1741 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) ابنُ عبد الله أبو جعفر الجعفي، المعروف بالمسندي، قال (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ) هو عبد الملك بن عمرو العَقَدي، وقد مرَّ في أوَّل كتاب الإيمان [خ¦9] قال (حَدَّثَنَا قُرَّةُ) بضم القاف وتشديد الراء، هو ابن خالد، أبو محمَّد السَّدوسي البصري، وقد مرَّ في الصَّلاة [خ¦600] (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) الإمام في عبارة الرُّؤيا (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد.
(عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ) أبيه (أَبِي بَكْرَةَ) نُفَيْع بن الحارث بن كلدة (وَرَجُلٌ) بالرفع عطفًا على عبد الرَّحمن(أَفْضَلُ فِي نَفْسِي
ج 8 ص 317
مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ)يعني ابن أبي بكرة؛ لأنَّ عبد الرَّحمن دخل في الولايات دونه، هو (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الحِمْيري، وكان عابدًا زاهدًا، قاله الحافظ العسقلاني.
وقال الكِرماني هو ابن عوف القرشي الزُّهري، وكل واحد منهما سمع من أبي بكرة، وسمع منه محمَّد بن سيرين، و (حميد) مرفوعٌ على أنَّه خبر مبتدأ محذوف، أو بدل من رجل، أو عطف بيان.
(عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) نُفيع (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ خَطَبَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ النَّحْرِ) أي بمنى عند الجمرة (قَالَ أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) فيه مراعاة الأدب، وتحرز عن التقدُّم بين يدي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتوقف فيما لا يعلم الغرض من السُّؤال عنه (فَسَكَتَ) صلى الله عليه وسلم (حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ) قال الطِّيبي فيه إشارة إلى تفويض الأمور بالكليَّة إلى الشَّارع الانعزال لما ألفوه من المعتاد المشهور.
وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما فقال (( يا أيُّها النَّاس أي يوم هذا؟ قالوا يوم حرام ) )إلى آخره، ففيه أنَّهم أجابوه، وفي حديث أبي بكرة أنَّهم سكتوا وفوَّضوا إليه الأمر، فقيل في التَّوفيق بينهما إنَّ في حديث أبي بكرة رضي الله عنه فخامة ليست في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما لزيادة لفظ أتدرون، فلهذا سكتوا فيه وفوَّضوا الأمر إليه؛ بخلاف حديث ابن عبَّاس فالسُّكوت فيه كان أولًا، والجواب بالتَّعيين كان آخرًا، وهذا يفهم أنَّهما واقعتان. وردَّ بأنَّ الخطبة يوم النحر إنَّما كانت مرَّة واحدة.
ويمكن أن يجاب عنه بأنَّ السُّؤال وقع في الخطبة المذكورة مرَّتين بلفظين، فلم يجيبوا عند قوله (أتدرون) لما ذكر، وأجابوا في المرَّة الأخرى العارية عن ذلك، أو كان السُّؤال واحدًا، وأجاب بعضهم دون بعض، أو أنَّ في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما اختصارًا.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ) بنصب (( يوم ) )على أنَّه خبر (( ليس ) )؛ أي أليس اليوم يوم النَّحر، ويجوز الرفع على أنَّه اسمها، والخبر محذوفٌ؛ أي أليس يوم النَّحر هذا اليوم (قُلْنَا بَلَى، قَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ) صلى الله عليه وسلم(حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ
ج 8 ص 318
فَقَالَ)صلى الله عليه وسلم (أَلَيْسَ ذُو الحَجَّةِ؟) أي أليس ذو الحجَّة هذا الشَّهر، ويجوز في الحاء فتحها وكسرها.
وقال صاحب «التَّوضيح» فتح الحاء أشهر، قال العيني نقله عن صاحب «التَّلويح» وهو نَقَلَه عن القزَّاز. وفي «المثلث» لابن سيده هما سواء، ولكن في السنة العامَّة الكسر أشهر، وفي رواية بإسقاط الفاء ولفظ (أليس) ، والتَّقدير هو ذو الحجَّة، وفي بعض الأصول بالنصب خبر ليس.
(قُلْنَا بَلَى، قَالَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟) بالتَّذكير (قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَسَكَتَ) صلى الله عليه وسلم (حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَلَيْسَتْ بِالْبَلْدَةِ الْحَرَامِ) بتأنيث البلدة، وتذكير الحرام الذي هو صفتها. وذلك أنَّ لفظ الحرام اضمحلَّ منه معنى الوصفية وصار اسمًا، وسقط لفظ في رواية غير ابن عساكر، والجار والمجرور الذي هو بالبلدة في موضع رفع أو نصب كما مرَّ.
قال الجوهري البلد والبلدة واحد البلاد والبلدان، والمراد هنا مكَّة. قال الخطَّابي وكذا الزرَّكشي إنَّ البلدة اسم خاصٌّ لمكَّة، وهي المراد بقوله تعالى {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ} [النمل 91] .
وقال التُّوربشتي وجه تسميتها بالبلدة وهي تقع على سائر البلدان أنَّها الجامعة للخير والكمال، المستحقَّة بأن تسمَّى بهذا الاسم لتفوقها سائر مسمَّيات أجناسها تفوُّق الكعبة في تسميتها بالبيت سائر مسميات أجناسها حتَّى كأنَّها هي المحل المستحق للإقامة بها.
وقال ابن جِنِّي من عادة العرب أن يوقعوا على الشَّيء الذي يخصونه بالمدح اسم الجنس، ألا تراهم كيف سمُّوا الكعبة (( بالبيت ) )، وكتاب سيبويه بـ «الكتاب» .
(قُلْنَا بَلَى قَالَ) صلى الله عليه وسلم (فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ) وزاد في الرِّواية السَّابقة (عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ) بجر يوم من غير تنوين ويجوز فتحه وكسره مع التنوين، وترك التنوين مع الكسر هو الذي ثبتت به الرِّواية، وشبَّه الدِّماء والأموال والأعراض في الحرمة باليوم والشَّهر والبلد؛ لاشتهار الحرمة فيها عندهم، فإنَّهم كانوا لا يرون هتك حرمتها، ويعيبون على من فعل ذلك أشدَّ العيب، وإلَّا فالمشبَّه إنَّما يكون دون المشبَّه به، ولهذا قدَّم السُّؤال عنها مع شهرتها،
ج 8 ص 319
فإن تحريمها أثبت في نفوسهم، إذ هي عادة سلفهم، وتحريم الشَّارع طارٍ، وحينئذٍ فإنَّما شبه بما هو أعلى منه باعتبار ما هو مقرَّر عندهم ليبني عليه ما أراد تقريره على سبيل التَّأكيد، وقد سبق هذا في باب العلم أيضًا [خ¦67] [خ¦105] .
(أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ قَالُوا نَعَمْ) بلغت (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (اللَّهُمَّ اشْهَدْ) أني أدَّيت ما أوجبَته عليَّ من التَّبليغ، وقد تقدَّم أنه أعاد ذلك في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّه كان فرضًا عليه أن يبلِّغ، قال تعالى {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [المائدة 67] ، فأشهد الله تعالى على أنَّه أدى ما أوجبه عليه.
(فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ) أي الحاضر هذا المجلس (الْغَائِبَ) عنه ما ذكر فيه أو جميع الأحكام التي سمعها (فَرُبَّ مُبَلَّغٍ) بفتح اللام المشددة اسم مفعول؛ أي ربَّ شخص بلغه كلامي بواسطة (أَوْعَى) أي أحفظ له وأفهم لمعناه (مِنْ سَامِعٍ) سمعه مني ونقله له.
فإن قيل كلمة ربَّ أصلها للتَّقليل، وقد يستعمل للتَّكثير فأيُّهما المراد هنا.
فالجواب أنَّ الظَّاهر أنَّ المراد هو التَّقليل، يدلُّ عليه الرِّواية التي تقدَّمت في كتاب العلم (( عسى أن يُبَلِّغَ مَنْ هو أَوْعَى له منه ) ) [خ¦67] .
(فَلاَ) بالفاء، وفي رواية أبي الوقت بالواو (تَرْجِعُوا) أي لا تصيروا (بَعْدِي) أي بعد فراقي من موقفي هذا أو بعد حياتي، وفيه استعمال رجع كصار معنى وعملًا. قال ابن مالك وهو ممَّا خفي على أكثر النَّحويين.
(كُفَّارًا) أي كالكفَّار أو لا يكفِّر بعضكم بعضًا فتستحلوا القتال، أو لا تكن أفعالكم شبيهة بأفعال الكفَّار (يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) برفع يضرب جملة مستأنفة مبينة لقوله (( لا ترجعوا بعدي كفَّارًا ) )ويجوز الجزم. قال أبو البقاء على تقدير شرط مضمر؛ أي أن ترجعوا.
ومن فوائد هذا الحديث وجوب تبليغ العلم على الكفاية، وإشاعة السُّنن والأحكام، وكذا قال النَّووي. وقد يتعيَّن في حقِّ بعض النَّاس.
وقال المهلَّب فيه أنَّه يأتي في آخر الزَّمان من يكون له من الفهم في العلم ما ليس لمن تقدَّمه إلَّا أنَّ ذلك يكون في الأقل؛ لأنَّ ربَّ موضوعة للتَّقليل. انتهى.
قال الحافظ العسقلاني هي في الأصل كذلك، إلَّا أنَّها استعملت في التَّكثير بحيث غلب على الاستعمال الأوَّل، لكن يؤيِّد أن التَّقليل هنا مراد أنَّه وقع في رواية أخرى تقدَّمت في العلم [خ¦67] بلفظ (( عسى أن يبلِّغ من هو أوعى له منه ) )انتهى، وفيها مقال تجده في «المغني» لابن هشام.
ومنها أيضًا جواز تحمل الحديث لمن لم يفهم معناه ولا فقهه إذا ضبط ما يحدِّث به، ويجوز وصفه
ج 8 ص 320
بكونه من أهل العلم بذلك، ومنها أيضًا تأكيد التَّحريم وتغليظه بأبلغ ما يمكن من تكرار ونحوه. ومنها مشروعيَّة ضرب المثل وإلحاق النَّظير بالنَّظير ليكون أوضح للسَّامع.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة. ورجال إسناده ما بين بخاري وهو شيخه، وبصري وهو غيره إن كان محمَّد بن عبد الرَّحمن هو الحميري، وإن كان هو ابن عوف فهو مدني. وفيه ثلاثة من التَّابعين.
وقد ذُكِرَ أنَّه أَخْرَجَ متْنَه في كتاب العلم في باب قول النَّبي صلى الله عليه وسلم (( ربَّ مبلَّغ أوعى من سامع ) ) [خ¦67] والله تعالى أعلم.