فهرس الكتاب

الصفحة 2619 من 11127

1664 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المعروف بابن المديني، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عيينة قال (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) هو ابن دينار، قال (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) بضم الجيم وفتح الموحَّدة وسكون المثناة التحتية وبالراء في جبير، وبضم الميم وسكون الطاء المهملة وكسر العين في مطعم هو ابن عديِّ بن نوفل القرشي النَّوفلي الصَّحابي رضي الله عنه (عَنْ أَبِيهِ) جُبَير رضي الله عنه، أنَّه قال (كُنْتُ أَطْلُبُ بَعِيرًا لِي) .

قال البخاري (وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَد قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينار (سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ) وفي رواية أبي ذرٍّ زيادة (عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) رضي الله عنه أنَّه (قَالَ أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي) هكذا في رواية الكُشْمِيْهَني، وفي رواية غيره بدون كلمة لي، وزاد إسحاق بن راهويه في «مسنده» (( في الجاهلية ) )يقال أضلَّه إذا أضاعه. وقال ابن السِّكيت أضْلَلْت بعيرًا إذا ذهب منك.

(فَذَهَبْتُ) أنا (أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ) أي في يوم عرفة متعلِّق بأضللت، فإنَّ جبير بن مطعم رضي الله عنه إنَّما جاء إلى عرفة ليطلب بعيره لا لِيَقفَ بها، ويؤيِّده ما رواه الحميدي في «مسنده» (( أضللتُ بعيرًا لي يوم عرفة فخرجت أطلبه بعرفة ) )، ومن طريقه رواه أبو نعيم، هكذا قالوا، وليت شعري ما المانع من تعلُّقه بالإضلال والذَّهاب والطَّلب على التنازع، فافهم.

(فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِفًا بِعَرَفَةَ) قال جبير رضي الله عنه (فَقُلْتُ هَذَا) أي النَّبي صلى الله عليه وسلم (وَاللَّهِ مِنَ الْحُمْسِ) بضم الحاء المهملة وسكون الميم وآخره سين مهملة، جمع الأحمس وهو في اللُّغة الشديد، والمتشدِّد على نفسه في الدِّين يُسَمَّى أَحْمَس، والحماسة الشِّدة في كل شيء، قاله ابن سيده.

وفي «القاموس» الحُمْس الأمكنة الصَّلبة جمع أَحْمس، وهو لقبُ قريش وكنانة وجَديلة ومن تابعهم لتحمُّسهم في دينهم أو لالتجائهم للحَمْساء وهي الكعبة؛ لأن حجرها أبيض يميل إلى السَّواد. انتهى.

وفي «الموعب» عن ابن دريد الحَمس، بالفتح،

ج 8 ص 140

التشدُّد، وبه سمِّيت قريش وخزاعة وبنو عامر بن صعصعة وقوم من كنانة. وروى إبراهيم الحربي في «غريب الحديث» من طريق ابن جريج، عن مجاهد قال الحمس قريش، ومن كان يأخذ مأخذها من القبائل كالأوس والخزرج وخزاعة وثقيف وعدوان وبني عامر بن صعصعة وبني كنانة إلَّا بني بكر، والأحمس في كلام العرب الشَّديد، وسمُّوا بذلك لمَّا شدَّدوا على أنفسهم، كانوا إذا أهلُّوا بحَجَّة أو عُمْرة لا يأكلون لحمًا ولا يضربون وبرًا ولا شعرًا، وإذا قدموا مكَّة وضعوا ثيابهم التي كانت عليهم.

ورَوَى إبراهيم أيضًا من طريق عبد العزيز بن عمران المدني قال سمُّوا حُمْسًَا بالكعبة؛ لأنَّها حَمْساء؛ حَجَرُها أبيضُ يضْرِبُ إلى السَّواد. انتهى. والأوَّل أشهر وأكثر.

وقال ابن إسحاق وكانت قريش لا أدري قبل الفيل أو بعده ابتدعت أمر الحمس رأيًا رأوه فتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها، وهم يعرفون ويقرُّون أنَّها من المشاعر والحج إلَّا أنَّهم قالوا نحن أهل الحرم نحن الحُمْس، والحُمْس أهل الحرم، قالوا ولا ينبغي للحمس أن يأتقطوا الأقط ولا يسلُّوا السَّمن وهم حُرُم، ولا يدخلوا بيتًا من شعر ولا يستظلُّوا إن استظلُّوا إلَّا في بيوت الأدم ما كانوا حرمًا.

ثمَّ قالوا لا ينبغي لأهل الحَرم أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من الحل إلى الحرم إذا جاءوا حُجَّاجًا أو عمَّارًا، ولا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أوَّل طوافهم إلَّا في ثياب الحُمْس.

وقال السُّهيلي كانوا ذهبوا في ذلك مذهب الترهُّب والتألُّه، فكانت نساؤهم لا ينسجن الشِّعر ولا الوبر، وكانوا أيضًا لا يستظلُّون أيَّام منى ولا يدخلون البيوت من أبوابها.

(فَمَا شَأْنُهُ هُنَا) تعجُّب من جبير رضي الله عنه، وإنكار منه لمَّا رأى النَّبي صلى الله عليه وسلم واقفًا بعرفة فقال هو من الحُمْس فما باله يقف بعرفة، والحُمْس لا يقفون بها لأنَّهم لا يخرجون من الحَرَمِ في رواية الإسماعيلي من طريق عثمان بن أبي شيبة وابن أبي عمر جميعًا، عن سفيان (( ماله خرج من الحرم ) )، وزاد مسلم في روايته عن عمرو النَّاقد وأبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان بعد قوله (فما شأنه هاهنا) (( وكانت قريش تعد من الحُمْس ) ). وهذه الزِّيادة تُوْهِمُ أنَّها من أَصْلِ الحديث، وليس كذلك، بل هي من قول سفيان، بيَّنه الحميدي في «مسنده» عنه ولفظه متَّصلًا بقوله (( ما شأنه هاهنا؟ قال سفيان والأحمس الشَّديد على دينه وكانت قريش تُسَمَّى الحُمْس، وكان الشيطان قد استهواهم فقال لهم إنَّكم إن عظَّمتم

ج 8 ص 141

غير حَرَمكم استخفَّ النَّاس بحَرَمِكم فكانوا لا يخرجون من الحرم )) .

وعند الإسماعيلي (( وكانوا يقولون نحن أهل الله لا نخرج من الحرم، وكان سائر النَّاس يقف بعرفة وذلك قوله تعالى {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} الآية [البقرة 199] ) ).

وقال الكِرماني وقفةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة كانت سنة عشر، وجبير بن مطعم كان مسلمًا؛ لأنَّه أسلم يوم الفتح عام خبير فما وجه سؤاله إنكارًا أو تعجبًا.

ثمَّ أجاب بقوله لعله لم يبلغْ إليه في ذلك الوقت قوله تعالى {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} الآية [البقرة 199] أو لم يكن السُّؤال ناشئًا عن الإنكار والتعجُّب، بل أراد به السُّؤال عن حكمة المخالفة عمَّا كانت الحُمْس عليه، أو كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقفة بها قبل الهجرة. انتهى.

وقال العيني حجَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النبوَّة وبعدها غير مرَّة، وأمَّا بعد الهجرة فلم يحجَّ إلَّا مرَّة واحدة، وروى ابن خزيمة وابن إسحاق بن راهويه من طريق ابن إسحاق حدَّثني عبد الله بن أبي بكر، عن عثمان بن أبي سليمان، عن عمِّه نافع بن جبير، عن أبيه قال (( كانت قريش إنَّما تدفع من المزدلفة، ويقولون نحن الحُمْس فلا نخرج من الحَرَم، وقد تركوا الموقفَ بعرفة قال فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية يقف مع النَّاس بعرفة على جَمَلٍ له، ثمَّ يصبح مع قومه بالمزدلفة فيقف معهم ويدفع إذا دفعوا ) ).

ولفظ يونس بن بكير عن ابن إسحاق في «المغازي» مختصر وفيه (( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائمًا مع النَّاس قبل أن ينزل عليه الوحي توفيقًا من الله تعالى ) ).

وأخرجه إسحاق أيضًا عن الفضل بن موسى، عن عثمان بن الأسود، عن عطاء، عن جبير بن مطعم قال (( أضللت حمارًا لي في الجاهليَّة فوجدته بعرفة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفًا بعرفات مع النَّاس، فلمَّا أسلمت عرفت أن الله وفَّقه لذلك ) ).

فظهر من ذلك أنَّ رؤية جبير له كذلك كانت قبل الهجرة، وذلك قبل أن يُسلم جبير، وهو نظير روايته أنَّه سمِعَه يقرأ في المغرب بالطور، وذلك قبل أن يُسْلِم جبيرٌ أيضًا كما تقدَّم، وبهذا يُتَعَقَّب على السُّهيلي حيث ظنَّ أنَّ رؤية جبير رضي الله عنه لذلك كانت

ج 8 ص 142

في الإسلام في حجَّة الوداع فقال انظر كيف أنكر جبير هذا، وقد حجَّ بالنَّاس عَتَّابٌ سنة ثمان وأبو بكر سنة تسع، ثمَّ قال إما أن يكونا وقفًا بجمع كما كانت قريش تصنع، وأمَّا أن يكون جبير لم يشهد معهما الموسم رضي الله عنه.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( فرأيت النَّبي صلى الله عليه وسلم واقفًا بعرفة ) )، والحديث أخرجه مسلم والنَّسائي في الحجِّ أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت