1785 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) المعروف بالزَّمِن، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ) بن الصَّلت الثَّقفي البصري أبو محمد، مات سنة أربع وتسعين ومائة (عَنْ حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ) المزني البصريِّ، مولى معقل بن يسار، واختلف في اسم أبيه؛ فقيل زائدة، وقيل زيد، وثقه أحمد وابن معين وأبو زرعة، وقال النَّسائي ليس بالقويِّ، له في البخاريِّ هذا الحديث عن عطاء، عن جابر رضي الله عنه، وعلَّق له المؤلِّف في (( بدء الخلق ) )آخر عن عطاء، عن جابرٍ رضي الله عنه [خ¦3316] ، والأحاديث الثَّلاثة بمتابعة ابن جريج عن عطاء، وروى له الجماعة.
(عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاريُّ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهَلَّ) أي هو (وَأَصْحَابُهُ) بالرفع، وفي نسخة باليونينية بالنصب على أنَّه مفعول معه، فافهم (وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بنصب (غير) على الاستثناء (وَطَلْحَةَ) هو ابن عبيد الله بن عثمان التَّيمي القرشيِّ المدني، أبو محمد، أحد المشهود لهم بالجنَّة، وأحد الثَّمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذين سلَّموا على يد أبي بكر رضي الله عنه، وأحد السِّتة أصحاب الشُّورى، وهو عطف على النَّبي صلى الله عليه وسلم.
وحاصله أنَّه لم يكن هديٌ إلَّا مع النَّبي صلى الله عليه وسلم ومع طلحة رضي الله عنه.
لكنَّ هذا مخالفٌ لما رواه مسلم وأحمد وغيرُهما من طريق عبد الرَّحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت (( إنَّ الهدي كان مع النَّبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكرٍ وعمر وذوي اليسار ) ).
وسيأتي إن شاء الله تعالى بعد بابين للبخاريِّ من طريق أفلح، عن القاسم بلفظ [خ¦1788] (( ورجالٍ من أصحابه ذوي قوَّة ) ). الحديث، ويجمع بينهما بأنَّ كلًّا منهما قد ذَكَرَ ما شاهَدَه واطَّلع عليه.
وقد
ج 8 ص 410
روى مسلم أيضًا من طريق مسلمٍ القُرِّي، بضم القاف وتشديد الراء، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في هذا الحديث، وكان طلحة ممَّن ساق الهدي ولم يحلَّ.
وهذا شاهدٌ لحديث جابر رضي الله عنه في ذكر طلحة في ذلك، ويشهد أيضًا لحديث عائشة رضي الله عنها أنَّ طلحة لم ينفرد بذلك وداخلٌ في قولها (( وذوي اليسار ) ).
وروى مسلمٌ أيضًا من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما (( أنَّ الزُّبير رضي الله عنه كان ممَّن كان معه الهدي ) ).
(وَكَانَ عَلِيٌّ) هو ابن أبي طالبٍ رضي الله عنه (قَدِمَ مِنَ الْيَمَن) إلى مكَّة، وفي رواية ابن جريج، عن عطاء عند مسلم من سعايته، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان ذلك في أواخر (( المغازي ) ) [خ¦4352] .
(وَمَعَهُ الْهَدْيُ) جملة حالية، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمُّويي والمُسْتَملي بالتَّنكير (فَقَالَ) بعد أن سأله النَّبي صلى الله عليه وسلم بما أهلَلْت (أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وزاد في الشركة [خ¦2505] عند المؤلِّف (( فأمره أن يقيم على إحرامه وأشركه في الهدي ) )، وقد مرَّ تفصيله في باب مَن أهلَّ في زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم بإهلال النَّبي صلى الله عليه وسلم [خ¦1557] (وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لأَصْحَابِهِ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً) أي يجعلوا الحجَّة عمرةً بفسخها إليها (يَطُوفُوا) بيان لقوله يجعلوها عمرةً، وزِيْدَ في روايةٍ (( بالبيت ) )وقوله (ثُمَّ يُقَصِّرُوا) أي بعد السَّعي بين الصَّفا والمروة عطف على قوله يطوفوا؛ أي ثمَّ يأخذوا من شعر رؤوسهم.
(وَيَحِلُّوا) من إحرامهم، وهو بفتح أوله وكسر الحاء، من حلَّ (إِلاَّ مَنْ) كان (مَعَهُ الْهَدْيُ) فلا يحلُّ، وفي رواية مسلمٍ من طريق ابن جريج، قال عطاء قال جابر رضي الله عنه (( فقدم النَّبي صلى الله عليه وسلم صبح أربعةٍ، مضت من ذي الحجَّة فأمرنا أن نحلَّ ) ). قال عطاء قال (( حِلُّوا وأصيبوا النِّساء ) )قال عطاء ولم يعزم عليهم ولكن أحلَّهنَّ لهم، فقلنا لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلَّا خمس أَمَرَنا أن نُفْضِيَ إلى نسائنا، فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا بالمنيِّ، قال يقول جابر بيده كأنِّي أنظر إلى قوله بيده يحرِّكها قال فقام النَّبي صلى الله عليه وسلم فينا فقال (( قد علمتُم أنِّي أتقاكم لله وأصدقكم وأبرُّكم، ولولا هديي لحللت كما تحلُّون، ولو استقبلتُ
ج 8 ص 411
من أمري ما استدبرتُ لم أَسُقِ الهدي، فحلُّوا فحلَّلنا وسمعنَا وأطعنا )) الحديث.
(فَقَالُوا) أي أصحابه رضي الله عنهم (نَنْطَلِقُ إِلَى مِنًى) بحذف همزة الاستفهام؛ أي أننطلق إلى منى (وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ) بالمنيِّ، وهذا من باب المبالغة، وذلك أنَّ الحِلَّ يفضي بنا إلى مجامعة النِّساء، ثمَّ نحرم بالحجِّ فنخرج وذَكَرُ أَحَدِنا لقربه من المواقعة يقطر منيًّا، وحالة الحجِّ تنافي التَّرفه وتناسب الشَّعث فكيف يكون ذلك؟
قال الطِّيبي ولعلَّهم إنَّما شقَّ عليهم ذلك لإفضائهم إلى النِّساء قبل انقضاء المناسك؛ لأنَّ من لازم الإحلال إباحة إتيان النِّساء، وقيل شقَّ عليهم أن يحلُّوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم محرم، ولم يعجبهم أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ويتركوا الاقتداء به صلى الله عليه وسلم.
(فَبَلَغَ) ذلك الذي قالوه (النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم تطييبًا لقلوبهم قد علمتُم أنِّي أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم (لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ) أي لو علمت في الأول ما علمته في الآخر ممَّا حصل لأصحابه من مشقَّة انفرادهم عنه بالفسخ حتَّى إنَّهم توقَّفوا وتردَّدوا وراجعوا حتَّى غضب صلى الله عليه وسلم كما في «السُّنن» من رواية البراء بن عازب رضي الله عنه كما ننقله إن شاء الله تعالى (مَا أَهْدَيْتُ) أي ما سُقْت الهدي (وَلَوْلاَ أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لأَحْلَلْتُ) من إحرامي؛ لأنَّ من معه الهدي لا يحلُّ حتَّى ينحر، ولا ينحر إلَّا يوم النَّحر، فلا يصحُّ له فسخ الحجِّ بعمرةٍ، والمقدمة الأولى للتَّمني عمَّا فات، والثَّانية لحكم الحال.
وقال ابن الأثير لو عنَّ لي هذا الرَّأي الذي رأيته آخرًا لأمرتكم به في أوَّل أمري، وفيه جواز قول (لو) في التَّأسف على فوات أمرٍ من أمور الدِّين.
وأمَّا حديث (( لو تفتح عمل الشَّيطان ) )فمحمولٌ على التَّأسف في حظوظ الدُّنيا.
(وَأَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) بفتح همزة أنَّ عطفٌ على أن المذكورة في أوَّل الحديث (حَاضَتْ) بسَرِف قبل دخولهم مكَّة، وفي رواية مسلم، عن أبي الزُّبير، عن جابر رضي الله عنه (( أنَّ دخول النَّبي صلى الله عليه وسلم عليها وشكواها ذلك له صلى الله عليه وسلم كان يوم التَّروية ) )، وروى مسلم أيضًا من طريق مجاهد عن عائشة رضي الله عنها (( أنَّ طهرها كان بعرفة ) ). وفي رواية القاسم عنها (( وطهرت صبيحة ليلة عرفة حين قدمنا منى ) )، وله من طريقٍ آخر (( فخرجت في حجَّتي حتَّى نزلنا
ج 8 ص 412
من منى فتطهَّرت، ثمَّ طفنا بالبيت )) الحديث.
واتَّفقت الرِّوايات كلُّها على أنَّها طافت طواف الإفاضة يوم النَّحر، واقتصر النَّووي في «شرح مسلم» على النَّقل عن أبي محمد ابن حزم في أنَّ عائشة رضي الله عنها حاضت يوم السَّبت ثالث ذي الحجة، وطهرت يوم السَّبت عاشرَ يوم النَّحر.
وإنَّما أخذه ابن حزم من هذه الرِّوايات التي في مسلم، ويجمع بين قولي مجاهد والقاسم بأنَّها رأت الطُّهر وهي بعرفة، ولم يتهيَّأ لها الاغتسال إلَّا بعد أن نزلتْ منى، أو انقطع الدَّم عنها بعرفة، وما رأت الطُّهر إلَّا بعد أن نزلت منى، وهذا أولى، والله أعلم.
(فَنَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ) المتعلِّقة بالحجِّ (كُلَّهَا غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ) للعمرة لمانع الحيض، وزاد في رواية والمعنى ولم تسع أيضًا بين الصَّفا والمروة، وحذفه؛ لأنَّ السَّعي لا بدَّ من تقدُّم طواف عليه، فيلزم من نفيِه نفيه، فاكتفى بنفي الطَّواف.
(قَالَ) جابرٌ رضي الله عنه (فَلَمَّا طَهُرَتْ) بضم الهاء وفتحها؛ أي عائشة رضي الله عنها بعرفة (وَطَافَتْ) بالبيت طواف الإفاضة يوم النَّحر وسعت بين الصَّفا والمروة (قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنْطَلِقُونَ بِحَجَّةٍ) منفردةٍ عن عُمْرة (وَعُمْرَةٍ) منفردةٍ عن حَجَّة (وَأَنْطَلِقُ بِالْحَجِّ؟) من غير عُمْرةٍ منفردةٍ، وتمسَّك بعضهم بهذا على أنَّ عائشة رضي الله عنها لمَّا حاضت تركت عمرتها واقتصرت على الحجِّ، وقد تقدَّم البحث فيه في باب التَّمتع والإقران [خ¦1561] .
(فَأَمَرَ) صلى الله عليه وسلم (عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق رضي الله عنهما (أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيمِ) لتعتمر منه تطييبًا لقلبها (فَاعْتَمَرَتْ) منه (بَعْدَ الْحَجِّ فِي ذِي الْحَجَّةِ) ليلة المُحَصَّب (وَأَنَّ سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ) بضم السين وتخفيف الراء وبالقاف، وجُعْشَم، بضم الجيم والشين المعجمة، بينهما عين ساكنة، الكنانيُّ المدلجي، وقد مرَّ في باب من أهلَّ في زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم [خ¦1557] .
(لَقِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِالْعَقَبَةِ) وفي رواية (وَهُوَ يَرْمِيهَا) جملة حالية؛ أي وهو صلى الله عليه وسلم يرمي جمرة العقبة، وفي رواية يزيد بن زُرَيع، عن حبيب المعلِّم عند المؤلِّف في كتاب التمني [خ¦7230] (( وهو يرمي جمرة العقبة ) )وفيه بيان المكان الذي سأل فيه
ج 8 ص 413
سراقة عن ذلك (فَقَالَ) أي سراقة (أَلَكُمْ هَذِهِ) أي هذه الفعلة، وهي فسخ الحجِّ إلى العمرة أو القِران أو العمرة في أشهر الحجِّ (خَاصَّةً، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) والهمزة في (ألكم) للاستفهام على سبيل الاستخبار؛ أي (إنَّ) هذه الفعلة مخصوصةٌ بكم في هذه السنة أو لكم ولغيركم أبدًا فأجاب النَّبي صلى الله عليه وسلم (قَالَ لاَ، بَلْ لِلأَبَدِ) وفي رواية يزيد بن زريع (( ألنا هذه خاصَّة ) )، وفي رواية جعفر عند مسلم فقام سراقة فقال يا رسول الله، ألعامنا هذا [1] أم للأبد فشبَّك صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدةً في الأخرى وقال (( دخلت العمرة في الحجِّ مرَّتين، لا بل لِأَبدِ الأبد ) ).
وقال النَّووي اختلف العلماء في معناه على أقوالٍ أصحُّها وبه قال جمهورهم معناه أنَّ العمرة يجوز فعلها في أشهر الحجِّ إلى يوم القيامة، والمقصود به بيان إبطال ما كانت الجاهليَّة تزعمه من امتناع العمرة في أشهر الحجِّ.
والثَّاني معناه جواز القِران؛ أي دخلت أفعال العمرة في أفعال الحجِّ إلى يوم القيامة.
والثَّالث تأويل بعض القائلين بأنَّ العمرة ليست واجبةً قالوا معناه سقوط العمرة، ومعنى دخولها في الحجِّ سقوط وجوبها، وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّه يقتضي الفسخ بغير دليلٍ، أو باطلٍ؛ إذ سياق الحديث يقتضي بطلانه.
والرَّابع تأويل بعض أهل الظَّاهر أنَّ معناه جواز فسخ الحجِّ إلى العمرة، وهذا أيضًا ضعيفٌ قاله النَّووي، وتُعُقِّبَ بأنَّ سياق السُّؤال يقوي هذا التَّأويل، بل الظَّاهر أنَّ السُّؤال وقع عن الفسخ، وهو مذهب الحنابلة، بل قال المرداويُّ في كتابه «الإنصاف في معرفة الرَّاجح من الخلاف» وهو شرح «المقنع» لشيخ الإسلام موفق الدِّين ابن قدامة إنَّ فسْخَ القارن والمفرد حجهما إلى العمرة مُستحبٌّ بشرطه نصَّ عليه، وعليه الأصحاب قاطبةً قال وهو من مفردات المذهب، لكن المصنِّف؛ يعني ابن قدامة هنا ذَكَرَ الفسخَ بعد الطَّواف والسَّعي، وقَطَعَ به الخِرقيُّ، وقدَّمه الزَّركشي وقال هذا ظاهر الأحاديث.
وعن ابن عقيل الطَّواف بنيَّة العمرة هو الفسخ، وبه حصل رفض الإحرام لا غير قال فهذا تحقيق فسخ الحجِّ وما ينفسخ به.
وقال في «الكافي» يسنُّ لهما إذا لم يكن معهما هدي أن يفسخا نيَّتهما بالحجِّ وينويا عمرةً مفردةً ويَحِلَّا من إحرامهما بطوافٍ وسعي وتقصيرٍ ليصيرا
ج 8 ص 414
متمتِّعين، وقال في «الانتصار» لو ادَّعى مدَّعٍ وجوب الفسخ لم يبعد.
وقال الشَّيخ تقي الدِّين ولو ساق هديًا فهو على إحرامه لا يصحُّ فسخه الحجَّ إلى العمرة على الصَّحيح عندهم، وحيث صحَّ الفسخ لزم دم على الصَّحيح من مذهبهم، نصَّ عليه وعليه أكثر الأصحاب. انتهى.
وقال بعض الحنابلة نحن نُشْهِدُ الله أنَّا لو أحرمنا بحجٍّ لرَأَيْنَا فرضًا فسخه إلى عُمْرة تفاديًا من غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وذلك أنَّ في «السُّنن» عن البراء بن عازب رضي الله عنه خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فأحرمنا بالحجِّ، فلمَّا قدمنا مكَّة قال (( اجعلوها عمرةً ) )فقال النَّاس يا رسول الله، قد أحرمنا بالحجِّ فكيف نجعلها عمرة؟ قال (( انظروا ما آمركم به فافعلوا ) )فردَّدوا عليه القول فغضب. الحديث.
وقال سلمة بن شبيب لأحمد كلُّ أمرك عندي حسن إلَّا خلة واحدةٌ، قال وما هي؟ قال تقول بفسخ الحجِّ إلى العمرة، فقال يا سلمة، كنت أرى لك عقلًا؛ عندي في ذلك أحد عشر حديثًا صحاحًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتْرُكُها لقولك!
والحاصل أنَّ مذهب الحنابلة أنه يجوز لكلِّ من أحرم بحجٍّ وليس معه هديٌ أن يقلب إحرامه عمرةً ويتحلَّل بأعمالها إلى يوم القيامة.
وقال مالك والشَّافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء من السَّلف والخلف إنَّه مختصٌّ بهم في تلك السنة لا يجوز بعدها؛ ليخالفوا ما كانت عليه الجاهليَّة من تحريم العمرة في أشهر الحجِّ بحديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه الذي رواه مسلم (( كانت المتعة في الحجِّ لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصَّة ) )يعني فسخ الحجِّ إلى العمرة.
وروى النَّسائي عن الحارث بن بلال، عن أبيه قال قلتُ يا رسول الله، فسخُ الحجِّ لنا خاصَّة أم للنَّاس عامَّة فقال (( بل لنا خاصَّة ) ).
ولا يعارضه حديث سراقة؛ لأنَّ سبب الأمر بالفسخ ما كان إلَّا تقرير الشَّرع العمرة في أشهر الحجِّ ما لم يكن مانعُ سَوقِ الهَدي، وذلك أنَّه كان مُستعظمًا عندهم، حتَّى كانوا يعدُّونها في أشهر الحجِّ من أفجر الفجور، فكَسَر سَورة ما استحكم في نفوسهم من الجاهليَّة من إنكاره بحَمْلِهم على فعله بأنفسهم، فلو لم يكن حديث الحارث بن بلال
ج 8 ص 415
ثابتًا كما قال الإمام أحمد حيث قال لا يثبت عندي ولا يعرف هذا الرَّجل، كان حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( كانوا يرون العمرة في أشهر الحجِّ من أفجر الفجور في الأرض ) )الحديث، صريحًا في كون سبب الأمر بالفسخ هو قصد مَحو ما استقرَّ في نفوسهم في الجاهليَّة بتقرير الشَّرع بخلافه، فالظَّاهر أنَّ معنى حديث سراقة جواز الاعتمار في أشهر الحجِّ والقِران.
وقال ابن المنيِّر ترجم على أنَّ العمرة من التَّنعيم، ثمَّ ذكر حديث سراقة، وليس فيه تعرُّض لميقات ولكن لأصل العمرة في أشهر الحجِّ، وأجاب بأنَّ وجه ذكره في التَّرجمة الردُّ على من لعلَّه يزعم أنَّ التَّنعيم كان خاصًّا باعتمار عائشة رضي الله عنها حينئذٍ، فقرَّر بحديث سراقة أنَّه غير خاصٍّ وأنَّه عام أبدًا.
وحديث الباب أخرجه المؤلِّف في التَّمني [خ¦7230] ، وأبو داود في الحج أيضًا.
[1] من قوله (( وفي رواية جعفر ... إلى قوله ألعامنا هذا ) )ليست في (خ) .