فهرس الكتاب

الصفحة 2701 من 11127

1719 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَد، قال (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيد القطَّان البصري (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكِّي، قال (حَدَّثَنَا عَطَاءٌ) أي ابن أبي رباح المكِّي، أنَّه (سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاري رضي الله عنهما (يَقُولُ كُنَّا لاَ نَأْكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلاَثِ مِنًى) بإضافة ثلاث إلى منى؛ أي الأيَّام الثَّلاثة يقام بها بمنى، وهي الأيام المعدودات.

وقال في «المصابيح» والأصل ثلاث ليالي منى كما في قولهم حب رمان زيد، فإن القصد إلى إضافة الحب المختص بكونه للرُّمان إلى زيد، ومثله ابن قَيس الرُّقَيَّات، فإن المتلبس بالرقيَّات ابن قيس لا قيس.

قال التَّفتازاني وتحقيقه أن مطلق الحب مضاف إلى الرُّمان، والحب المقيَّد بالإضافة إلى الرمان مضاف إلى زيد. وقال الدَّماميني وفيه نظر، فتأمَّل.

(فَرَخَّصَ لَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ كُلُوا وَتَزَوَّدُوا، فَأَكَلْنَا وَتَزَوَّدْنَا) قال ابن جريج (قُلْتُ لِعَطَاءٍ أَقَالَ جَابِرٌ) رضي الله عنه بهمزة الاستفهام (حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَةَ؟ قَالَ) عطاء (لاَ) أي لم يقل جابر حتَّى جئنا المدينة، ووقع في رواية مسلم (( نعم ) )بدل قوله لا، والتَّوفيق بينه وبين قوله لا، أنَّه يحمل على أنَّه نسي فقال لا، ثمَّ تذكر فقال نعم.

وحديث جابر هذا يخالف ما رواه مسلم عن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن نأكلَ من لحوم نسكنا بعد ثلاث ) ).

وفي لفظ (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث ليال فلا تأكلوا ) ). وروي أيضًا عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( لا يأكل أحدكم من لحم أضحيته فوق ثلاثة أيَّام ) ).

وقال القاضي عياض اختلف

ج 8 ص 263

العلماء في الأخذ بهذه الأحاديث فقال قوم يحرم إمساك لحوم الأضاحي والأكل منها بعد ثلاث، وأنَّ حكم التَّحريم باق، كما قاله علي وابن عمر رضي الله عنهم.

وقال جماهير العلماء يباح الأكل والإمساك بعد الثَّلاث، والنَّهي منسوخ بحديث جابر رضي الله عنه هذا وغيره، وهذا من نسخ السنة بالسنة.

وقال بعضهم ليس هو نسخًا، بل كان التَّحريم لعلَّة، فلمَّا زالت زال التَّحريم، وتلك العلَّة هي الدافَّة، وكانوا منعوا من ذلك في أوَّل الإسلام من أجل الدافَّة، فلمَّا زالت العلَّة الموجبة لذلك أمرهم أن يأكلوا ويدَّخروا.

وروى مسلم من حديث مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله بن واقد قال نهى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الضَّحايا بعد ثلاث، قال عبد الله بن أبي بكر فذكرت ذلك لعمرة فقالت صدق سمعت عائشة رضي الله عنها تقول دفَّ أهل أبيات من أهل البادية حضرة الأضحى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ادخروا ثلاثًا ثمَّ تصدَّقوا بما بقي ) )، فلمَّا كان بعد ذلك قالوا يا رسول الله إنَّ النَّاس يتَّخذون الأسقية من ضحاياهم ويحملون فيها الودك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( وما ذاك؟ ) )قالوا نهيت أن نأكل لحوم الضَّحايا بعد ثلاث، فقال (( إنَّما نهيتكم من أجل الدافَّة التي دفَّت، فكلوا وادَّخروا وتصدَّقوا ) ).

قال أهل اللُّغة الدافَّة _ بتشديد الفاء _ قوم يسيرون جميعًا سيرًا خفيفًا، من دفَّ يدِفُّ _ بكسر الدال _ ودافة الأعراب من يَرِدُ منهم المِصْر، والمراد هنا من ورد من ضعفاء الأعراب للمواساة.

وقيل كان النَّهي الأوَّل للكراهة لا للتَّحريم، ثمَّ قال هؤلاء والكراهة باقية إلى يومنا هذا، ولكن لا يحرم، قالوا ولو وقع مثل تلك العلة اليوم فدفَّت دافَّة واساهم النَّاس، وحملوا على هذا مذهب علي وابن عمر رضي الله عنهم.

والصَّحيح نسخ النَّهي مطلقًا، وأنَّه لم يبق تحريم ولا كراهة، فيباح اليوم الادِّخار فوق ثلاثة، والأكل إلى ما شاء، لصريح حديث جابر وحديث بريدة رضي الله عنهما أيضًا. أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث

ج 8 ص 264

فأمسكوا ما بدا لكم )) الحديث. وأخرجه التِّرمذي والنَّسائي وابن ماجه أيضًا.

واختلف في مقدار ما يُؤكل منها وما يتصدَّق، فذكر علقمة أنَّ ابن مسعود رضي الله عنه أمره أن يتصدَّق بثلثه ويأكل ثلثه ويهدي ثلثه، وروي عن عطاء وهو قول الشَّافعي وأحمد وإسحاق، وقال الثَّوري يتصدَّق بأكثره، وقال أبو حنيفة ما أحب أن يتصدَّق بأقل من الثلث.

وقال صاحب «الهداية» ويأكل من لحم الأضحية قال هذا في غير المنذورة، أمَّا في المنذورة لا يأكل النَّاذر سواء كان معسرًا أو موسرًا، وبه قالت الثَّلاثة أعني مالكًا والشَّافعي وأحمد.

وعن أحمد يجوز الأكل في المنذورة أيضًا، ثمَّ إنَّ الأكل من أضحيته مستحبٌّ عند أكثر العلماء وعند الظَّاهرية واجب، وحكي ذلك عن أبي حفص الوكيل من أصحاب الشَّافعي.

قال صاحب «الهداية» ويطعم الأغنياء والفقراء ويدَّخر، ثمَّ روى حديث جابر رضي الله عنه الذي أخرجه مسلم عن أبي الزُّبير عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه نهى عن أكل لحوم الضَّحايا بعد ثلاث، ثمَّ قال بعد (( كلوا وتزوَّدوا وادَّخروا ) )انتهى.

قال ومتى جاز أكله وهو غني جاز أن يؤكله غنيًّا. ثمَّ قال ويستحبُّ أن لا ينقص الصَّدقة من الثُّلث؛ لأنَّ الجهات ثلاثة الأكل والادِّخار والإطعام، فانقسم عليها ثلاثًا، والله أعلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( كلوا وتزوَّدوا ) ). والحديث أخرجه مسلم في الأضاحي، والنَّسائي في الحج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت