146 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) بصيغة التصغير (قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) أي ابن سعد إمام أهل مصر (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضم المهملة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهري (عَنْ عُرْوَةَ) أي ابن الزبير (عَنْ عَائِشَةَ) أمِّ المؤمنين رضي الله عنها، وقد تقدَّم هذا الإسناد برمَّته في بدء الوحي [خ¦3] ، وفيه تابعيان ابن شهاب، وعروة، وقرينان الليثُ وعُقَيل، وأنَّ رواته ما بين مصري ومدني، وأنَّهم على شرط الستَّة إلا يحيى فإنه على شرط البخاري ومسلم، وقد أخرج متنه مسلم أيضًا في الاستئذان.
(أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ومن جملتهن عائشة رضي الله عنهن إذ الأكثرُ على أن المُخاطِب _ بكسر الطاء _، داخلٌ تحت عموم مُتَعلَّق خِطابِه أمرًا ونهيًا وخبرًا (كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ)
ج 2 ص 53
أي في اللَّيل (إِذَا تَبَرَّزْنَ) أي إذا خرجن [1] إلى البراز للبول والغائط (إِلَى الْمَنَاصِعِ) جمع مَنْصَع مَفعَل من النُّصوع وهو الخُلُوص، والنَّاصع الخالص من كل شيء، يقال أبيض ناصع وأصفر ناصع.
قال الأصمعي كلُّ شيءٍ خالصُ البياضِ أو الصُفْرة أو الحُمْرة فهو ناصع، وفي (( العُبَاب ) )المَنَاصع المجالس فيما يقال، وقال أبو سعيد المناصع المواضع التي يُتَخلَّى فيها للبول أو للحاجة، الواحدُ مَنصَع بفتح الصاد.
وقال الأزهري أراها مواضع خارج المدينة، وقال ابن الجوزي هي المواضع التي يُتخلَّى فيها للحاجة، وكان صعيدًا أَفْيَح خارج المدينة، يقال له المناصع كما فُسر في الحديث بقوله (وَهُوَ) أي المناصع بتأويل المكان (صَعِيدٌ) وهو وجه الأرض (أَفْيَحُ) هو بالفاء والحاء المهملة الواسع، ودار فَيْحَاء؛ أي واسعة، وبحر أفيح؛ أي بَيِّنُ الفَيح، وبحر فيَّاح أيضًا، وقال الأصمعي إنه لجَوادٌ فيَّاح وفيَّاض بمعنىً، والحاصل أن المناصع موضعٌ معروف من ناحية البقيع؛ سُمِّي بذلك لخلوصه عن [2] الأبنية والأماكن، وقيل لأن الإنسان ينصع فيه؛ أي يخلص، والظَّاهر أن هذا التفسير من عروة أو ممن دونه، ويحتمل أن يكون من عائشة رضي الله عنها.
(وَكَانَ عُمَرُ) أي ابن الخطَّاب رضي الله عنه (يَقُولُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْجُبْ) بضم الهمزة والجيم (نِسَاءَكَ) أي امنعهن من الخروج من البيوت، وسياق الكلام يدل على هذا المعنى كما ستقف عليه (فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ) ما قاله عمر رضي الله عنه (فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ) بفتح المهملتين بينهما واو ساكنة (بِنْتُ زَمَعَةَ) بالزاي والميم والعين المهملة المفتوحات، وقال ابن الأثير وأكثر ما سمعنا من أهل الحديث والفقهاء سكون الميم، ابن قيس بن عمرو القرشيَّة العامريَّة.
(زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أسلمت قديمًا وبايعت، وكانت تحت ابن عمٍّ لها يقال له السَّكران بن عمرو، أسلم معها، وهاجرا جميعًا إلى الحبشة، فلمَّا قَدِما مكة مات زوجها فتزوَّجها النَّبي صلى الله عليه وسلم ودخل بها بمكَّة، وذلك بعد موت خديجة قبل عَقْد عائشة رضي الله عنهن وهاجرت إلى المدينة، فلمَّا كَبُرت أراد طلاقها
ج 2 ص 54
فسألته أن لا يفعل، وجعلت يومها لعائشة رضي الله عنها فأمسكها، روي لها خمسة أحاديث؛ أخرج البخاري منها حديثين، توفِّيت آخر خلافة عمر رضي الله عنه، وقيل زمن معاوية بالمدينة سنة أربع وخمسين.
(لَيْلَةً) أي خرجت في ليلة (مِنَ اللَّيَالِي عِشَاءً) بكسر المهملة وبالمد نَصْبٌ على أنه بدل من ليلة (وَكَانَت) سودة رضي الله عنها (امْرَأَةً طَوِيلَةً، فَنَادَاهَا عُمَرُ) بن الخطاب رضي الله عنه (أَلاَ) بالتخفيف حرف استفتاح يُنَبَّهُ به على تحقيق ما بعده (قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ) بالبناء على الضم؛ لأنه مفرد معرفة (حِرْصًا) نصب على أنه مفعول له لقوله (( فناداها ) ).
(عَلَى أَنْ يُنْزَلَ) بصيغة المجهول، وفي نسخة _ بفتح الياء على صيغة المعلوم _ (الْحِجَابُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ) عز وجل (الْحِجَابِ) أي حُكم حجاب النِّساء عن الرِّجال، وفي رواية ، وزاد أبو عوانة في (( صحيحه ) )من طريق الزبيدي، عن ابن شهاب «فأنزل الله الحجاب {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ} [الأحزاب 53] الآية» ففسر المراد من آية الحجاب صريحًا، ويحتمل أن يراد بالحجاب الجنس فيتناول الآيات الثلاث قوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} [الأحزاب 59] يغطين وجوههن وأبدانهن بمَلاحِفِهنَّ إذا بَرَزْن لحاجة، ومِنْ للتبعيض فإن المرأة تُرخي بعض جلبابها [3] وتتلفع ببعض.
( {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ} ) يُمَيِّزن عن الإماء، والقَيِّنات [4] ( {فَلَا يُؤْذَيْنَ} ) فلا يؤذيهن أهل الرِّيبة بالتعرض لهن ( {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا} ) لما سلف ( {رَحِيمًا} [الأحزاب 59] ) بعباده حيث يراعي مصالحهم حتى الجزئيات منها، أو غفورًا لما عسى يصدر من الإخلال في أمر التستر رحيمًا بهن بعد التوبة، فافهم [5] .
وقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ} [الأحزاب 53] إلا وقت أن يؤذن لكم أو إلا مأذونًا لكم ( {إِلَى طَعَامٍ} ) متعلق بـ {يُؤْذَنَ} لأنه متضمن معنى (يُدْعى) للإشعار بأنه لا يحسن الدخول على الطعام من غير دعوة وإن أُذِنَ دلالةً بفتح الباب ورفع الحجاب كما أشعر به قوله ( {غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} ) غير منتظرين وقته أو إدراكه حال من فاعل {لَا تَدْخُلُوا} أو المجرور في {لَكُمْ} ، وقرئ بالجر صفة لطعام فيكون جاريًا على غَيْر من هي له بلا إبراز
ج 2 ص 55
الضمير، وهو غير جائز عند البصريين.
( {إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا} ) تفرقوا ولا تمكثوا، والآية خطاب لقوم كانوا يَتحيَّنون طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه مخصوصةٌ بهم وبأمثالهم، وإلا لما جاز لأحد أن يدخل بيوته بالإذن لغير الطعام، ولا اللبث بعد الطعام لمُهم ( {وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} ) لحديث بعضكم بعضًا، أو لحديث أهل البيت بالتَّسمُّع [6] له عطف على {نَاظِرِينَ} أو مقدرٌ بفعل؛ أي لا تدخلوا ولا تمكثوا مستأنسين.
( {إِنَّ ذَلِكُمْ} ) اللبث ( {كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ} ) لتضييق المنزل عليه وعلى أهله، وإشغاله فيما لا يعنيه ( {فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ} ) من إخراجكم لقوله ( {وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} ) يعني أن إخراجكم حق فينبغي أن لا يُترك حياءً كما لم يتركه الله ترك الحييِّ فأمركم بالخروج ( {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا} ) شيئًا ينتفع به ( {فَاسْأَلُوهُنَّ} ) المتاع ( {مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} ) ستر [7] .
( {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} ) من الخواطر الشيطانية ( {وَمَا كَانَ لَكُمْ} ) وما صح لكم ( {أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ} ) أن تفعلوا ما يكرهه ( {وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا} ) من بعد وفاته أو فراقه، وخصَّ التي لم يدخل بها لما رُوي أن أشعث بن قيس تزوج المُستَعيذة في أيام عمر فهمَّ برجمها فأُخبر بأنه عليه السلام فارقها قبل أن يَمَسَّها فتُرِك من غير نكير.
( {إِنَّ ذَلِكُمْ} ) يعني إيذاءه ونكاح نسائه ( {كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا} [الأحزاب 53] ) ذنبًا عظيمًا، وفيه تعظيم من الله لرسوله، وإيجاب لحرمته حيًّا وميِّتًا، وقوله تعالى ( {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} ) فلا ينظرن إلى ما لا يَحِلُّ لهن النظر إليه من الرجال ( {وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} ) بالتستر أو التحفظ عن الزنا، وتقديم الغض؛ لأن النظر بَرِيدُ الزنا ( {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} ) كالحلي والثياب والأصباغ فضلًا عن مواضعها لمن لا يَحِلُّ أن يُبدى له.
( {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} ) عند مزاولة الأشياء كالثياب والخَاتم فإن في سترها حرجًا، وقيل المراد بالزينة مواقعها على حذف المضاف، أو ما يعمُّ المحاسن الخلقيَّة من الاعتدال والحسن، والتزيينية، والمستثنى هو الوجه والكفان، وفي رواية عن أبي حنيفة «القدمان أيضًا» ، وفي رواية عن أبي يوسف «الذِّراعان أيضًا» ، لأنها ليست بعورة، والأظهر أن هذا
ج 2 ص 56
في الصلاة لا في النَّظر فإن كل بدن الحرَّة عورة لا يحل لغير الزوج والمَحرَم النَّظر إلى شيء منها إلا لضرورة كالمعالجة وتحمُّل الشهادة.
( {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} ) سترًا لأعناقهن ( {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} ) كرَّره لبيان من يحل له الإبداء ومن لا يحل له ( {إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ} ) فإنهم المقصودون بالزينة، ولهم أن ينظروا إلى جميع بدنهن حتى الفَرْج [ولكنه] يكره، قال النووي في نظر الزوج إلى الفَرْج وجهان
أحدهما يَحْرُم، وأصحهما لا، لكن يُكره، وعند الحنفية يباح نظر الزوج إلى فرجها إلا أنَّ الأولى أن [8] لا ينظر كلٌّ منهما إلى عورة صاحبه والتفصيل في (( الهداية ) )وغيرها.
( {أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ} ) لكثرة مداخلتهم عليهن واحتياجهن إلى مداخلتهم، وقلة توقع الفتنة من قِبَلِهم لما في الطِّباع من النفرة عن مماسَّة القرائب، ولهم أن ينظروا منهن ما يبدو عند المهنة والخدمة، وإنما لم يذكر الأعمام والأخوال؛ لأنهم في معنى الإخوان، أو لأن الأحوط أن يتسترن عنهم حذرًا أن يصفوهن لأبنائهم ( {أَوْ نِسَائِهِنَّ} [النور 31] ) يعني المؤمنات فإن الكافرات لا يتحرجن عن وصفهن للرجال أو النساء كلهن.
وللعلماء في ذلك خلاف إلى آخر الآية، لكن الروايات يفسر بعضها بعضًا، فالظاهر أن المراد قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ} [الأحزاب 53] الآية، وسيأتي في تفسير الأحزاب أن سبب نزولها قصة زينب بنت جحش لمَّا أَوَلَمَ عليها وتأخَّر النَفَرُ الثلاثة في البيت، واستحيى النبي صلى الله عليه وسلم أن يأمرهم بالخروج فنزلت آية الحجاب [خ¦4795] ، وسيأتي أيضًا حديث عمر رضي الله عنه «قلت يا رسول الله! إن نساءك يدخل عليهن البَرُ والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن» ، فَنَزلت [خ¦4790] .
وروى ابن جرير في (( تفسيره ) )من طريق مجاهد قال «بينا النبي صلى الله عليه وسلم يأكل ومعه أصحابه وعائشة تأكل معهم، إذ أصابت يد رجل منهم يدها، فكره النبي صلى الله عليه وسلم ذاك فنزلت آية الحجاب» ، فإن قلت فما طريقة الجمع بين هذه الروايات؟
فالجواب أنه لا بأس في تعدد أسباب النزول، لكن الظاهر أنَّ قصةَ زينب آخرُها؛ للنصِّ على قصتها في الآية.
وقال التيمي الحجاب في الحديث استتارهن بالثياب حتى لا يُرى منهن شيء عند خروجهن وإرخاؤهن [9] الحجاب بينهن وبين الناس، وقد عرفت أن رواية أبي عوانة تخدش هذا الكلام، واعلم أن الحُجُب ثلاثة
الأول هو الأمر بستر وجوههن؛ يدل عليه قوله
ج 2 ص 57
تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} [الأحزاب 59] الآية، وقال القاضي عياض والحجاب الذي خُصَّ به أمهات المؤمنين هو فرضٌ عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك لشهادة ولا غيرها، الثاني الأمر بإرخاء الحجاب بينهن وبين الناس؛ يدل عليه قوله تعالى {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} [الأحزاب 53] ، الثالث هو الأمر بمنعهن من الخروج من البيوت إلا لضرورة شرعية، فإذا خرجن لا يُظهِرنَ شخوصهن كما فعلت حفصة يوم مات أبوها سترت شخصها حين خرجت، وزينب عملت لها قُبَّة لما توفيت، وكانت لهن في التستر عند قضاء الحاجة ثلاث حالات
الأولى بالظلمة؛ لأنهن كن يخرجن بالليل دون النهار كما قالت عائشة رضي الله عنها في هذا الحديث «كن يخرجن بالليل» ، وسيأتي في حديث عائشة رضي الله عنها في قصة الإفك [خ¦2661] «فخَرَجَتْ معي أم مِسْطَح قِبَل المَنَاصِع وهو متبرَّزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلًا ... » الحديث، ثمَّ نزل الحجاب فتسترن بالثياب، لكن ربما كانت أشخاصهن تتميز، ولهذا قال عمر رضي الله عنه «قد عرفناك يا سَوْدَة» وهذه هي الحالة الثانية، ثمَّ لما اتُخِذت الكُنُف في البيوت مُنِعن من الخروج منها وهي الحالة الثالثة، يدل عليه حديث عائشة رضي الله عنها أيضًا في قصة الإفك، فإن فيها «وذلك قبل أن تُتخذ الكُنف» ، وكانت قصة الإفك قبل نزول آية الحجاب، هكذا ذكره الحافظ العسقلاني ومحمود العيني هاهنا. لكن قال الحافظ العسقلاني في تفسير سورة النور إن هذا الذي تقدم ذكره في الوضوء يعني قوله «وكانت قصة الإفك قبل نزول آية الحجاب» سهو فليُصلَّح.
ثمَّ اعلم أن الحجاب كان في السنة الخامسة في قول قتادة، وقال أبو عبيدة في الثالثة، وقال ابن إسحاق بعد أم سَلَمة، وعند ابن سعد في الرابعة في ذي القعدة.
وفي الحديث مراجعة الأدْوَن للأعلى في الشيء الذي يتبين له، وفيه فضل المراجعة إذا لم يقصد بها التعنت، وفيه فضل عمر رضي الله عنه وأن الله تعالى أيَّد به الدين، وهذه إحدى ما وافق فيها ربه.
والثانية في قوله تعالى {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ} [التحريم 5] الآية، والثالثة قوله {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة 125] ، وهذه الثلاثة ثابتة في الصحيح، والرابعة موافقته في أسرى بدر، والخامسة
ج 2 ص 58
في منع الصلاة على المنافقين، وهاتان في (( صحيح مسلم ) )، والسادسة موافقته في آية المؤمنين، روى أبو داود الطيالسي في (( مسنده ) )من حديث علي بن زيد وافقت ربي لمَّا نزلت {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ} ، فقلت أنا {تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون 14] ، فنزلت.
والسابعة موافقته في تحريم الخمر كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى، والثامنة موافقته في قوله تعالى {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ} [البقرة 98] الآية، ذكره الزمخشري، وقال ابن العربي إنه وافق ربه تعالى تلاوة ومعنى في أحد عشر موضعًا، وفي (( جامع الترمذي ) )مُصحَّحًَا عن ابن عمر رضي الله عنهما «ما نزل أمرٌ بالناس قطٌّ فقالوا فيه وقال عمر فيه إلا نزل القرآن على نحو ما قال عمر رضي الله عنه» .
وفيه كلام الرجال مع النساء في الطريق، وفيه جواز وعظ الإنسان أُمَّه في البر؛ لأن سودة من أمهات المؤمنين، وفيه جواز الإغلاظ في القول والعتاب إذا كان قصده الخير، فإن عمر رضي الله عنه قال «قد عرفناك يا سودة» ، وكان شديد الغيرة لا سيما في أمهات المؤمنين، وفيه التزام النصيحة لله ولرسوله حيث قال عمر رضي الله عنه «احجب نساءك» ، وكان صلى الله عليه وسلم يعلم أن حجبهن خير من غيره، لكنه كان يترقب الوحي بدليل أنه لم يوافق عمر رضي الله عنه حين أشار بذلك، وكان ذلك من عادة العرب.
وفيه جواز تصرف النساء فيما لهن حاجة إليه؛ لأن الله تعالى أذن لهن في الخروج إلى البراز بعد ما نزل الحجاب، فلما جاز لهن ذلك جاز لهن الخروج إلى غيره من مصالحهن، وقد أَمَرَ النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج إلى العيدين، ولكن في هذا الزمان لما كثر الفساد ولا يؤمن عليهن الفتنة ينبغي أن يُمْنَعْنَ من الخروج إلا عند الضرورة الشرعية.
[1] في (خ) (( أي أخرجن ) ).
[2] قوله (( لجواد فياح وفياض بمعنى، والحاصل أن المناصع موضع معروف من ناحية البقيع سمي بذلك لخلوصه عن ) )ليس في (خ) .
[3] في هامش الأصل قوله فإن المرأة ترخي فيه أن النَّظم يدنين عليهن دون على وجوههن، وقد فسره بستر وجوههن وأبدانهن فكيف يَصح الحمل على التبعيض من هذا الوجه إذ لا يصح ذكر لفظ البعض موضع الحرف إلا أن يثبت بقاء بعض آخر من الجلباب لا يستعمل في الوجه والبدن، سعدي.
[4] في هامش الأصل جمع القينة وهي الأَمَةُ المغنية أو أعم. سعدي.
[5] في هامش الأصل وَجهُ الفهم أنه لا قُبْحَ إلا ما قبَّحه الشرع عند الأشاعرة فلا إثم قبل ورود النهي حتى يفقر، فالأولى هو التفسير الثاني. منه.
[6] في (خ) (( بالسمع ) ).
[7] في (خ) (( يستر ) ).
[8] (( أن ) )ليست في (خ) .
[9] في عمدة القاري وأما الحجاب الثاني فهو ارخاؤهن.