَمرو بن زُرارة صحبت ابن عليَّة أربع عشرة سنة فما رأيته ضحكَ فيها.
روى له الجماعة، وَليَ صدقات البصرة والمظالم ببغداد في آخر خلافة هارون، وتوفي ببغداد، ودُفن في مقابر عبد الله بن مالك، وصلى عليه ابنه إبراهيم في سنة أربع وتسعين ومائة.
(عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ) بصيغة التصغير البُنَاني _ بضم الموحدة _ مولاهم، وبنانة [1] بطن من قريش، تابعي سمع أنسًا روى عنه شعبة، وقال هو عند أنس أحب من قتادة اتَّفق على توثيقه، وروى له الجماعة.
وقال ابن قتيبة هو وأبوه كانا مملوكين، وأجازَ إياس بن معاوية شهادته وحده.
(عَنْ أَنَسٍ) أي ابن مالك، كما في رواية (عَنِ النَّبِيِّ) وفي رواية أي النبي (صلَّى الله عليه وسلم) بلفظ (( لا يؤمن أحدُكم حتى أكونَ أحب إليه من أهلهِ وماله ) )بدل قوله (( من والده وولده ) ) (ح) هذا إشارة إلى تحويل السند، وفي بعض النُّسخ لم يوجد.
(وَحَدَّثَنَا) بواو العطف، والظاهر حذفها بعد علامة التَّحويل (آدَمُ) بن أبي إياس، وقد مرَّ ذكره كما مرَّ ذكر الآيتين بعد (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) ابن دِعامة (عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ) وفي رواية (صلَّى الله عليه وسلم لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ) الإيمان التام.
(حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) ذِكْرُ الناس بعد الوالد والولد تعميم بعد تخصيصٍ، كقوله تعالى
ج 1 ص 194
{وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ} [الحجر 87] . عكس قوله تعالى {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ} [القدر 4] ويدخل النفس في عموم النَّاس في هذا الحكم، كما هو مقتضى قوله تعالى {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الأحزاب 6] لا يقال إضافة المحبَّة إليه تقتضي خروجه منهم فإنك إذا قلتَ جميع الناس أحب إلى زيد من غلامه، يُفهم منه خروج زيد منهم؛ لأنَّه يقال اللَّفظ عام وما ذكر ليس من المخصصات فلا يلزم الخروج.
وقد وقع التَّنصيص بذِكر النفس في حديث عبد الله بن هشام، كما سيأتي.
اعلم أنَّ المؤلف رحمه الله عطف الإسناد الثاني على الأوَّل قبل أن يسوقَ المتن، فأوهم استواءهما فيه وليس كذلك كما أشرنا إليه إلَّا أنَّه _ رحمه الله _ كثيرًا ما يصنع مثل ذلك؛ نظرًا إلى أصل الحديث لا إلى خصوصِ ألفاظه.
واقتصرَ على لفظ قتادة؛ لأنَّه موافق للفظ أبي هريرة في الحديث السَّابق ورواية شعبة عن قتادة مأمون فيها من تدليس قتادة وإن كان مدلِّسًا؛ لأنَّه كان لا يسمع منه إلَّا ما سمعه على أنَّه قد وقع التَّصريح به في هذا الحديث في رواية النسائي.
فائدة قال أبو الزِّناد هذا من جوامع الكلم التي أوتيه صلَّى الله عليه وسلم، إذ أقسام المحبة ثلاثة محبة إعظام وإجلال كمحبة الوالد، ومحبة رحمةٍ وإشفاق كمحبة الولد، ومحبة استلذاذٍ واستحسانٍ كمحبة الناس بعضهم بعضًا.
وقد جمع النَّبي صلَّى الله عليه وسلم في هذه الألفاظ أصناف المحبَّة كلِّها.
ثمَّ المراد بالمحبَّة النبوية هي المحبَّة الاختياريَّة المستنِدة إلى الإيمان لا الطَّبيعية.
ومن ثَمَّة َلم يُحكَم بإيمان أبي طالبٍ مع حبِّه له عليه السلام. فمعنى الحديث لا يؤمنُ أحدكم حتى يؤثرَ رضاي على هوى والده وولده ونفسه والناس أجمعين، وإن كان فيه هلاكُ نفسه وولده ووالده.
وحاصلها إرادةُ فعل طاعته وترك مخالفته، وإن كانا خلاف ما تشتهيه الأنفس وهي من واجباتِ الإسلام، قال الله تعالى {قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} [التوبة 24] .
ويقال المرادُ من الحديث بذلُ النَّفس دونه _ عليه السلام _ على ما قيل في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال 64] أي وحسبُك من اتَّبعك من المؤمنين ببذل أنفسهم دونك. وقال القاضي عياض ومن محبَّته صلَّى الله عليه وسلم نصر سنته، والذبُّ عن شريعته، وتمنِّي حضور حياته ببذل نفسه وماله دونَه.
وبهذا يتبين أن
ج 1 ص 195
حقيقة الإيمان لا تتم إلَّا به ولا يصح الإيمان إلَّا بتحقيق إنافته عليه السلام وإعلاء قدره ومنزلته على كل والد وولد ومحسن ومتفضِّلٍ، ومن لم يعتقدْ ذلك واعتقد سواه فليس بمؤمن.
واعترضه الإمام أبو العباس أحمد القرطبي المالكي بأنَّ ظاهر كلام القاضي صرف المحبَّة إلى اعتقاد تعظيمه وإجلاله ولا شكَّ في كفرِ من لا يعتقدُ ذلك مع أنَّه ليس مرادًا هنا؛ لأن اعتقاد الأعظميَّة ليس مستلزمًا للمحبَّة إذ قد يجد الإنسان إعظام شيءٍ مع خُلُوِّه من محبَّته.
قال فعلى هذا من لم يجد ذلك الميل لم يكمل إيمانه مع كونه معتقدًا للأعظميَّة. وإلى هذا يومئ قول عمر رضي الله عنه الذي رواه المؤلِّف في (( الأيمان والنذور ) ) [خ¦6632] من حديث عبد الله بن هشام أنَّ عمر رضي الله عنه لمَّا سمع هذا الحديث قال يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كلِّ شيءٍ إلَّا من نفسي، فقال (( والذي نفسي بيده حتَّى أكون أحبَّ إليك من نفسك ) )فقال له عمر رضي الله عنه فإنك الآن والله أحب إليَّ من نفسي، فقال (( الآن يا عمر ) ) [خ¦6632] .
وهذه المحبة ليست باعتقاد الأعظمية فقط، فإنها كانت حاصلة لعمر قبل ذلك قطعًا، بل بميل قلبٍ. وقد تقدَّم أن ذلك الميل لأمور ثلاثة [2] ، ولا يخفى أنَّها موجودة في رسول الله صلَّى الله عليه وسلم من جمال الظَّاهر والباطن، وكمال أنواع الفضائل، وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايتهِم إلى الصِّراط المستقيم، ودوام النَّعيم واستنقاذهِم من النَّار وعذاب الجحيم.
ولا شكَّ أن الثلاثة فيه أكمل ممَّا في الوالد والولد لو كانت فيهما فيجبُ كونه أحب منهما؛ لأن المحبة تابعة لذلك حاصلة بحسبها، كاملة بكمالها، ولكن الناس يتفاوتون في ذلك بحسبِ ما تأمله كلُّ واحدٍ منهم من جماله وكماله وإحسانه صلَّى الله عليه وسلم كمِّيَّة وكيفيَّة.
ولا شكَّ أن حظَّ الصَّحابة رضي الله عنهم من هذا المعنى أتمَّ؛ لأنَّه ثمرة المعرفة وهم في معرفته صلَّى الله عليه وسلم أكمل من غيرهم. قال القرطبي كلُّ من آمن بالنَّبي صلَّى الله عليه وسلم إيمانًا صحيحًا لا يخلو عن وجدان شيءٍ من تلك المحبَّة غير أنهم مُتفاوتون فمنهم من أخذَ منها بالحظِّ الأوفى، ومنهم من أخذَ بالحظِّ الأدنى، كمن كان مستغرقًا في الشَّهوات محجوبًا بالغفلات في أكثر الأوقات.
لكن الكثير منهم إذا ذُكِر النبي صلَّى الله عليه وسلم اشتاق إلى رؤيته بحيث يؤثرها على أهله وماله وولده، ويبذل نفسه ويجد رجحان ذلك من نفسه وجدانًا لا تردد فيه، وقد شُوهد من هذا الجنس من يؤثر زيارةَ قبره المنوَّر ورؤية مواضع آثاره على جميع ما ذُكِر؛ لِما وقرَ
ج 1 ص 196
في قلوبهم من محبَّته صلَّى الله عليه وسلم غير أن ذلك سريع الزَّوال لتوالي الغفلات. انتهى ملخصًا.
ومن علامات المحبَّة المذكورة أن يعرض المرء على نفسه، إذ لو خُيِّر بين فَقْدِ غرضٍ من أغراضه أو فَقْدِ رؤية النَّبي صلَّى الله عليه وسلم أن لو كانت ممكنة فإن كان فقدُها على تقدير الإمكان أشد عليه من فقد شيء من أغراضهِ فقد اتَّصف بمضمون هذا الحديث ومن لا فلا، ومنها الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر.
قال النَّووي فيه تلميحٌ إلى قضية النفس الأمَّارة والمطمئنة، فإن من رجَّح النفس الأمَّارة كان حب أهله وولده راجحًا، ومن رجَّح المطمئنَّة كان حكمه بالعكس. هذا قال الكِرماني حاصله أنَّه يجب ترجيح مقتضى القوَّة على مقتضى القوة الشَّهوانية.
وقال الحافظ العسقلاني وفي هذا الحديث إيماءٌ إلى فضيلة التفكُّر، فإن الأحبيَّة المذكورة تُعرف به، وذلك أنَّ محبوب الإنسان إمَّا نفسه وإمَّا غيرها، أمَّا نفسه فمحبَّتها من الوجدانيات الضَّرورية فيريد دوام بقائها سالمة من الآفات، وأما غيره فإنَّما هو بسبب تحصيل نفع ما على وجوهها المختلفة حالًا ومآلًا، فإذا تأمَّل النفع الحاصل له من جهة الرسول صلَّى الله عليه وسلم الذي أخرجه من ظُلمات الكفر إلى نور الإيمان إمَّا بالمباشرة، وإمَّا بالسبب علِم أنه سبب بقاء نفسه البقاء الأبدي في النَّعيم السَّرمديِّ، وعلم أنَّ نفعه بذلك أعظم من جميع وجوه الانتفاعات، فاستحقَّ لذلك أن يكون حظَّه من محبَّته أوفرَ من غيره؛ لأنَّ النفع الَّذي يثير المحبَّة حاصل منه أكثر من غيره.
[1] في هامش الأصل وبنانه كانت زوجة سعد بن لؤي بن غالب، نسب إليها بنوها، وقيل كانت أمة لها حضنت بنته، وقيل كانت حاضنة لبنته، وقيل نسبة إلى سكة بنانه بالبصرة. منه.
[2] في هامش الأصل من الاستلذاذ لحواسه، كحس الصُّورة، ومن الاستلذاذ بعقله، كمحبة الفضل والكمال، ومن إحسانه إليه، ودفع المضارِّ عنه. منه.