155 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) ابنُ عَوْن بالنون، أبو وليد الغسَّاني الأزرقي (الْمَكِّيُّ) جدُّ أبي الوليد محمد بن عبد الله صاحب تاريخ مكة، روى عن مالك وغيره، وروى عنه البخاري وحفيده مؤرخ مكة وأبو جعفر الترمذي وآخرون، مات سنة أربع أو اثنتين ومائتين، وفي طبقته أحمد بن محمد المكي أيضًا، لكن كنيته أبو محمد وجدُّه وعون يُعرَف بالقواس، وقد وَهِم من زعم أن البخاري روى عن أبي محمد الذي في طبقته، وإنما روى
ج 2 ص 76
عن أبي الوليد، ووهم أيضًا من جعلهما واحدًا.
(قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو الْمَكِّيُّ) أبو أمية القُرَشي الأموي، روى عن أبيه وجدِّه، وعنه سُوَيد وغيره، روى له البخاري وابن ماجه (عَنْ جَدِّهِ) يعني سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية، وعمرو بن سعيد هذا هو المعروف بالأشدَق الذي وَلِيَ إمرة المدينة، وكان يُجهز البُعُوث إلى مكة، وكان عمرو هذا قد تغلَّب على دمشق في زمن عبد الملك بن مروان، فقتله عبد الملك وسيَّر أولاده إلى المدينة، وسكن ولده مكة لما ظهرت دولة بني العباس فاستمروا بها.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، وفي الإسناد مكيَّان ومدنيَّان وهو من رباعيَّات البخاري، وفيه رواية الابن عن الجد، وقد أخرج متنه المؤلِّف مطوَّلًا في ذكر الجِنّ [خ¦3860] ، ولم يخرجه مسلم ولا الأربعة، وأخرجه رَزِين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ابغِني أحجارًا أستَنْفِض بها ولا تأتِنِي بعظم ولا بروثة» قلت ما بالُ العظم والروثة؟ قال «هما من طعام الجن، وإنه أتاني وَفْدُ جِنِّ نَصِيبين، ونِعْمَ الجنُّ، فسألوني الزاد، فدعوت الله تعالى لهم أن لا يمرُّوا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طُعْمًا» .
(قَالَ) أي إنَّه قال (اتَّبَعْتُ) بتشديد التاء المثناة الفوقية (النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي سِرْتُ وراءه، وقيل أيضًا _ بقطع الهمزة وسكون التاء _؛ أي لَحِقته كما في قوله تعالى {فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ} [الشعراء 60] (وَ) قد (خَرَجَ لِحَاجَتِهِ) جملة حالية بتقدير قد (وَكَانَ) النبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية بالفاء، ووجه الواو أن تكون حالية كما في الأول، فتأمل.
(لاَ يَلْتَفِتُ) وراءه إذا مشى وكانت هذه عادة مشيه صلى الله عليه وسلم (فَدَنَوْتُ) أي قربت (مِنْهُ) لأستأنس به وأقضي حاجته، وفي رواية الإسماعيلي زيادة وهي قوله فقال من هذا؟ فقلت أبو هريرة.
(فَقَالَ ابْغِنِي) بهمزة الوصل من الثلاثي؛ أي اطلب لي، يقال بغيتك الشيء؛ أي طلبته لك، وفي رواية بهمزة القطع؛ أي أعنِّي على الطلب، يقال أبغيتك الشيء؛ أي أعنتك على طلبه والأول أليق بالسياق، ويؤيده رواية الإسماعيلي .
(أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا) مجزوم على أنه جواب الأمر، ويجوز
ج 2 ص 77
الرفع على الاستئناف والاستنفاض استفعال من النفض بالنون والفاء والضاد المعجمة، وهو في الأصل أن يهزَّ الشيء ليطير غباره أو يزول ما عليه، ونفاضة كل شيء ما نفضته فسقط منه، ومعناه هنا أستنظف بها؛ أي أنظف بها نفسي عن الحدث.
وفي (( المطالع ) )أبغني أحجارًا أستنفض بها؛ أي أتمسح بها مما هنالك، وفي (( الواعي ) )أستنفض بها أي أستنجي بها، يقال هذا موضع مستنفض؛ أي متبرز، وقال المطرزي الاستنفاض الاستخراج ويكنى به عن الاستنجاء، ومن رواه بالقاف والصاد المهملة فقد صَحَّف.
وقال الصَغَاني في (( العباب ) )استنفاض الذكر وانتقاصه استبراؤه مما فيه من بقية البول، وقال أبو عبيد انتقاص الماء غسل الذكر بالماء؛ لأنه إذا غسل بالماء ارتد البول ولم ينزل، وإن لم يغسل نزل منه شيء بعد شيء حتى يستبرئ.
(أَوْ نَحْوَهُ) بالنصب؛ لأنه مقول القول وهو في المعنى جملة؛ أي قال نحو قوله أستنفض بها وذلك نحو قوله أستنجي بها كما وقع في رواية الإسماعيلي، أو أستنظف بها والتردد من بعض الرواة (وَلاَ تَأْتِنِي) بالجزم، وفي رواية بالياء، وفي رواية بحذف النون (بِعَظْمٍ وَلاَ رَوْثٍ) كأنه صلى الله عليه وسلم خَشي أن يفهم أبو هريرة رضي الله عنه من قوله «أستنفض بها» أن كل ما يزيل الأثر وينقي كافٍ ولا اختصاص لذلك بالأحجار استثنى العظم، وكذا الروث فنبَّه باقتصاره في النهي على العظم والروث على أن ما سواهما يُجزئ، ولو كان ذلك مختصًا بالأحجار كما يقوله أهل الظاهر وبعض الحنابلة لم يكن لتخصيص هذين بالنهي معنى، وإنما خص الأحجار بالذكر؛ لأنها كانت أكثرَ الأشياء التي يُستنجى بها وأقرَبَها تناولًا.
وأما استثناء العظم والروث فلكونهما طعام الجِن على ما سيجيء في رواية المصنف في المبعث في هذا الحديث أن أبا هريرة رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم لمَّا أن فرغ «ما بالُ العظم والروث؟ قال هما من طعام الجن» [خ¦3860] .
ووقع في رواية أبي داود عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن وفد الجن قَدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد! انْهَ أمتك لا يستنجوا بعظم أو روث،
ج 2 ص 78
فإن الله جعل لنا رزقًا فيهما، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وقال «إنه زَادُ إخوانكم» ، وفي رواية عنه زِيْدَ «أو حُمَمَة» هكذا «لا يستنجوا بعظم أو روث أو حُمَمَة» ، وهي _ بضم الحاء المهملة وفتح الميمين _ الفحم وما احترق من الخشب والعظام ونحوها وجمعها حُمَمٌ.
وفي رواية أبي عبد الله الحاكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابن مسعود رضي الله عنه ليلة الجن «أولئك جن نَصِيبين جاؤوني فسألوني الزاد فمتعتهم بالعظم والروث» فقال وما يغني عنهم ذلك يا رسول الله؟ قال «إنهم لا يجدون عظمًا إلا وجدوا عليه لحمه الذي كان عليه يوم أُخذ، ولا يجدون روثًا إلا وجدوا فيه حَبَّه الذي كان فيه يوم أُكِل فلا يستنجي أحدٌ بعظم ولا بروث» ، أو لأن العظم طعام الجن أنفسهم، والروث طعامٌ لدوَابِّهم لِمَا روى الحافظ أبو نعيم في (( دلائل النبوة ) )أن الجن سألوا هدية منه صلى الله عليه وسلم فأعطاهم العظم والروث، فالعظم لهم والروث لدوابهم، فإذًا لا يُستنجَى بها.
وقيل لأن العظم لا يكاد يعرى من بقية دَسَم قد عَلِق به، وقد يتأتى فيه الأكل لبني آدم؛ لأن الرخو الرقيق منه قد يتمشش في حال الرفاهية، والغليظ الصلب منه يُدق ويُستَفُ عند المجاعة والشِّدة، وقد حَرُم الاستنجاء بالمطعوم أو لأن العظم لَزِجٌ لا يكاد يتماسك فيَقْلَع النجاسة ويُنْشِف البِلَّة، وأما الروث؛ فلأنه نجس لا يزيل النجاسة بل يزيدها، ويؤيده ما رواه الدارقطني وصححه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يُستنجى بروث أو عظم وقال «إنهما لا يُطهِّران» ، فالتعليل في العظم والروث إن كان هو كونهما من طعام الجن يلحق بهما سائر المطعومات للآدميين.
وأما الطعام المختص بالبهائم فقال الماوردي لم يحرم، ومنعه ابن الصباغ، والغالب كالمُخْتَص، وأما ما اشترك واستوى بين الآدميين والبهائم ففيه وجهان أيضًا، وكذا المحترمات كأوراق كُتب العلم قياسًا بطريق الأولى، ومن قال عِلَّة النهي في الروث كونه نجسًا فيلحق به كل نجس ومتنجس، وفي العظم كونه لزجًا لا يزيل النجاسة إزالة تامة فيلحق به ما في معناه كالزجاج الأملس.
(فَأَتَيْتُهُ) قال أبو هريرة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم (بِالحِجَارةِ) أي في طرف (ثِيَابِي فَوَضَعْتُهَا [1] ) على صيغة المتكلم، وفي رواية أي فوضعها رسول الله صلى الله عليه وسلم (إِلَى جانبه وَأَعْرَضْتُ) كذا في أكثر الروايات، وفي رواية
ج 2 ص 79
من الافتعال والمعنى متقارب (عَنْهُ، فَلَمَّا قَضَى) صلى الله عليه وسلم (حاجته أَتْبَعَهُ) بهمزة القطع بمعنى ألحقه، والضمير المنصوب للقضاء الذي يدل عليه قوله «قضى» (بِهِنَّ) أي بالأحجار وكنى بذلك عن الاستنجاء.
وفي الحديث فوائد منها جواز الاستنجاء بالأحجار، وفيه رَدٌّ على من أنكر ذلك كما مر، ومنها أن الأحجار لا تتعين للاستنجاء، بل يقوم مقامها كل جامد طاهر قالعٍ غير محترم، وتنصيصه صلى الله عليه وسلم عليها لكونها الغالب المُيَسَّر، ووجودها بلا كُلفة ومشقة في تحصيلها كما سبق، ومنها النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث.
وقد اختلف العلماء فيه، فقال الثوري والشافعي وإسحاق والظاهرية لا يجوز الاستنجاء بالعظام واحتجوا فيه بظاهر الحديث، واختلفت الرواية عن مالك في هذا؛ يعني الاستنجاء بالعظم، والمشهور عنه النهي عنه على ما جاء في الحديث، وعنه أيضًا أنه أجاز ذلك وقال ما سمعت في ذلك بنهي عام، وذهب بعض البغداديين إلى جواز الاستنجاء إذا وقع بأي شيء كان، وهو قول أبي حنيفة.
وفي (( البدائع ) )فإن فعل ذلك يعني الاستنجاء بالعظم يعتدُّ به عندنا فيكون مقيمًا سُنَّة، ومرتكبًا كراهية، وقد ذكر ابن جرير الطَّبري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان له عظم يستنجي به ثمَّ يتوضأ ويصلي، وشذَّ ابن جرير فأجاز الاستنجاء بكل طاهر ونجس، ويكره بالذهب والفضة عند أبي حنيفة، وعن الشافعي في قولٍ لا يُكره، وكره بعض العلماء الاستنجاء بعشرة أشياء العظم، والرَّجيع، والروث، والطعام، والفحم، والزجاج، والورق، والخزف، وورق الشجر، والسَّعْتَر، ولو استنجى بها أجزأه مع الكراهة.
وقال بعض الشافعية يجوز الاستنجاء بالعظم إذا [2] كان طاهرًا لا زُهُومة عليه لحصول المقصود، ولو احترق العظم الطاهر بالنار وخرج عن حاله ففيه وجهان عند الشافعية حكاهما الماوردي
أحدهما جواز الاستنجاء به؛ لأن النار أحالته، والثاني عدم الجواز لعموم النهي عن الرِّمَة، وهي العظم البالي ولا فرق بين البِلى بالنار أو بمرور الزمان، وهذا أصح.
ومنها كراهة [3] الاستنجاء بجميع المطعوم مقتاتًا أو غير مقتات، فإنه صلى الله عليه وسلم
ج 2 ص 80
نبَّه بالعظم على ذلك كما تقدم، ويلتحق به المحترمات كأجزاء الحيوان وأوراق كتب العلم وغير ذلك، ومنها إعداد الأحجار للاستنجاء لئلا يحتاج إلى طلبها بعد قيامه فلا يأمن من التلويث، ومنها جواز اتباع السادات بغير إذنهم واستخدام المتبوعين للأتباع، ومنها استحباب الإعراض عن قاضي الحاجة، ومنها جواز الرواية بالمعنى حيث قال أو نحوه،
ومنها مشروعية الاستنجاء. وقد اختلف العلماء فيه فمنهم من قال بوجوبه واشتراطه في صحة الصلاة، وإليه ذهب الشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وإسحاق، وأبو داود، ومالك في روايةٍ لأمرِه عليه السلام بالاستنجاء بثلاثة أحجار [4] وكل ما فيه تعدُّد يكون واجبًا.
وقال أبو حنيفة وأصحابه ومالك في رواية والمزني من أصحاب الشافعي إنَّه سنة، واحتجوا في ذلك بما رواه أبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن ومَن لا فلا حرج، ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومَن لا فلا حرج» والحديث صحيح ورجاله ثقات.
فإن قلت الاستدلال بالحديث غير تام؛ لأن المراد لا حرج في ترك الإيتار؛ أي الزائد على [5] ثلاثة أحجار وليس المراد ترك أصل الاستنجاء، وقد قال الخطابي معنى الحديث التمييز بين الماء الذي هو الأصل، وبين الأحجار التي هي للترخيص، لكنه إذا استجمر بالحجارة فليجعل وترًا وإلا فلا حرج في [6] تركه إلى غيره، وليس معناه ترك التعبُّد أصلًا بدليل حديث سلمان نهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار.
فالجواب أن الشارع صلى الله عليه وسلم نفى الحرج عن تارك الاستنجاء، فدل على أنه ليس بواجب، وكذلك ترك الإيتار لا يضر؛ لأن ترك أصله لما لم يكن مانعًا فما ظَنُّك بِترك وصفه؟ فدل الحديث على انتفاء المجموع، وأجابوا عن الأمر بالاستنجاء بثلاثة أحجار بأنه يحتمل أن يكون على وجه الاستحباب، والمحتمل لا يصلُح حُجَّةً إلا بمُرَجِّح لأحد المعاني وفيما ذكره أهل المقالة الثانية إعمال للأحاديث كلها، وفيما قاله هؤلاء إهمال لبعضها والعمل بالكل أولى كما لا يخفى، ومنها كون الاستنجاء قبل الوضوء اقتداءً به عليه السلام وخروجًا من الخلاف فإنه شرط عند أحمد وإن أخَّرَه لم يُجْزِ عنده.
[1] في (خ) (( فوسعتها ) ).
[2] في (خ) (( إن ) ).
[3] في (خ) (( كراهية ) ).
[4] في هامش الأصل كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( وليستنج بثلاثة أحجار ) )، وفي حديث عائشة رضي الله عنها الذي أخرجه ابن ماجه وأحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( إذا ذهب أحدكم الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن ) ). منه.
[5] في (خ) (( عن ) ).
[6] في (خ) (( إن ) ).