1684 - (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بفتح الحاء المهملة وتشديد الجيم في الاسم الأول، وبكسر الميم وسكون النون وبالهاء واللام، الأنماطيُّ البصريُّ، وقد مرَّ في الإيمان [خ¦55] ، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) السَّبيعي عمرو بن عبد الله، أنَّه قال (سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ) بالتَّنوين هو ابن مهران البصري.
(يَقُولُ شَهِدْتُ عُمَرَ) أي ابن الخطَّاب (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يُصَلِّي بِجَمْعٍ) أي بالمزدلفة (الصُّبْحَ ثُمَّ وَقَفَ) بالمَشعر الحرام (فَقَالَ إِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لاَ يُفِيضُونَ) بضم المثناة التحتية، من الإفاضة وهو الدَّفع.
قال الجوهريُّ وكلُّ دَفْعَةٍ إفاضةٌ قال وأفاضوا في الحديث؛ أي اندفعوا فيه وأفاض البعير؛ أي دفع جِرَّتَه من كِرْشِه فأخرجها، والمعنى أنَّهم كانوا لا يدفعون من المزدلفة إلى منى. وزاد يحيى القطَّان، عن شعبة من جَمْع. أخرجه الإسماعيلي، وكذا هو للمؤلِّف في أيَّام الجاهليَّة من رواية سفيان الثَّوري، عن أبي إسحاق.
(حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) وزاد الطَّبري من رواية عبيد الله بن موسى، عن سفيان (( حتَّى يروا الشَّمس على ثَبِيْر ) ) (وَيَقُولُونَ أَشْرِقْ) بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وكسر الراء؛ أمرٌ من الإشراق، يقال أشرق الرَّجل إذا دخل في الشُّروق، ومنه قوله تعالى {فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ} الآية [الشعراء 60] ؛ أي حال كونهم داخلين في شروق الشَّمس، كما يقال أجنب إذا دخل في الجنوب،
ج 8 ص 185
وأشمل إذا دخل في الشَّمال.
(ثَبِيرُ) بفتح المثلثة وكسر الموحدة وبالضم، منادى حُذف منه حرف النِّداء، وهو جبل المزدلفة على يسار الذَّاهب إلى منى، وهو أعظم جبال مكَّة، عُرِفَ برجُلٍ من هُذيل اسمه ثَبِير، دفن فيه، كذا قال الحافظ العسقلانيُّ والعينيُّ.
وقال النَّووي أيضًا وهو جَبَلٌ بالمزدلفة على يسار الذَّاهب إلى منى، ويمين الذَّاهب إلى عرفات، وأنَّه المذكور في صفة الحجِّ، والمراد في مناسك الحجِّ. انتهى.
ومراده ما ذكر في المناسك أنَّه يستحبُّ المبيت بمنى ليلة تاسع ذي الحجَّة، فإذا طلعت الشَّمس وأشرقت على ثبير يسيرون إلى عرفات.
قال صاحب «تحصيل المرام من تاريخ البلد الحرام» وهذا غير مستقيم؛ لأنَّه يقتضي أنَّ ثَبير المذكور في صفة الحجِّ بالمزدلفة، وإنَّما هو بمنى على ما ذكره المحبُّ الطَّبري في «شرح التنبيه» ، بل قال المجد الشِّيرازي في كتاب «الوَصْل والمُنى في بيان فَضْلِ منى» إنَّ قول النَّووي مخالفٌ لإجماع أئمَّة اللُّغة والتَّواريخ.
هذا، وقال العينيُّ وهذا الَّذي ذُكِرَ يعني ما قاله النَّووي، هو المراد هنا، وإن كان للعرب جبال أُخر اسمُ كلٍّ منها ثبير، وقال محمَّد بن الحسن إنَّ للعرب أربعة جبال أسماؤها ثبير، وكلُّها حجازيَّة.
وقال في «القاموس» وثَبير الأثبرة، وثَبير الخضراء، والنَّصْع، والزَّنج، والأعرج، والأحدب، وغيناء جبال بظاهر مكَّة، وثبير أيضًا ماء بديار مزينة أقطعها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شَريْسَ بنَ ضَمْرة، وسمَّاه شُرَيْحًَا. انتهى.
والمعنى لتطلعْ عليك الشَّمسُ يا ثَبير، وقيل معناه أطْلِع الشَّمس يا ثَبير، وقيل معناه أضئ يا ثَبير، وكلاهما ليس بظاهر.
وضبط بعضهم قوله إِشْرِق بكسر الهمزة، كأنَّه ثلاثي من شرق وليس بظاهر؛ لأنَّ شرق مستقبله يُشرق، بضم الراء، والأمر منه أُشرق، بالضم لا بالكسر.
وزاد أبو الوليد، عن شعبة عند الإسماعيليِّ (( أشرق ثَبير كيما نغير ) )بالغين المعجمة، وكذا عند ابن ماجه من طريق حجَّاج بن أرطاة، عن أبي إسحاق.
وعند الطَّبري من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، لكن بلفظ (( أشرق ثبير لعلَّنا نُغير ) ).
قال الطَّبري معناه كيما ندفع للنَّحر، ونذهب سريعًا من قولهم أغار الفرس إغارة الثَّعلب وذلك إذا دَفَعَ وأسرع في العدو، وقيل معناه نُغير على لحوم الأضاحي؛ أي ننهبها.
ج 8 ص 186
وقال ابن التِّين وضبطه بعضهم بسكون الرَّاء في ثَبير ونُغير لإرادة السَّجع، وهو من محسِّنات الكلام.
قال الخطَّابي كان أهل الجاهليَّة يقولون (أشرق ثَبير كيما نُغير) ؛ أي لتطلعْ عليك الشَّمسُ كي نَدْفَع ونُفيض، فخالفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض قبل الطُّلوع.
(وَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) بكسر الهمزة وهو الظَّاهر، وفي بعض النُّسخ بفتح الهمزة، ووجهُه غير ظاهرٍ (خَالَفَهُمْ) أي فأفاض حين السَّفر قبل طلوع الشَّمس (ثُمَّ أَفَاضَ) أي عمر رضي الله عنه فيكون حديثه انتهى عند قوله خالفهم؛ أي قال ذلك ثمَّ أفاض.
ويحتمل أن يكون فاعل (أفاض) النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عَطْفًا على قوله (خالفهم) ، ويؤيِّده ما وقع في رواية أبي داود الطَّيالسي، عن شعبة عند التَّرمذي (( فأفاض ) )بالفاء، وفي رواية الثَّوري (( فخالفهم النَّبي صلَّى الله عليه وسلم، فأفاض ) )، وفي رواية الطَّبري من طريق زكريَّا، عن أبي إسحاق بسنده (( كان المشركون لا ينفرون حتَّى تطلع الشَّمس، وأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كره ذلك فنفر قبل طلوع الشَّمس ) ).
وله من رواية إسرائيل (( فدفع لقَدْرِ صلاة القوم المسفرين لصلاة الغداة ) )، وأظهر من ذلك وأقوى في الدَّلالة ما رواه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه الطَّويل (( ثمَّ رَكِبَ القصواء حتَّى أتى المَشْعر الحرام، فاستقبل القِبلة فدعا الله تعالى وكبَّره وهلَّله ووحَّده، فلم يزل واقفًا حتَّى أسفر جدًا فدفع ) ).
(قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ) ولابن خزيمة والطَّبراني من طريق عكرمة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( كان أهل الجاهليَّة يقفون بالمزدلفة، حتَّى إذا طلعت الشَّمس فكانت على رؤوس الجبال كأنَّها العمائم على رؤوس الرِّجال دفعوا، فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسفر كلُّ شيء قبل أن تطلع الشَّمس ) ).
وللبيهقيِّ من حديث المسور بن مَخْرمة نحوه، وقد تقدَّم حديث ابن مسعود رضي الله عنه في ذلك،، وصنيع عثمان رضي الله عنه بما يوافقه.
وروى ابن المنذر من طريق الثَّوري عن أبي إسحاق، (( سألت عبد الرَّحمن بن يزيد متى دفع عبد الله من جَمْعٍ، قال كانصراف القوم المسفِرين من صلاة الغداة ) ).
وروى الطَّبراني من حديث عليٍّ رضي الله عنه قال (( لمَّا أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة غدا فوقف على قزح وأردف
ج 8 ص 187
الفضل، ثمَّ قال هذا الموقف وكلُّ المزدلفة موقف حتَّى إذا أسفر دفع )) .
وفي الحديث الوقوف بمزدلفة، وقد مرَّ أنَّه إذا ترك الوقوف بها بعد الصُّبح من غير عذرٍ فعليه دمٌ، وإن كان بعذر الزِّحام فتعجَّل السَّير إلى منى فلا شيء عليه، وفيه أيضًا الإفاضة قبل طلوع الشَّمس في يوم النَّحر. واختلفوا في الوقت الأفضل للإفاضة، فذهب الشَّافعي إلى أنَّه إنَّما يستحبُّ بعد كمال الإسفار، وهو مذهب الجمهور لحديث جابر الطَّويل وغيره.
وذهب مالك إلى استحباب الإفاضة من المزدلفة قبل الإسفار، واحتجَّ له بعض أصحابه بأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يعجِّل الصَّلاة مُغَلِّسًَا إلَّا ليدفع قبل طلوع الشَّمس [1] ، فكلَّما بعد دفعه من طلوع الشَّمس كان أولى، وفيه تأمُّل لا يخفى، ومطابقة الحديث للتَّرجمة لا تخفى.
[1] في هامش الأصل وجهه أنَّ التَّغليس كان لمصلحة الوقوف، والله أعلم. منه.