1791 - 1792 - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو ابنُ راهويه (عَنْ جَرِيرٍ) هو ابنُ عبد الحميد، وقد أورده في «مسنده» بلفظ أخبرنا جرير (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) أي ابن أبي خالدٍ الأَحْمَسِي البَجَليِّ الكوفيِّ، واسم أبي خالد سعد ويقال هرمز، ويقال كثير، مات سنة أربع أو خمس أو ستٍّ وأربعين ومائة (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى) واسم أبي أوفى علقمة، مات سنة ستٍّ وثمانين، وهو أحد من روى عنه أبو حنيفة رضي الله عنه، قال العينيُّ ولا يُلْتَفَتُ إلى قول المنكر المتعصب، أنَّه قال (اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي عمرة القضاء (وَاعْتَمَرْنَا مَعَهُ فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ طَافَ) بالبيت (وَطُفْنَا) بالواو، وفي رواية أبي الوقت بالفاء (مَعَهُ وَأَتَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ) فسعى بينهما (وَأَتَيْنَاهَا) بإفراد الضمير؛ أي أتينا بقعة الصَّفا والمروة، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَني بالتثنية؛ أي الصَّفا والمروة (مَعَهُ وَكُنَّا نَسْتُرُهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ) المشركين مخافة (أَنْ يَرْمِيَهُ أَحَدٌ) منهم، ووقع في عمرة القضيَّة (( سَتَرْنَاه من غلمان المشركين ومنهم أنْ يُؤْذوه ) )، قال إسماعيل بن أبي خالد (فَقَالَ لَهُ) أي لعبد الله بن أبي أوفى (صَاحِبٌ لِي) لم يسمَّ في الرِّواية (أَكَانَ)
ج 8 ص 430
أي النَّبي صلى الله عليه وسلم (دَخَلَ الْكَعْبَةَ؟ قَالَ) أي ابن أبي أوفى (لاَ) أي لم يدخلها في تلك العمرة، وليس المراد نفي دخوله مطلقًا؛ لأنَّه ثبت دخوله في غير هذه الحالة.
(قَالَ) أي الصَّاحب المذكور لابن أبي أوفى (فَحَدِّثْنَا) بلفظ الأمر (مَا قَالَ) صلى الله عليه وسلم (لِخَدِيجَةَ؟) بنت خويلد زوج النَّبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنها (قَالَ بَشِّرُوا خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ منَ الْجَنَّةِ) وفي رواية أبي ذرٍّ بكلمة في بدل من؛ أي بقصرٍ، قاله الخطَّابي (مِنْ قَصَبٍ) بفتح القاف والصاد المهملة، بعدها موحدة، ووقع في حديث عند الطَّبراني تفسيرُه من طريق ابن أبي أوفى بلفظ (( يعني قصب اللؤلؤ ) ). وعنده في «الكبير» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( ببيتٍ من لؤلؤة مجوَّفة ) )، وعنده في «الأوسط» من حديث فاطمة رضي الله عنها قالت قلت يا رسول الله! أين أمِّي خديجة؟ قال (( في بيتٍ من قصب ) )قلت أَمِنْ هذا القصب؟ قال (( لا من القصب المنظوم بالدُّرِّ واللؤلؤ والياقوت ) ).
فإن قيل ما النَّكتة في قوله من قصبٍ، ولم يقل من لؤلؤ؟
فالجواب أنَّ في لفظ القصب، مناسبةً لكونها أحرزت قصب السَّبق لمبادرتها إلى الإيمان دون غيرها.
فإن قيل لم قيل ببيتٍ، ولم يقل بقصر، والقصر أعلى وأشرف؟
فالجواب أنَّها لما كانت ربَّة بيتٍ قبل المبعث ثمَّ صارت ربَّة بيتٍ في الإسلام منفردة به، فلم يكن على وجه الأرض في أوَّل يومٍ بعث النَّبي صلى الله عليه وسلم بيت في الإسلام إلَّا بيتها، وهي فضيلة ما شاركها فيها غيرها، وجزاء الفعل يذكر غالبًا بلفظه، وإن كان أشرف منه قصدًا للمشاكلة، ومقابلة اللفظ باللفظ، فلهذا جاء الحديث بلفظ البيت دون ذكر القصر.
(لاَ صَخَبَ فِيهِ) بفتح الصاد المهملة والخاء المعجمة، وبالباء الموحدة؛ أي لا صياح فيه، وما من بيتٍ في الدُّنيا يجتمع فيه أهله إلَّا كان بينهم صياحٌ وجلبة (وَلاَ نَصَبَ) بفتح النون والمهملة والموحدة؛ أي ولا تعب فيه، وما من بيتٍ في الدُّنيا إلَّا كان في بنائه وإصلاحه نَصَبٌ وتَعَبٌ، فأخبر أنَّ قصور أهل الجنَّة بخلاف ذلك ليس فيها شيءٌ من الآفات التي تعتري أهل الدُّنيا.
وقال السُّهيلي
ج 8 ص 431
مناسبة نفي هاتين الصِّفتين أنَّه صلى الله عليه وسلم لمَّا دعاها إلى الإيمان أجابت رضي الله عنها طوعًا ولم تحوجه إلى رفع صوتٍ ولا منازعةٍ ولا تعبٍ في ذلك، بل أزالت عنه كلَّ نصبٍ وآنسته من كلِّ وحشةٍ، وهوَّنت عليه كلَّ عسيرٍ، فناسب أن يكون منزلها الذي بشَّرها به ربُّها بالصِّفة المقابلة.
واعلم أنَّ خديجة رضي الله عنها وأرضاها أوَّل من أسلم من النسوان بل هي أوَّل من أسلم مطلقًا، قال ابن عبد البرِّ اتَّفقوا على أنَّ خديجة رضي الله عنها أوَّل من آمن مطلقًا.
وقال ابن الأثير هي أوَّل خلق الله أسلم بإجماع المسلمين ولم يتقدَّمها رجلٌ ولا امرأةٌ، وذكر نحوه الذَّهبي، وأخرج البيهقيُّ عن محمَّد بن كعبٍ القرظيِّ أنَّها أوَّل من آمن من النِّساء والرِّجال.
وحكى الثَّعلبي الإجماع عليه قال وإنَّما الخلاف فيمن أسلم بعدها، وقال النَّووي إنَّه الصَّواب عند المحدِّثين، وأوَّل من أسلم من الرِّجال على القول الأصحِّ هو أبو بكر عبد الله بن عثمان بن عامر الصِّديق الأكبر رضي الله عنه، وأوَّل من آمن من الصِّبيان عليُّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه أسلم وهو ابن ثمانٍ أو عشر أو ست أو خمسٍ، وقيل أكثر من ذلك.
ثمَّ إنَّ خديجة رضي الله عنها هي أوَّل من تزوَّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوَّجها بعد زوجين ولدت لكلٍّ منهما ولها يوم تزوَّجها أربعون سنة وله خمس وعشرون سنة، وقيل لها خمس وثلاثون سنة وماتت قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين ودفنت بالحَجُون عن خمس وستين سنة، وقيل غير ذلك، والله أعلم.
وحديث الباب أخرجه المؤلِّف في المغازي أيضًا [خ¦4188] ، وكذا أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وأمَّا مطابقته للتَّرجمة فمن حيث إنَّ المعتمر لا بدَّ له من الطَّواف والسَّعي حتَّى يحلَّ.