فهرس الكتاب

الصفحة 2620 من 11127

1665 - (حَدَّثَنَا فَرْوَةُ) بفتح الفاء وسكون الراء وبالواو (ابْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ) بفتح الميم وسكون الغين المعجمة وبالراء وبالمد، الكندي الكوفي، وقد مرَّ في آخر الجنائز [خ¦1390] ، قال (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بضم الميم وسكون السين المهملة وكسر الهاء وبالراء، قاضي الموصل، وقد مرَّ في باب مباشرة الحائض [خ¦302] (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير أنَّه قال (قَالَ عُرْوَةُ) أبو هشام

(كَانَ النَّاسُ يَطُوفُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) بالكعبة حال كونهم (عُرَاةً) جمع عار كقضاة جمع قاض (إِلاَّ الْحُمْسَ) قد مرَّ تحقيقه [خ¦1664] (وَالْحُمْسُ قُرَيْشٌ وَمَا وَلَدَتْ) أي وأولادهم، واختار كلمة (ما) على كلمة من لعمومه، وقيل المراد به والدهم وهو كنانة؛ لأن الصحيح أنَّ قريشًا هم أولاد النَّضر بن كنانة، وزاد معمر هنا وكان ممَّن ولدت قريش خزاعة وبنو كنانة وبنو عامر بن صعصعة.

وقد تقدَّم في أثر مجاهد أنَّ منهم أيضًا عدوان وغيرهم، وذكر إبراهيم الحربي في «غريبه» عن أبي عبيدة معمر بن المثنَّى قال كانت قريش إذا خطب إليهم الغريب اشترطوا عليه أنَّ ولدها على دينهم، فدخل في الحُمْس من غير قريش ثقيف وليث وخزاعة وبنو عامر بن صعصعة يعني وغيرهم.

وعُرِفَ بهذا أنَّ المراد بهذه القبائل مَن كانت أمُّه قرشيَّة لا جميع القبائل المذكورة.

(وَكَانَتِ الْحُمْسُ يَحْتَسِبُونَ عَلَى النَّاسِ) أي يعطون النَّاس الثِّياب حسبة لله تعالى (يُعْطِي الرَّجُلُ الرَّجُلَ الثِّيَابَ يَطُوفُ فِيهَا وَتُعْطِي الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ الثِّيَابَ تَطُوفُ فِيهَا فَمَنْ لَمْ يُعْطِهِ الْحُمْسُ) ثيابًا (طَافَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانًا وَكَانَ يُفِيضُ) أصله من إفاضة الماء وهو صبُّه بكثرة، وقال الزَّمخشري أفضتم دفعتم من كثرة (جَمَاعَةُ النَّاسِ) أي غير الحُمْس (مِنْ عَرَفَاتٍ) هو علم للموقف

ج 8 ص 143

سمي بلفظ الجمع كأذرعات.

قال الكِرماني وهو منصرف إذ لا تأنيث فيها، والتَّحقيق ما قاله الزَّمخشري، فإن قلت هلَّا مُنِعَت الصَّرف وفيها الشَّيئان التَّعريف والتَّأنيث.

قلت لا يخلو التأنيث إمَّا أن يكون بالتاء التي في لفظها، وإمَّا تاء مقدَّرة كما في سعاد، فالتي في لفظها ليست للتَّأنيث، وإنَّما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع المؤنَّث، ولا يصحُّ تقدير التاء فيها؛ لأنَّ هذه التاء لاختصاصها بجمع المؤنث مانعة من تقديرها، كما لا تقدَّر تاء التأنيث في بنت؛ لأن التاء التي هي بدلٌ من الواو لاختصاصها بالمؤنث كتاء التأنيث، فأبت تقديرها. انتهى.

وتعقَّبه ابن المنيِّر بأنَّه يلزمه إذا سمَّى امرأة بمسلمات أن يصرفه وهو قول رديء، والأفصح تنوينه، وهو يرى أنَّ تنوين عرفات للتمكُّن لا للمقابلة، ولم يعد تنوين المقابلة في «مفصله» بناءً منه على أنَّه راجع إلى التمكُّن.

ونقل الزَّجاج فيها وجهين الصرف وعدمه إلَّا أنَّه قال لا يكون إلَّا مكسورًا وإن سقط التنوين، وسمِّيت عرفات بهذا الاسم، إمَّا لأنَّها وصفت لإبراهيم عليه السَّلام فلمَّا أبصرها عرفها، أو لأنَّ جبريل عليه السَّلام حين كان يدور به في المشاعر أراه إيَّاها فقال قد عرفت، أو لأنَّ آدم عليه السَّلام هبط من الجنَّة بأرض الهند وحواء عليها السَّلام بجدَّة فالتقيا ثمة فتعارفا.

أو لأنَّ النَّاس يتعارفون بها، أو لأنَّ إبراهيم عليه السَّلام عرف حقيقة رؤياه في ذبح ولده ثمَّة، أو لأنَّ الخلق يعترفون فيها بذنوبهم، أو لأنَّ فيها جبالًا والجبال هي الأعراف وكل عال فهو عُرْفٌ.

(وَيُفِيضُ الْحُمْسُ مِنْ جَمْعٍ) بفتح الجيم وسكون الميم، هي المزدلفة وأصلها مزتلفة؛ لأنها من زلف فقلبت التاء دالًا لأجل الزاي، وسمِّيت به؛ لأنَّ آدم عليه السَّلام اجتمع فيها مع حواء وازدلف إليها، أي دنا منها، أو لأنَّه يجمع فيها بين الصَّلاتين، أو لأنَّهم يجتمعون فيها فوُصِفَت بفعل أهلها، وسمِّيت مزدلفة لاقترابهم إلى منى أو لازدلاف النَّاس منها جميعًا، أو للنزول بها في كلِّ زلفة من اللَّيل أو لأنَّ أهلها يزدلفون؛ أي يتقرَّبون إلى أمر الله تعالى بالوقوف فيها.

(قَالَ) أي هشام (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْحُمْسِ {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} الآية [البقرة 199] ) أي ثمَّ لتكن إفاضتكم منه لا من المزدلفة، ومعنى الإفاضة الدَّفع بكثرة من إفاضة الماء وهو صبُّه بكثرة وأصله أفيضوا أنفسكم، فترك ذكر المفعول كما ترك في دفعوا من موضع كذا وصبُّوا، كذا قال الزَّمخشري.

(قَالَ) أي عروة، وفي رواية ابن عساكر أي عائشة رضي الله عنها (كَانُوا) أي الحُمْس (يُفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ) أي من المزدلفة (فَدُفِعُوا) بضم الدال مهملة على البناء للمفعول؛ أي أمروا بالذَّهاب (إِلَى عَرَفَاتٍ) حيث قيل لهم أفيضوا من حيث

ج 8 ص 144

أفاض النَّاس؛ أي اجعلوا الإفاضة التي تفيضونها من حيث أفاض النَّاس لا من حيث كنتم تفيضون. وفي رواية الكُشْمِيْهَني بالراء بدل الدال، ولمسلم من طريق أبي أسامة، عن هشام (( رجعوا إلى عرفات ) )يعني أنهم أُمِرُوا أن يتوجَّهوا إلى عرفات ليقفوا بها ثمَّ يفيضوا منها.

وقال الخطَّابي يتضمن قوله تعالى {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} الآية [البقرة 199] الأمر بالوقوف بعرفة؛ لأنَّ الإفاضة والتَّفرق إنَّما تكون عن اجتماع قبلها.

واختلف أهل التَّفسير في هذه الآية فقال الضَّحاك يريد إبراهيم عليه السَّلام؛ يعني يريد من النَّاس إبراهيم عليه السَّلام.

ويؤيِّده ما رواه التِّرمذي وقال حسن صحيح من حديث يزيد بن شيبان قال (( أتانا ابن مِرْبَع ونحن وقوف بالموقف فقال إنِّي رسول رسول الله إليكم يقول كونوا على مشاعركم فإنَّكم على إرثٍ من إرث إبراهيم عليه السَّلام ) ).

وابن مِرْبَع _ بكسر الميم وسكون الراء وفتح الموحدة _، واسمه زيد، وقيل يزيد، وقيل عبد الله وهو أنصاريِّ، ويزيد بن شيبان أزديِّ له صحبة.

وقوله (( كونوا على مشاعركم ) )؛ أي على معالم العبادة ومواضع المناسك، وفي رواية أبي داود (( وقفوا على مشاعركم ) ). وفي رواية عن الضَّحاك أيضًا (( من حيث أفاض النَّاس ) )؛ أي الأنام، وقرئ في الشَّواذ (( النَّاس ) )بكسر السين، يريد آدم عليه السَّلام أخذًا من قوله تعالى {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ} الآية [طه 115] ، ويؤيِّده قراءة (( النَّاسي ) )بالياء في الشواذ أيضًا، والمعنى أنَّ الإفاضة من عرفات شرع قديم فلا تخالفوا عنه، وقيل المراد من النَّاس جميع النَّاس غير الحُمْس.

وقال ابن التِّين وهو الصَّحيح، والمعنى أفيضوا من عرفات لا من المزدلفة، والخطَّاب مع قريش كانوا يقفون بجَمْع، وسائر النَّاس بعرفات ويرون ذلك ترفعًا عليهم كما مرَّ [خ¦1664] فأمروا بأن يساووهم.

وقال الزَّمخشري فإن قلت كيف موقع (ثمَّ) يعني من قوله تعالى {ثُمَّ أَفِيضُوا} [البقرة 199] لأنَّ ثمَّ يقتضي المهلة قال تعالى {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} الآية [البقرة 198] ، وذلك يقتضي أنَّ الإفاضة المذكورة بعدها هي بعينها الإفاضة المذكورة في قوله تعالى {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} الآية [البقرة 198] فلا مُهْلة بين الإفاضتين فلا يكون الموقع موقع (ثم) .

وأجابه الزَّمخشري، وتبعه البيضاوي

ج 8 ص 145

بأنَّ (ثمَّ) هنا لتفاوت ما بين الإفاضتين، كما في قولك أحسن إلى النَّاس ثمَّ لا تحسن إلى غير كريم.

وزاد الزَّمخشري تأتي بثمَّ لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم، والإحسان إلى غير الكريم وبعد ما بينهما، فكذلك حين أمرهم بالذِّكر عند الإفاضة من عرفات وقال ثمَّ أفيضوا لتفاوت ما بين الإفاضتين وأنَّ إحداهما صواب والأخرى خطأ. انتهى.

وتعقَّبه أبو حيَّان فقال ليست الآية كالمثال الذي مثَّلَه، وحاصل ما ذُكِرَ أنَّ كلمة (ثمَّ) تسلب الترتيب وأنَّ لها معنى غيره سمَّاه بالتفاوت والبعد لما بعدها ممَّا قبلها ولم يَجُزْ في الآية أيضًا ذكرُ الإفاضة الخطأ حتَّى تكون ثمَّ في قوله تعالى {ثُمَّ أَفِيضُوا} [البقرة 199] جاءت لبُعد ما بين الإفاضتين وتفاوتهما، ولا نعلم أحدًا سبقه إلى إثبات هذا المعنى لثمَّ. انتهى.

وأنت خبير بأنَّ مجيء كلمة (ثمَّ) للتفاوت الرتبي مجازًا كثيرٌ شائع في كلامهم، وأنَّ قوله لتفاوت ما بين الإفاضتين مبنيٌ على تقدير المعطوف، فكأنَّه قيل لا تفيضوا من المزدلفة ثمَّ أفيضوا من حيث أفاض النَّاس أخذًا من قوله تعالى {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} الآية [البقرة 198] ، فإنَّه يدلُّ على عدم الإفاضة من المزدلفة لكنَّ التفاوت والبعد في المرتبة إنَّما يعتبر بين المعطوف والمعطوف عليه، وهما هنا عدم الإفاضة من المزدلفة والإفاضة من عرفات، لكن قد جرت عادة صاحب «الكشَّاف» أنَّه يعتبر في أمثال هذه المواضع التفاوت بين المعطوف وما دخله النَّفي في المعطوف عليه وبين المعطوف عليه وما دخله النفي في المعطوف لا بينه وبين النفي، فإنَّه ذكر في قوله تعالى {وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ} الآية [آل عمران 111] أنَّ (ثمَّ) للدلالة على بعد ما بين توليتهم الأدبار وكونهم ينصرون.

هذا، وقد يقال أيضًا إنَّ (ثمَّ) هنا للتَّفاوت بين الإفاضتين المتَّحدتين ذاتًا المتغايرتين اعتبارًا، فإن التَّقدير أفيضوا من عرفات، ثمَّ أفيضوا من حيث أفاض النَّاس وهي عرفات أيضًا فالأولى الإفاضة من عرفات من حيث هي، والثَّانية الإفاضة منها أيضًا، لكن من حيث إنَّها سنَّة قديمة وشرع مستمرٌّ جرت عليها الأعصار فثمَّ للدلالة على هذا التفاوت.

وأنت خبير بأنَّ هذا يصلح وجهًا لإيراد كلمة ثمَّ في حدِّ ذاتها، ولا يصلح توجيهًا لما قاله صاحب «الكشَّاف» فإنَّه جعل إحدى الإفاضتين صوابًا، والأخرى خطأ كما عرفت، فافهم، والله أعلم.

ويمكن أن يقال إنَّ قوله {ثُمَّ أَفِيضُوا} معطوف على قوله {فَإِذَا أَفَضْتُمْ} ولمَّا كان

ج 8 ص 146

المقصود من قوله تعالى {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} الآية [البقرة 199] المعنى التَّعريضي كان معناه ثمَّ لا تفيضوا من مزدلفة، والمقصود من إيراد كلمة ثمَّ الدلالة على التَّفاوت بين الإفاضتين في المرتبة بأن إحداهما صواب والأخرى خطأ، والمطابقة بين المثال والمُمَثَّل باعتبار أنَّ في كل واحد منهما استعير كلمة (ثمَّ) للتفاوت بين المعطوف والمعطوف عليه؛ لا فرق بينهما إلا باعتبار أنَّ التَّقييد بكونه إلى الكريم في المعطوف عليه في المثال حاصل بعد العطف، وفي الآية مُتَحَقِّقٌ قبله. ولو قيل أحسن إلى كريم ثمَّ لا تحسن إلى غير كريم لكان أظهر في المطابقة، والأمر في ذلك هين.

وما يقال من أنَّ التَّفاوت يفهم من كون أحدهما مأمورًا به والآخر منهيًّا عنه سواء كان العطف بثمَّ أو بالفاء أو بالواو فمدفوعٌ بأن المراد أن في كلمة (ثمَّ) دلالة على ذلك من حيث كونُها في الأصل للتَّراخي ولا كذلك الفاء والواو والأمر والنهي حتَّى لو عُلِمَ ذلك عُلِمَ بدلالة العقل.

على أنَّا نقول إنَّ المراد أن كلمة (ثمَّ) تدل على كونهما كذلك في حدِّ ذاته مع قطع النَّظر عن تعلق الأمر والنَّهي، هذا ويمكن أن يكون التَّقدير أفيضوا إلى منى ثمَّ أفيضوا من حيث أفاض النَّاس، وكلا الخطَّابين لقريش، وذلك لأنَّهم كانوا يفيضون من المزدلفة، فقيل لهم أفيضوا إلى منى، لكن أفيضوا إليها من عرفات لا من المزدلفة إذ بين الإفاضتين تفاوت، فإنَّ إحداهما خطأ والأخرى صواب، فافهم.

وما قاله صاحب «الكشف» من أنَّ قوله (ثمَّ أفيضوا) معطوف على قوله (فاذكروا) ، ولم يذكر قوله من عرفات تقييدًا بل لمجرد بيان الواقع حتَّى لو ترك ذكره، وقيل فإذا أفضتم فاذكروا الله عند المشعر الحرام ثمَّ أفيضوا من حيث أفاض النَّاس لاستقام النظم، فكأنَّه قيل فإذا أفضتم فأفيضوا ممَّا شرع الله لكم واذكروه كما هداكم وأمركم به إلا أنَّه قدم وأتى بكلمة (ثمَّ) للدلالة على التفاوت بين الإفاضتين المستفادتين من تقييد الإفاضة المطلقة المذكورة سابقًا بقوله (( من حيث أفاض النَّاس ) ).

فإنَّه يدلُّ على أنَّه لتكن إفاضتكم من عرفات ولا تكن من المزدلفة، وإنَّما دلَّت كلمة (ثمَّ) هاهنا على التباعد بين الإفاضتين؛ لأنَّ التَّراخي بين مطلق الشَّيء ومقيده محال فيرجع التَّفاوت إلى قسميه، وهذا المعنى غير ما اعتبروه في قوله تعالى {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا} الآية [البلد 17] ، فإنَّه لتفضيل المعطوف على المعطوف عليه في المرتبة،

ج 8 ص 147

وفيما نحن فيه لتمييز أحد القسمين عن الآخر في كون أحدهما صوابًا والآخر خطأ.

والتَّطبيق بين المثال والمُمَثل له باعتبار أنَّ في كلٍّ منهما كلمة (ثمَّ) للتفاوت بين ما دخلت عليه وبين متعلَّق الجملة الأخرى، ففي المثال بين ما دخلت عليه وهو الإحسان إلى غير الكريم وبين الإحسان إلى الكريم المدلول عليه بقوله أحسن إلى النَّاس مع معارضةِ قوله إلى غير الكريم، وفيما نحن فيه بين الإفاضة من عرفات وبين الإفاضة من مزدلفة المدلول عليه بقوله {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} بعد تقييد قوله {أَفِيضُوا} بقوله {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} هذا خلاصة كلامه فلا يخفى ما فيه من التكلُّف.

أمَّا أوَّلًا فلأنَّ حَمْلَ قوله {فإذا أفضتم من عرفات} على مُطلق الإفاضة بعيد جدًا.

وأمَّا ثانيًا فلأنَّه لا دخل في استفادة القسمين في المثال والمُمَثل للجملة السَّابقة أصلًا، فإن تقييد الجملة المدخولة لثمَّ بالقيد يُقيِّدُ انقسام المطلق إلى القسمين المتفاوتين، فليتأمَّل.

أقول والذي يظهر لي أنَّ كلمة ثمَّ هنا للتَّراخي في الذِّكْر. هذا، وقيل إن (ثمَّ) هنا بمعنى الواو، واختاره الطَّحاوي وقيل إنَّها لقصد التَّأكيد لا لمحض التَّرتيب وكل منهما ضعيفٌ، وإنَّما أطنبنا الكلام في هذا المقام؛ لأنَّه من أمَّهات معاضل «الكشَّاف» .

وقال بعض المفسِّرين ثمَّ أفيضوا من حيث أفاض النَّاس وهم الحُمْس؛ أي من المزدلفة إلى منى بعد الإفاضة من عرفات. انتهى.

فيكون المراد بالنَّاس هنا المعهودين وهم الحُمْس، ويكون هذا الأمر أمرًا بالإفاضة من المزدلفة بعد الإفاضة من عرفات، والله أعلم.

وفي الحديث الوقوف بعرفات، وهو من أعظم أركان الحج، وثبت ذلك بفعل النَّبي صلى الله عليه وسلم وقوله أمَّا فعله، فروى الإمام أحمد بسنده إلى يعقوب بن عاصم بن عروة يقول سمعت الشَّريد بن سُوَيد الثقفي يقول (( أشهد لوقفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات قال فما مسَّت قدماه الأرض حتَّى أتى جمعًا )

ج 8 ص 148

وقال الطَّبري حدَّثنا ابن حميد حدَّثنا جرير، عن عطاء بن السَّائب، عن عبد الله بن ربيعة، عن أبيه رجل من قريش قال (( رأيت النَّبي صلى الله عليه وسلم يقف بعرفة موضعه الذي رأيته يقف فيه في الجاهليَّة ) ).

وأمَّا قوله فروى التِّرمذي من حديث عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فقال (( هذه عرفة وهي الموقف وعرفة كلُّها موقف ) )الحديث.

وروى ابن حبِّان في «صحيحه» من حديث جبير بن مطعم قال قال رسول الله صلَّى الله تعالى عليه وسلم (( كلُّ عرفات موقف، فارفعوا عن عُرَنَة وكلُّ مزدلفة موقف فارفعوا عن مُحَسِّر، وفي كلِّ فجاج منى مَنْحر وفي كلِّ أيَّام التشريق ذَبْح ) ).

ففي هذه الأحاديث أنَّ الوقوف بعرفة لا بغيرها، وهو قول أكثر أهل العلم، وحكى ابن المنذر عن مالك أنَّه يصحُّ الوقوف بعُرَنة، بضم العين وبالنون، والحديث المذكور حجَّة عليه، وحدُّ عرفات ما رواه الأزرقي في «تاريخ مكَّة» بإسناده إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال (( حدُّ عرفة من الجَبَلِ المشرفِ على بطن عُرَنَة إلى جبال عَرَفة إلى وَصِيق إلى مُلتقى وَصِيق ووادي عُرَنَة ) ). ووَصِيق بفتح الواو وكسر الصاد المهملة بعدها ياء آخر الحروف وآخره قاف.

وقال الشَّافعي في «الأوسط» من مناسكه وعرفة ما جاوز عُرَنَة وليس الوادي ولا المسجد منها إلى الجبال ممَّا يلي حوائط ابن عامر، وطريق الحَضَن وما جاوز ذلك فليس بعرفة.

والحَضَن بالحاء المهملة والضاد المعجمة المفتوحتين، وابن عامر هو عبد الله بن عامر بن كَرِيْزٍ، وكان له حائط نخل، وكان فيها عين، قاله المحبُّ الطَّبري، وهو الآن خرابُ.

وقال ابن بطَّال اختلفوا إذا دفع من عرفة قبل غروب الشَّمس ولم يقف بها ليلًا فذهب مالك إلى أن الاعتماد في الوقوف بعرفة على اللَّيل يعني ليلة النَّحر والنَّهار من يوم عرفة تبع، فإن وقف جزءًا من اللَّيل أيَّ جزء كان قبل طلوع الفجر من يوم النَّحر أجزأ.

وقال أبو حنيفة والثَّوري والشَّافعي الاعتماد على النَّهار من يوم عرفة من وقت الزَّوال واللَّيلُ كله تَبَعٌ، فإن وقف جزءًا من النَّهار أجزأه، وإن وقف جزءًا من اللَّيل أجزأه إلَّا أنَّهم يقولون إن وقف

ج 8 ص 149

جزءًا من النَّهار بعد الزوال دون اللَّيل كان عليه دم، وإن وقف جزءًا من اللَّيل دون النَّهار لم يجب عليه دم.

وذهب أحمد بن حنبل إلى أنَّ الوقوف من حين طلوع الفجر من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من ليلة النَّحر فسوَّى بين أجزاء اللَّيل وأجزاء النَّهار.

وقال ابن قدامة وعلى من دَفَعَ قبل الغروب دم في قول أكثر أهل العلم منهم عطاء والثَّوري والشَّافعي وأبو ثور وأصحاب الرَّأي. وقال ابن جريج عليه بدنة، وقال الحسن بن أبي الحسن عليه هدي من الإبل، فإنَّ دفع قبل الغروب ثمَّ عاد نهارًا فوقف حتَّى غربت الشَّمس فلا دم عليه.

فإن قيل روى نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه قال (( من لم يقف بعرفة ليلة المزدلفة قبل أن يطلع الفجر فقد فاته الحج ) ). وعن عروة بن الزُّبير مثله ورفعه ابن عمر مرَّة (( من فاته عرفات بليل فقد فاته الحج ) )، وعن عمرو بن شعيب رفعه قال (( من جاز وادي عرفة قبل أن تغيب الشَّمس فلا حج له ) )، وعن معمر، عن رجل، عن سعيد بن جبير رفعه (( إنا لا ندفع حتَّى تغرب الشَّمس يعني من عرفات ) ).

فالجواب أنَّ ابن حزم ضعَّف هذه كلَّها ووهَّاها، وعن عروة بن مضرس الطَّائي مرفوعًا (( من أدرك معنا هذه الصَّلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تمَّ حَجَّه ) )رواه أصحاب السُّنن الأربعة وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبَّان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت