1672 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) بضم العين وسكون القاف، المدني (عَنْ كُرَيْبٍ) مولى ابن عبَّاس رضي الله عنهما (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) قال ابن عبد البر رواه أصحاب مالك عنه هكذا إلا أشهب وابن الماجشون فإنَّهما أدخلا بين كريب وأسامة عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهم، أخرجه النَّسائي (أَنَّهُ) أي أنَّ كريبًا (سَمِعَهُ) أي أسامة رضي الله عنه حال كونه (يَقُولُ دَفَعَ) أي انصرف.
(رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عَرَفَةَ) أي من وقوف عرفة بعرفات، وعلى مذهب من يقول إنَّ عرفة اسم للمكان أيضًا لا حاجة إلى التَّقدير، لكن قد تقدَّم أنَّه شبيه بالمولَّد (فَنَزَلَ الشِّعْبَ) الأيسر الذي دون المزدلفة (فَبَالَ) وفي رواية أبي ذرٍّ بإسقاط الفاء على الاستئناف (ثُمَّ تَوَضَّأَ) وضوءًا شرعيًّا (وَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ) أي خفَّفه بأن توضَّأ
ج 8 ص 159
مرةً مرَّة، أو خفَّف استعمال الماء بالنِّسبة إلى عادته لقلَّة الماء حينئذٍ.
وقال ابن عبد البرِّ معنى قوله (ولم يسبغِ الوضوء) ؛ أي استنجَى، وأطلق عليه اسم الوضوء اللُّغوي؛ لأنَّه من الوضاءة، وهي النَّظافة، ومعنى الإسباغ الإكمال؛ أي لم يُكمل وضوءه فيتوضَّأ للصَّلاة، قال وقد قيل إنَّ معنى قوله ولم يُسبغ الوضوء؛ أي لم يتوضَّأ في جميع أعضاء الوضوء، بل اقتَصر على بعضها، وقيل إنَّه توضَّأ وضوءًا خفيفًا.
هذا، وأنت خبيرٌ بأنَّ كون المراد الاستنجاء بعيدٌ، ويقوِّي بُعْدَه رواية المؤلِّف السَّابقة في باب الرَّجل يوضِّئ صاحبه [خ¦181] عن أسامة (( أنَّه صلى الله عليه وسلم عدل إلى الشِّعب فقضى حاجته، فجعلتُ أصبُّ الماء عليه ويتوضَّأ ) )؛ إذ لا يجوز أن يصبَّ عليه أسامة إلَّا الوضوء؛ لأنَّه كان لا يقرب منه أحدٌ وهو على حاجتهِ.
وقال القرطبيُّ اختلف الشرَّاح في قوله ولم يسبغ الوضوء هل المراد به أنَّه اقتصر على بعضِ الأعضاء فيكون وضوءًا لغويًّا، أو اقتصر على بعض العدد فيكون وضوءًا شرعيًّا قال وكلاهما محتملٌ.
لكن يعضدُ مَن قال بالثَّاني قوله في الرِّواية الأخرى (( وضوءًا خفيفًا ) )؛ لأنَّه لا يقال في النَّاقص خفيف، فإن قلت قول أسامة للنَّبي صلى الله عليه وسلم (( الصَّلاة ) )يدلُّ على أنَّه رآه توضَّأ وضوء الصَّلاة؟!
فالجواب أنَّه يُحتمل أن يكون مرادُه أتريد الصَّلاة فلِمَ لَمْ تتوضَّأ وضوء الصَّلاة؟
وقال الخطَّابي إنَّما ترك إسباغه حين نزل الشِّعب؛ لأنَّه إنَّما توضَّأ فيه ليكون مستصحبًا للطَّهارة في طريقه لكثرة الاحتياج إلى ذكر الله فيه، ولم يُرد أن يصلِّي به فتجوَّزَ فيه، فلمَّا نزل المزدلفة وأَرَادهَا أَسْبَغَه.
فإن قيل هذا يدلُّ على أنَّه توضَّأ وضوء الصَّلاة ولكن خفَّف، ثمَّ لمَّا نزل المزدلفة توضَّأ وضوءًا آخر وأسبغه، والوضوء لا يشرَّع مرَّتين لصلاةٍ واحدةٍ، قاله ابن عبد البرِّ.
فالجواب أنَّا لا نسلِّم عدم مشروعيَّة تكرار الوضوء لصلاةٍ واحدةٍ، بل ذهب جماعةٌ إلى جوازه. نعم الأفضل أن لا يضيِّع الوضوء بل يصلِّي به فرضًا أو نفلًا، ولئن سلَّمنا فيحتمل أنَّه توضَّأ ثانيًا عن حدثٍ طارئٍ، والله أعلم.
قال أسامة (فَقُلْتُ) له صلى الله عليه وسلم (الصَّلاَةُ) أي حضرت الصَّلاة، أو تصلِّي الصَّلاة (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (الصَّلاَةُ أَمَامَكَ) أي موضع هذه الصَّلاة قُدَّامك وهو المزدلفة، فهو من باب ذكر الحال وإرادة المحلِّ، أو التَّقدير وقت الصَّلاة قدَّامك بتقدير المضاف؛ لأنَّ الصَّلاةَ نفْسَها لا تُوجد قبل فعلِها، وعند فعلها لا تكون أمامهُ.
قالت الحنفيَّة المراد وقتها فيجب تأخيرها، وهو مذهب أبي حنيفة، ومحمد رحمهما الله،
ج 8 ص 160
فلو صلَّى المغرب في الطَّريق لم يجز، وعليه إعادتها ما لم يطلع الفجر.
وقال المالكيَّة يُندب الجَمْع بينهما، وظاهره أنَّه لو صلَّاهما قبل إتيانه إليها أجزأه؛ لأنَّه جَعَلَ ذلك مندوبًا، والَّذي في (( المدوَّنة ) )أنَّه يعيدهما إلَّا أنَّها عند ابن القاسم على سبيل الاستحباب، وقال ابن حبيبٍ يعيدهما أبدًا.
وقال الشَّافعية لو جمع بينهما في وقت المغرب في أرض عرفاتٍ، أو في الطَّريق، أو صلَّى كلَّ صلاةٍ في وقتها جازَ وإن خالف الأفضل، وفي الحديث تخصيصٌ لعموم الأوقات المؤقَّتة للصَّلوات الخمس ببيان فعله صلى الله عليه وسلم.
(فَجَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ) أي الوضوء لما أنَّه لم يسبغْهُ في الشِّعب بل تجوَّزَ فيه، أو أراد التَّجديد، أو توضَّأ عن حدثٍ طرأ كما مرَّ (ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَصَلَّى) صلى الله عليه وسلم بالنَّاس (الْمَغْرِبَ) أي قبل حطِّ الرِّحال كما جاء مصرَّحًا به في روايةٍ أخرى، ودلَّ عليه قوله (ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَصَلَّى) صلى الله عليه وسلم بالنَّاس صلاة العِشاء.
(وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا) نفلًا؛ لأنَّه يخلُّ بالجمع؛ لأنَّ الجمع يجعلهما كصلاةٍ واحدةٍ فوجب الولاء، كركعات الصَّلاة، ولولا اشتراط الولاء لما ترك صلى الله عليه وسلم الرَّواتب، لكن هذا فيه تفصيلٌ بين جمع التَّقديم وجمع التَّأخير كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه في الباب الآتي.