فهرس الكتاب

الصفحة 2722 من 11127

1734 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بُن إسْماعِيلَ) التَّبوذكي، قال (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بصيغة التصغير، هو ابن خالد البصري، قال (حَدَّثَنَا ابنُ طاوُسٍ) هو عبد الله بن طاوس (عنْ أبِيهِ) طاوس بن كيسان (عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قيلَ لَهُ) في حجَّة الوداع بمنى (فِي الذَّبْحِ وَالْحَلْقِ وَالرَّمْيِ وَالتَّقْدِيمِ) أي تقديم بعض هذه الثَّلاثة على بعض (وَالتَّأْخِيرِ) أيضًا (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم.

(لاَ حَرَجَ) أي لا إثم فيه. قال الطَّحاوي

ج 8 ص 296

ما ملخصه إنَّ هذا القول له احتمالان

أحدهما أنَّه يحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم أباح ذلك له توسعة وترفيهًا في حقِّه، فيكون للحاجِّ أن يقدِّم ما شاء، ويؤخِّر ما شاء هذا.

أقول يعني من وظائف يوم النَّحر وهي رمي جمرة العقبة، ثمَّ نحر الهدي أو ذبحه، ثمَّ الحلق أو التَّقصير، ثمَّ طواف الإفاضة، على ما في حديث في «الصَّحيحين» أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أتى منى فأتي الجمرة فرماها، ثمَّ أتى منزله بمنى فنحر وقال للحالق (( خذ ) ). ولأبي داود (( رمى ثم نحر ثم حلق ) ).

وقد أجمع العلماء على مطلوبية هذا التَّرتيب إلا أنَّ ابن جهم المالكي استثنى القارن فقال لا يحلق حتَّى يطوف، وكأنَّه لاحظ أنَّه في عمل العمرة، والعمرة يتأخَّر فيها الحلق عن الطَّواف.

وردَّ عليه النَّووي بالإجماع، ونازعه ابن دقيق العيد في ذلك، هذا والاحتمال الآخر أنَّه يحتمل أن يكون قوله صلى الله عليه وسلم (( لا حرج ) )معناه لا إثم عليكم فيما فعلتموه من ذلك؛ لأنَّكم فعلتموه على الجهل منكم أو النسيان لا على القصد منكم خلاف السنَّة، فأسقط صلى الله عليه وسلم الحرج عنهم، وأعذرهم لأجل النِّسيان وعدم العلم لا أنَّه أباح لهم حتَّى إن لهم أن يفعلوا ذلك معتمدين.

والدَّليل على ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بين الجمرتين عن رجل حلق قبل أن يرمي قال (( لا حرج ) )، وعن رجل ذبح قبل أن يرمي قال (( لا حرج ) )، ثمَّ قال (( عباد الله، وضع الله عزَّ وجلَّ الضيق والحرج، وتعلَّموا مناسككم فإنَّها من دينكم ) ).

فدلَّ ذلك على أنَّ الحرج الذي رفعه الله عنهم إنَّما كان لجهلهم بأمر المناسك لا لغير ذلك، وذلك لأنَّ السَّائلين كانوا أناسًا أعرابًا لا علم لهم بالمناسك، فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله (( لا حرج ) )يعني فيما فعلتم بالجهل؛ لا أنَّه أباح لهم ذلك فيما بعد، ونفي الحرج لا يستلزم نفي وجوب القضاء أو الفدية، فإذا كان كذلك فمن فعل ذلك فعليه دم.

وقال الحافظ العسقلاني وتُعُقِّبَ ذلك بأنَّ وجوب الفدية والدَّم يحتاج إلى دليل، ولو كان واجبًا لبيَّنه صلى الله عليه وسلم حينئذٍ؛ لأنَّه وقت الحاجة فلا يجوز تأخيره.

قال الطَّبري لم يُسْقِطِ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الحرجَ إلا وقد أجزأ الفعل، إذ لو لم يجزئ لأمره بالإعادة؛ لأنَّ الجهل والنسيان لا يضعان عن المرء الحكم الذي يلزمه في الحجِّ كما لو ترك الرَّمي ونحوه، فإنَّه لا يأثم بتركه جاهلًا أو ناسيًا، لكن تجب عليه الإعادة.

ج 8 ص 297

والعجب ممَّن يحمل قوله صلى الله عليه وسلم (( لا حرج ) )على نفي الإثم فقط، ثمَّ يخص ذلك ببعض الأمور دون بعض، فإن كان التَّرتيب واجبًا يجب بتركه دم، فليكن في الجميع وإلَّا فما تخصيص بعض دون بعض مع تعميم الشَّارع الجميع بنفي الحرج.

وأمَّا احتجاج النَّخعي ومن تبعه في تقديم الحلق على غيره بقوله تعالى {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة 196] قال فمن حلق قبل الذَّبح أَهْرقَ دمًا، رواه ابن أبي شيبة عنه بسندٍ صحيحٍ، فقد أجيب عنه بأنَّ المراد ببلوغ محله وصوله إلى الموضع الذي يحل ذبحه فيه وقد حصل، وإنَّما يتم المراد أن لو قال (( ولا تحلقوا حتَّى تنحروا ) ). انتهى.

وقال العيني ليس المراد مجرد البلوغ إلى المحل الذي يذبح فيه، بل المقصد الكلِّي الذَّبح، ولهذا لو بلغ ولم يذبح يجب عليه الفدية. هذا، واحتجَّ الطَّحاوي أيضًا بقول ابن عبَّاس رضي الله عنهما من قدَّم شيئًا من نسكه أو أخَّره فليهرق لذلك دمًا قال وهو أحد من روى أن لا حرج، فدلَّ على أنَّ المراد بنفي الحرج نفي الإثم فقط.

وأجيب بأنَّ الطَّريق بذلك إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما فيها ضَعْفٌ، فإنَّ ابن أبي شيبة أخرجها وقال فيها إبراهيم بن مهاجر وفيه مقال، كذا قال الحافظ العسقلاني.

وتعقَّبه العيني بأنَّا لا نسلِّم ذلك، فإنَّ إبراهيم بن مهاجر روى له مسلم، وفي الكمال روى له الجماعة إلَّا البخاري. وروى عنه مثل الثَّوري وشعبة بن الحجَّاج والأعمش وآخرون فلا اعتبار لذكر ابن الجوزي إيَّاه في «الضُّعفاء» ، ولئن سلَّمنا ما ادعاه هذا القائل في هذا الطَّريق، فقد رواه الطَّحاوي من طريق آخر ليس فيه كلام فقال حدَّثنا نصر بن مرزوق قال حدَّثنا الخصيب قال حدَّثنا وُهَيْبٌ، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما مثله. وأخرجه ابن أبي شيبة عن جرير، عن منصور، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما مثله [1] . انتهى.

ولهذا قال الحافظ العسقلاني وعلى تقدير الصحَّة فيلزم من يأخذ بقول ابن عبَّاس رضي الله عنهما أن يوجب الدَّم في كلِّ شيء من الأربعة التي هي وظائف يوم النَّحر، ولا يخصُّه بالحلق قبل الذَّبح أو قبل الرمي، فافهم.

وقال ابن دقيق العيد منع مالك وأبو حنيفة تقديم الحلق على الرَّمي والذَّبح؛ لأنَّه حينئذٍ يكون حلقًا قبل وجود التحللين،

ج 8 ص 298

وللشَّافعي قول مثله، وقد بُنِيَ القولان له على أنَّ الحلق نسك أو استباحة محظور.

فإن قلنا إنَّه نسك جاز تقديمه على الرَّمي وغيره؛ لأنَّه يكون من أسباب التحلُّل، وإن قلنا إنَّه استباحة محظور فلا. قال وفي هذا البناء نظر؛ لأنَّه لا يلزم من كون الشَّيء نسكًا أن يكون من أسباب التحلُّل؛ لأنَّ النُّسك ما يثاب عليه، وهذا مالك يرى أنَّ الحلق نسك، ويرى أنَّه لا يُقَدَّمُ على الرَّمي مع ذلك.

وقال الأوزاعي إن أفاض قبل الرَّمي أَهْرقَ دمًا. وقال القاضي عياض اختلف عن مالك في تقديم الطَّواف على الرَّمي، وروى ابن عبد الحكم، عن مالك يجب عليه إعادة الطَّواف، فإن توجَّه إلى بلده بلا إعادة وجب عليه دم.

قال ابن بطَّال وهذا مخالف لحديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وكأنَّه لم يبلُغْه الحديث، قيل وكذا هو في رواية ابن أبي حفصة، عن الزُّهري في حديث عبد الله بن عمرو فكأنَّ مالكًا لم يحفظ ذلك عن الزُّهري.

ثمَّ إنَّ مطابقة الحديث للتَّرجمة حاصلة من قوله (والتَّقديم والتَّأخير) إلَّا أنَّه لم يقع في هذا الحديث ذكر النسيان والجهل المترجم بهما فقيل يحتمل أنَّه أشار إلى قوله في الحديث الآتي في الباب التَّالي فقال رجل لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح قال (( اذبح ولا حرج ) )الحديث، فإنَّ عدم الشُّعور أعم من يكون بجهل أو نسيان، فكأنَّه أشار إليه؛ لأنَّ أصل الحديث واحد، وإن كان المخرج متعدِّدًا.

وقد أخرج هذا الحديث مسلم في الحجِّ، وكذا النَّسائي.

[1] من قوله (( وأخرجه ابن. .. إلى قوله مثله ) )ليس في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت