1796 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) كذا في رواية كريمة وهو أحمد بن عيسى بن حسَّان، أبو عيسى التستريُّ، مصري الأصل، كان يتجر إلى تستر، مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين.
قال ابن قانع مات بسرِّ مَن رأى، تكلَّم فيه يحيى بن معين، وروى عنه مسلم أيضًا، وفي رواية أبي ذرٍّ وهو ابن الطَّبري، وفي رواية الأكثرين غير منسوبٍ يحدِّث عنه البخاريُّ في غير موضعٍ كذا من غير نسبة، واختلفوا فيه؛ فقال قومٌ إنَّه أحمد بن عبد الرَّحمن بن أخي عبد الله بن وهب.
وقال آخرون إنَّه أحمد بن صالح أو أحمد بن عيسى، وقال أبو أحمد الحافظ النِّيسابوري أحمد، عن ابن وهب هو ابن أخي ابن وهب.
وقال أبو عبد الله ابن منده كلُّ ما قاله البخاريُّ في «الجامع» حدَّثنا أحمد، عن ابن وهب هو أحمد بن صالحٍ المصريِّ، ولم يخرج البخاري عن أحمد بن عبد الرَّحمن في «الصحيح» شيئًا، وإذا حدَّث عن أحمد بن عيسى نسبه.
وقد أخرجه مسلمٌ عن أحمد بن عيسى، عن ابن وهب هذا قال (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، قال (أَخْبَرَنَا عَمْرٌو) هو عَمرو بن الحارث (عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ) محمَّد بن عبد الرَّحمن المشهور بيتيم عروة بن الزُّبير (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ) هو ابن كيسان أبو عمر (مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق رضي الله عنهما، تقدَّم له حديثٌ عنها غير هذا في باب من قدَّم ضعفة أهله [خ¦1679] وليس له عنده غيرهما، وهذا الإسناد نصفه مصريُّون ونصفه مدنيُّون [1] (حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ أَسْمَاءَ تَقُولُ كُلَّمَا مَرَّتْ بِالْحَجُونِ) بفتح الحاء
ج 8 ص 435
المهملة وضم الجيم المخففة وفي آخره نون، على وزن فَعُول موضعٌ معروفٌ بمكَّة عند المُحَصَّب.
قال أبو عبيد البكريُّ وهو الجبل المشرف بحذاء المسجد الذي يلي شعب الجزارين، وعنده المقبرة المعروفة بالمعلاه على يسار الدَّاخل إلى مكَّة ويمين الخارج منها، وعلى الحَجُون سقيفة زياد بن عبد الله أحد بني الحارث بن كعب، وهذا محصل ما قاله الأزرقيُّ والفاكهيُّ وغيرهما من العلماء كالخزاعيِّ راوي «تاريخ الأزرقي» .
وقال أبو عليٍّ القالي الحَجُون ثنيَّة المدنيِّين؛ أي من يقدم من المدينة، وهي مقبرة أهل مكَّة عند شعْب الجزارين. انتهى.
والجزَّارين جمع جزار، بجيم وزاي ثقيلة، وذكر الأزرقيُّ أنَّه شعب أبي ذرٍّ؛ رجلٍ من بني عامر.
قال الحافظ العسقلانيُّ وقد جُهِلَ هذا الشعبُ الآن إلَّا أنَّ بين سور مكَّة الآن وبين الجبل المذكور مكانًا يشبه الشِّعبَ فلعلَّه هو. هذا، وقال القسطلانيُّ ولعلَّ الحَجُون على ما قال الأزرقي والفاكهيُّ وغيرهما هو الجبل الذي يقال فيه قبر ابن عمر رضي الله عنهما، أو الجبل المقابل له الذي بينهما الشعب المعروف بشعب العفاريت.
هذا، وأَغْرَبَ السُّهيليُّ فقال الحَجُون على فرسخٍ وثلث من مكَّة، قال الحافظ العسقلانيُّ وتبعه العينيُّ إنَّه غلط ظاهرٌ على ما قاله البكريُّ والقاليُّ، ويدلُّ على كونه غلطًا قول الشاعر
~سَنَبكِيكَ مَا أَرْسَى ثَبِيرُ مَكَانَهُ ومَا دَامَ جَارًا لِلحَجُونِ المُحَصَّب
وروى الواقديُّ عن أشياخه أنَّ قصيَّ بن كلاب لمَّا مات دفن بالحَجُون فتدافنَ النَّاس بعده به، وأنشد الزُّبير لبعض أهل مكَّة
~كَمْ بِالحَجُونِ وَبَيْنَهُ مِنْ سَيِّدٍ بالشِّعْبِ بَيْنَ دَكَادِكٍ وأَكَامٍ
(صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ) وفي رواية أبي ذرٍّ وهذا مقول قوله، تقول كلَّما مرَّت بالحَجُون (لَقَدْ نَزَلْنَا مَعَهُ هَاهُنَا وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ خِفَافٌ) بكسر الخاء المعجمة، جمع خفيف، وزاد مسلمٌ في روايته (( خفاف الحقائب ) )وهي جمع حَقيبة، بفتح الحاء المهملة وبالقاف والموحدة، ما احتقبه الرَّاكب خلفه من حوائجه في موضع الرَّديف (قَلِيلٌ ظَهْرُنَا) أي مراكبنا (قَلِيلَةٌ أَزْوَادُنَا، فَاعْتَمَرْتُ أَنَا وَأُخْتِي عَائِشَةُ) رضي الله عنهما، وذلك بعد فسخ الحجِّ إلى العمرة (وَالزُّبَيْرُ) هو ابنُ العوام رضي الله عنه (وَفُلاَنٌ وَفُلاَنٌ) كأنَّها سمَّت بعض من عرفته ممَّن لم يسق الهدي.
قال الحافظ العسقلانيُّ ولم أقفْ على تعيينهما، وقد تقدَّم في حديث عائشة رضي الله عنها أنَّ أكثر الصَّحابة كانوا كذلك، فإن قيل
ج 8 ص 436
روى مسلمٌ من حديث صفيَّة بنت شيبة عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمين فقدمنا مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من كان معه هديٌ فليقُم على إحرامهِ، ومن لم يكن معه هدي فليَحْلِل ) )، فلم يكن معي هدي، فحَلَلْتُ وكان مع الزُّبير هَدْيٌ فلم يُحِلَّ. الحديث.
فهذا يخالف رواية عبد الله مولى أسماء؛ لأنَّه ذكر الزُّبير رضي الله عنه مع مَن أَحَلَّ، فالجواب ما قاله النَّووي إنَّ إحرامَ الزُّبير بالعمرة وتحلُّلَه منها كان في غير حجَّة الوداع.
واستبعده الحافظ العسقلانيُّ وقال قد رَجَحَ عند البخاريِّ رواية عبد الله فلذلك اقتصرَ على إخراجها دون رواية صفيَّة بنت شيبة، وأخرجهما مسلمٌ مع ما فيهما من الاختلاف.
ويقوِّي صنيع البخاريِّ ما تقدَّم في باب الطَّواف على وضوء [خ¦1642] ، من طريق محمَّد بن عبد الرَّحمن وهو أبو الأسود المذكور في هذا الإسناد قال سألتُ عروة بن الزُّبير فذكر حديثًا وفي آخره (( وقد أخبرتني أمِّي أنَّها أهلَّت هي وأختها والزُّبير وفلان وفلان بعمرةٍ، فلمَّا مسحوا الرُّكن حَلُّوا ) )والقائل لأخبرتني، عروة، وأمُّه أسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله عنهما، وهذا يوافق رواية عبد الله مولى أسماء عنها.
هذا، وقال العينيُّ هذا مسلَّمٌ لكن لمَّا أخرجهما كليهما مُسْلِمٌ مع ما فيهما من الاختلاف فلا وجه في الجمع سوى ما قاله النَّووي. انتهى.
فإن قيل فيه إشكالٌ آخر، وهو أنَّ أسماء رضي الله عنها ذكرت عائشة رضي الله عنها فيمن طاف، والحال أنَّها كانت حينئذٍ حائضًا.
فالجواب ما قاله الحافظ العسقلانيُّ إنَّ تلك العمرة كانت في وقتٍ آخر بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم، لكن سياق رواية هذا الباب تَأْبَاه فإنَّه ظاهرٌ في أنَّ المقصودَ العمرةُ التي وقعتْ لهم في حجَّة الوداع.
وقال القاضي عياض ليس هو على عمومه، فإنَّ المراد مَنْ عدا عائشة رضي الله عنها؛ لأنَّ الطرقَ الصَّحيحة أنَّها حاضت فلم تطفْ بالبيت ولا تحلَّلت من عُمْرتها، قال وقيل لعلَّ أسماء رضي الله عنها أشارت إلى عُمرة عائشة رضي الله عنها التي فعلتها بعد الحجِّ مع أخيها عبد الرَّحمن من التَّنعيم، ثمَّ حكى التَّأويل السَّابق في أنَّها أرادت عمرةً أُخرى غير التي في حجَّة الوداع، وخَطَّأه، ولم يُعَرِّجْ على ما يتعلَّق بالزُّبير من ذلك.
وقيل لا وجه في ذلك إلَّا أن يقال
ج 8 ص 437
إنَّما لم تستثن أسماء عائشة رضي الله عنهما لشهرة قصَّتها، وفيه بُعْدٌ أيضًا.
نعم يمكن أن يقال إنَّ عائشة رضي الله عنها كانت طاهرةً عندما ذكرت أسماء إيَّاها وعطفتها على نفسها في قولها اعتمرتُ أنا وأختي عائشة ثمَّ طرأ عليها الحيض، ثمَّ إنَّها لم تستثن في قولها (( فلمَّا مسحنا البيت ) )لشهرتها أنَّها كانت حائضًا في ذلك الوقت أو نسيت أن تستثنيها، فليُتَأمَّل.
(فَلَمَّا مَسَحْنَا الْبَيْتَ) أي مسحنا بركنه وكنَّتْ بذلك عن الطَّواف؛ إذ هو من لوازم المسح عادةً، فيكون من قبيل ذكر الملزوم وإرادة اللازم؛ أي طفنا بالبيت، هذا كما قال عمر بن أبي ربيعة
~ولمَّا قَضَينَا مِن مِنًى كُلَّ حَاجةٍ ومَسَّحَ بالأَرْكَانِ مَن هُو مَاسِحُ
أي طاف من هو طائف، والمراد غير عائشة رضي الله عنها لِمَا تقدَّم أنها كانت حائضًا.
(أَحْلَلْنَا) أي بعد السَّعي، وحُذِفَ اختصارًا لما كان منوطًا بالطَّواف، فلا حجَّة في هذا الحديث لمن لم يوجب السَّعي؛ لأنَّ أسماء أخبرت أنَّ ذلك كان في حجَّة الوداع، وقد جاء من طرقٍ أُخرى صحيحةٍ أنَّهم طافوا معه وسَعوا، فيُحْمَل ما أُجْمِلَ على ما بُيِّن، والله أعلم.
ولم يذكر الحلق ولا التَّقصير فاستُدلَّ على أنَّه استباحة محظورٍ لا نُسُك، وفيه أنَّه لا يلزم من عَدَمِ ذِكْرِه هنا تَرْكُ فِعْله؛ فإنَّ القصَّةَ واحدةٌ، وقد ثبت الأمرُ بالتَّقصير في عدَّة أحاديث.
منها حديث جابرٍ رضي الله عنه السَّابق ذكره.
واختلفوا فيمن جامع قبل أن يُقَصِّر بعد أن طافَ وسعى، فقال الأكثر عليه الهدي، وقال عطاء لا شيء عليه، وقال الشَّافعي تفسد عمرته وعليه المضي في فاسدها، وقضاؤها.
واستدلَّ به الطَّبري على أنَّ من ترك التَّقصير حتَّى يخرجَ من الحرم لا شيء عليه؛ بخلاف من قال عليه دمٌ.
(ثُمَّ أَهْلَلْنَا مِنَ الْعَشِيِّ بِالْحَجِّ) والحديث أخرجه مسلم في الحج أيضًا.
[1] من قوله (( تقدم له ... إلى قوله مدنيون ) )ليست في (خ) .