1683 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ) بفتح الراء والجيم، ابن عمر، يقال ابن المثنَّى بدل عمر الغُدَاني، بضم الغين المعجمة وتخفيف الدال المهملة، البصري، قال أبو حاتم كان ثقة، وقال ابن معين ليس به بأس.
وقال عمرو بن الفلاس كان كثيرَ الغلط والتَّصحيف ليس بحجَّة. انتهى. وقد لقيه المؤلِّف، وحدَّث عنه بأحاديث يسيرة، وروى له النَّسائي وابن ماجه.
قال (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) هو ابن يونس (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعي (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ) النَّخعي الكوفي، أنَّه (قَالَ خَرَجْنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (مَعَ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن مسعود رضي الله عنه.
(إِلَى مَكَّةَ ثُمَّ قَدِمْنَا) بكسر الدال المهملة (جَمْعًا) بفتح الجيم وسكون الميم؛ أي المزدلفة من عرفات (فَصَلَّى) عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (الصَّلاَتَيْنِ) المغرب والعشاء (كُلَّ صَلاَةٍ) بنصب كل؛ أي صلَّى كُلَّ صلاة منهما (وَحْدَهَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَالْعَشَاءُ بَيْنَهُمَا) بفتح العين لا بكسرها؛ لأنَّ المراد به الطَّعام الَّذي يتعشَّى به، والواو فيه للحال، وقد سبق فيما سبق بلفظ (( أنَّه دعا بعَشَائه فتعشَّى ثمَّ صلَّى العِشَاء ) ).
قال القاضي عياض وإنَّما فعل ذلك لينبِّه على أنَّه يُغْتَفَرُ الفصلُ اليسير بينهما.
(ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ طُلُوعَ الْفَجْرُ) وفي نسخة (قَائِلٌ) كذا في فرع اليونينية قائل بغير واو، وفي غيره بالواو، وهو الظَّاهر (يَقُولُ طَلَعَ الْفَجْرُ وَقَائِلٌ يَقُولُ لَمْ يَطْلُعِ الْفَجْرُ ثُمَّ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلاَتَيْنِ حُوِّلَتَا) أي غُيِّرتا (عَنْ وَقْتِهِمَا) المعتاد (فِي هَذَا الْمَكَانِ) أي في المزدلفة، قال البُلْقِيني لعلَّ هذا مدرجٌ من كلام ابن مسعود رضي الله عنه، ففي باب من أَذَّن وأقام [خ¦1675] ، قال عبد الله (( هما صلاتان تُحَوَّلان عن وَقْتِهما ) )، قال وحكى البيهقيُّ عن أحمد تَرَدُّدًا في أنَّه مرفوعٌ أو مدرجٌ، ثمَّ جزم البيهقي بأنَّه مدرجٌ.
وقال البَرماويُّ إنَّه لا تنافي بين الأمرين؛ فمرَّة رفع، ومرَّة وقف.
(الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ) أي المغرب الَّذي تُصلَّى في وقت العشاء، لأنَّ إحداهما المغرب، والأخرى العشاء، فقوله والعشاء لتعيين المغرب الَّتي حوِّلت عن وقتها، ويجوز فيه النَّصب فيه وفي قوله الآتي (وصلاة الفجر) على أنَّه عطف بيان
ج 8 ص 182
لقوله (هاتين الصَّلاتين) أو بدل منه.
ويحتمل أن يكون نصبهما بفعل محذوف؛ أي أعني المغرب وصلاة الفجر، ويجوز الرَّفع فيهما على أنَّه خبر مبتدأ محذوف؛ أي هما المغرب وصلاة الفجر.
وقوله (فَلاَ يَقْدَمُ) بفتح الدال المهملة (النَّاسُ جَمْعًا) أي المزدلفة (حَتَّى يُعْتِمُوا) بضم المثناة التحتية وكسر الفوقية، من الإعتام وهو الدُّخول في العَتَمة؛ أي وقت العِشاء الآخرة؛ اعتراض بين المعطوفين أحدهما قوله المغرب والآخر قوله (وَصَلاَةَ الْفَجْرِ) بالوجهين السَّابقين أعني النَّصب والرَّفع.
(هَذِهِ السَّاعَةَ) بالنَّصب ظرف؛ أي بعد طلوع الفجر، قيل ظهوره للعامَّة (ثُمَّ وَقَفَ) ابن مسعود رضي الله عنه بمزدلفة، أو بالمَشْعَر الحرام (حَتَّى أَسْفَرَ) أي أضاء الصُّبح وانتشر ضوؤه (ثُمَّ قَالَ لَوْ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ) عثمان رضي الله عنه (أَفَاضَ الآنَ) أي عند الإسفار قبل طلوع الشَّمس (أَصَابَ السُّنَّةَ) الَّتي فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافًا لما كانت عليه الجاهليَّة من الإفاضة بعد، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الباب الآتي [خ¦1684] .
قال عبد الرَّحمن بن يزيد الرَّاوي، عن ابن مسعود رضي الله عنه
(فَمَا أَدْرِي أَقَوْلُهُ) أي أَقَوْلُ ابنِ مسعود رضي الله عنه لو أنَّ أمير المؤمنين أفاض. .. إلى آخره (كَانَ أَسْرَعَ أَمْ دَفْعُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) من مزدلفة أسرع، وكان حينئذٍ أمير المؤمنين رضي الله عنه.
وقال الكِرماني وتبعه البَرماوي إنَّ القائل (فما أدري) هو ابن مسعود رضي الله عنه نفسه.
وقال الحافظ العسقلانيُّ وتبعه العينيُّ إنَّه خطأ، ووقع في رواية جرير بن حازم، عن أبي إسحاق عند أحمد من الزِّيادة في هذا الحديث، أنَّ نظير هذا القول صدر من ابن مسعود رضي الله عنه عند الدَّفع من عرفة أيضًا، ولفظه (( فلمَّا وقفنا بعرفة غابت الشَّمس، فقال لو أنَّ أمير المؤمنين أفاض الآن كان قد أصاب ) )، قال فما أدري أكلام ابن مسعود رضي الله عنه أسرع أو إفاضة عثمان رضي الله عنه، قال فأوضع النَّاس، ولم يزد ابن مسعود رضي الله عنه على العَنَقِ حتَّى أتى جَمْعًا.
وله من طريق زكريا عن أبي إسحاق في هذا الحديث (( أفاض ابن مسعود رضي الله عنه من عرفة على هينته لا يضرب بعيره حتَّى أتى جَمْعًا ) ).
وقال سعيد بن منصور بسنده عن عبد الرَّحمن بن يزيد (( إنَّ ابن مسعود رضي الله عنه
ج 8 ص 183
أَوْضَعَ بعيره في وادي مُحَسِّر )) ، وهذه الزِّيادة مرفوعةٌ في حديث جابر رضي الله عنه الطَّويل في صفة الحجِّ عند مسلم.
(فَلَمْ يَزَلْ) ابن مسعود رضي الله عنه (يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ) أي ابتداء الرَّمي لأخذه في أسباب التحلُّل، واختلف السَّلف رحمهم الله في الوقت الَّذي يقطع فيه الحاجُّ التَّلبية، فذهبت طائفة إلى أنَّ التَّلبية لا تُقْطَعُ حتَّى يرمي جَمْرة العقبة، وهو مرويٌّ عن ابن مسعود وابن عبَّاس رضي الله عنهم، وبه قال عطاء وطاوس والنَّخَعي وابن أبي ليلى والثَّوري وأبو حنيفة والشَّافعي وأحمد وإسحاق.
ورُوِيَ عن عليٍّ رضي الله عنه أنَّه كان يلبِّي في الحجِّ، فإذا زاغت الشَّمس من يوم عرفة قَطَعَها. وقال مالك وذلك الأمر الَّذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا، وقال ابن شهاب وفَعَلَ ذلك الأئمةُ أبو بكر وعمر وعثمان وعائشة رضي الله عنهم وابن المسيَّب، وذكر ابن المنذر، عن سعد مثله، وذكر أيضًا عن مكحول وكان ابن الزُّبير، يقول أفضل الدُّعاء يوم عرفة التَّكبير، وروى معناه عن جابر رضي الله عنه، ثمَّ اختلف بعض هؤلاء، فقال الثَّوري وأبو حنيفة والشَّافعي وأبو ثور يقطع التَّلبية مع أوَّل حصاة يرميها من جمرة العقبة.
وقال أحمد وإسحاق وطائفة من أهل النَّظر والأثر لا يقطعها حتَّى يرمي جمرة العقبة بأسرها، قالوا وهو ظاهر الحديث أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبِّي حتَّى رمى جمرة العقبة، ولم يقل حتَّى رمى بعضها.
هذا، لكن روى البيهقيُّ من حديث شريك، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل، عن عبد الله رضي الله عنه، قال (( رَمَقْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فلم يزَلْ يلبِّي حتَّى رَمَى جمْرة العقبة بأوَّل حصاة ) )، فإن قيل خَرَّج ابن خزيمة في «صحيحه» عن الفضل بن عبَّاس رضي الله عنهما، قال (( أفضت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفات، فلم يزل يلبِّي حتَّى رمى جمرة العقبة يكبِّر مع كلِّ حصاةٍ، ثمَّ قطع التَّلبية مع آخر حصاة ) ).
فالجواب أنَّه قال البيهقيُّ هذه زيادة غريبة ليست في الرِّوايات عن الفضل، وإن كان ابن خزيمة قد اختارها، وقال الذَّهبي فيه نكارة، وقوله يكبِّر مع كلِّ حصاة يدلُّ على أنَّه قطع التَّلبية مع أوَّل حصاة، وهذا ظاهرٌ، وسيجيء بقيَّة المبحث في الباب الَّذي بعد الباب الآتي إن شاء الله تعالى [خ¦1685] .
ثمَّ إنَّ المذكور هو حكم الحاجِّ، وأمَّا حكم المعتمر،
ج 8 ص 184
فقال قوم يقطع التَّلبية إذا دخل الحرم، وقال قومٌ لا يقطعها حتَّى يرى بيوت مكَّة، وقال قومٌ حتَّى يدخل بيوت مكَّة.
وقال أبو حنيفة لا يقطعها حتَّى يستلم الحجر، فإذا استلمه قَطَعَها، وقال اللَّيث إذا بلغ الكعبة قطعها. وقال الشَّافعي لا يقطعُها حتَّى يفتتح الطَّواف.
وقال مالك إنْ أَحْرَمَ من الميقات قَطَعَها إذا دخل الحرم، وإن أحرم من الجِعْرَانة أو من التَّنعيم قطعها إذا دخل بيوت مكَّة، أو إذا دخل المسجد. واستدلَّ إمامنا أبو حنيفة رحمه الله بما رواه وكيع، عن عمر بن ذرٍّ، عن مجاهد، قال قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( لا يقطع المعتمر التَّلبية حتَّى يستلم الرُّكن ) ).
وقال ابن حزم والَّذي نقول به فهو قول ابن مسعود رضي الله عنه أنَّه لا يقطعُها حتَّى يتمَّ جميع عمل العمرة، ومطابقة الحديثين للتَّرجمة أظهر من أن تخفى.