1704 - (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين المذكور، قال (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ) هو ابن أبي زائدة (عَنْ عَامِرٍ) هو ابن شراحيل الشَّعبي (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ فَتَلْتُ لِهَدْيِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تَعْنِي) أي عائشة رضي الله عنها (الْقَلاَئِدَ، قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ) صلى الله عليه وسلم، وقد عرفت أن الهدي يتناول الغنم أيضًا، وبهذا يطابق الحديث التَّرجمة، وأيضًا إردافه هذا الحديث بالحديثين السَّابقين يدلُّ على أنَّه مثلهما في حكم تقليد الغنم.
وهذا الحديث أخرجه البخاري في الضَّحايا أيضًا [خ¦5566] ، وأخرجه مسلم والنَّسائي في الحج.
واحتجَّ الشَّافعي بهذه الأحاديث على أنَّ الغنم يُقَلَّد، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وابن حبيب، وقال مالك وأبو حنيفة لا يُقَلَّد؛ لأنَّها تضعف عن التقليد.
وقال أبو عمر ابن عبد البر احتجَّ من لم يره بأنَّه صلى الله عليه وسلم إنَّما حج مرَّة واحدة ولم يهد فيها غنمًا، وأنكروا حديث الأسود الذي في البخاري في تقليد الغنم قالوا هذا حديث لا يعرفه أهل بيت عائشة رضي الله عنها.
وقال الحافظ العسقلاني وما أدري ما وجه الحجَّة منه؛ لأنَّ حديث الباب دلَّ على أنَّه أرسلها وأقام فكان ذلك قبل حجته قطعًا، فلا تعارض
ج 8 ص 232
بين الفعل والتَّرك؛ لأنَّ مجرد التَّرك لا يدلُّ على نسخ الجواز، ثمَّ من الذي صرَّح من الصَّحابة بأن لم يكن في هداياه في حجته غنم حتَّى يسوغ الاحتجاج بذلك. انتهى.
وقال العيني الهدي الذي أرسل به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغنم ليس هدي الإحرام، ولهذا أقام حلالًا بعد إرساله، ولم ينقل أنَّه أهدى غنمًا في إحرامه. وقوله فلا تعارض بين الفعل والتَّرك كلام واهٍ، ومن ادَّعى التَّعارض بينهما والتَّعارض تقابل الحجَّتين، وهاهنا الفعل لم يوجد فكيف يتصوَّر التَّعارض حتَّى يحتاج إلى دفعه.
وقوله ثمَّ من الذي صرح من الصَّحابة إلى آخره يُرَدُّ بأن يقال من الذي صرَّح منهم بأنَّه كان في هداياه في حجَّته غنم. هذا وقال الحافظ العسقلاني أيضًا والحنفيَّة في الأصل يقولون ليست الغنم من الهدي، فالحديث حجَّة عليهم من جهة أخرى. انتهى.
وقال العيني هذا افتراء على الحنفيَّة، ففي أيِّ موضع قالت الحنفيَّة إنَّ الغنم ليست من الهدي، بل كتبهم مشحونة بأنَّ الهدي اسم لما يهدى من النَّعم إلى الحَرَم ليتقرَّب به قالوا وأدناه شاة لقول ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( ما استيسر من الهدي شاة ) ). وعن هذا قالوا الهدي إبل وبقر وغنم؛ ذكورها وإناثها بالإجماع.
وإنَّما مذهبهم أنَّ التَّقليد في البدنة، والغنمُ ليست من البدنة، فلا تُقلَّد لعدم التَّعارف بتقليدها، إذ لو كان تقليدُها سنَّة لما تركوها، وقالوا في الحديث المذكور تفرَّد به الأسود ولم يذكُرْه غيرُه، وادَّعى صاحب «المبسوط» أنَّه أثر شاذٌّ.
فإن قيل كيف يقال تركوها، وقد ذكر ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» أنَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال (( لقد رأيت الغنم يؤتى بها مقلَّدة ) ). وعن أبي جعفر رأيت الكباش مقلَّدة. وعن عبد الله بن عبيد بن عمير أنَّ الشَّاة كانت تقلَّد. وعن عطاء رأيت ناسًا من الصَّحابة يسوقون الغنم مقلَّدة.
فالجواب أنَّه ليس في ذلك كلِّه أنَّ التقليد كان في الغنم التي سيقت في الإحرام، وأنَّ أصحابها كانوا محرمين. على أنا نقول إنَّهم ما منعوا الجواز، وإنَّما قالوا بأنَّ التَّقليد في الغنم ليس بسنَّة، ولهم أن يحتجُّوا فيما ذهبوا إليه من أنَّ التقليد [في] الغنم لا يكون في الإحرام بالزيادة الثَّابتة في رواية عبد الواحد، وهي قوله ويقيم في أهله حلالًا،
ج 8 ص 233
وكذا في الرِّواية التي بعدها أعني قولها ثمَّ يمكث حلالًا.
هذا، وقال القاضي عياض من المعروف من الرِّوايات أنَّه كان صلى الله عليه وسلم يهدي البدن كقوله في بعض الرِّوايات (( قلَّد وأَشْعَر ) )، وفي بعضها (( فلم يحرُم عليه شيء حتَّى نَحَر الهدي ) )؛ لأنَّ ذلك إنَّما يكون في البُدْن، فإنَّه قد وقع الاتفاق على أنَّ الغنم لا تشعر لضعفها، ولأنَّ الإشعار لا يظهر فيها لكثرة شعرها وصوفها، وإنَّما الغنم في رواية الأسود هذه، ولانفراده بها نزلت على حذف مضاف أي صوف الغنم كما قال في الأخرى من عهن، والعهن الصُّوف، لكن جاء في بعض روايات حديث الأسود هذا (( كنَّا نقلِّد الشَّاة ) )وهذا يرفع التأويل. انتهى.
وما قاله المنذري من أنَّ الإعلال بتفرُّد الأسود عن عائشة رضي الله عنها في ذلك ليس بعلَّة؛ لأنَّه ثقة حافظ لا يضره التفرُّد، كما ترى فافهم، والله أعلم.