فهرس الكتاب

الصفحة 2810 من 11127

1797 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَفَلَ) أي رجع، قال في «المحكم» قَفَل القوم يَقْفُلون قُفُولًا، ورجل قافلٌ من قومٍ قِفَال، وهو الرُّجوع.

وفي «شرح الفصيح»

ج 8 ص 438

لابن هشام القافلة الرَّاجعة، فإن كانت خارجة فهي الصَّائبة، سمِّيت بذلك على وجه التَّفاؤل كأنَّها تصيب كلَّ ما خرجت إليه.

وفي «الجامع» يقفُلون ويقفِلون ولا يكون القافل إلَّا الرَّاجع إلى وطنه، وفي «الفصيح» أَقْفَلْتُ الجُنْدَ فقفلوا، وفي «النهاية» يقال للسَّفر قُفُول للذَّهاب والمجيء، وأكثر ما يستعملونه في الرُّجوع، ومنه تسمَّى القافلة.

(مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ) الله تعالى (عَلَى كُلِّ شَرَفٍ) بفتحتين، وهو المكان العالي، قال الجوهريُّ جبل مشرف عالٍ، وقال الفرَّاء أشرف الشَّيء علا وارتفع، وفي «المحكم» أشرف الشَّيء علاه وأشرف عليه (مِنَ الأَرْضِ ثَلاَثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) قال القرطبيُّ في تعقيب التَّكبير بالتَّهليل إشارةٌ إلى أنَّه المنفرد بإيجاد جميع الموجودات، وأنَّه المعبود في جميع الأماكن (آيِبُونَ) بالرفع خبر مبتدأ محذوف؛ أي نحن آيبون جمع آيب؛ أي راجع يقال آب إلى الشَّيء يؤبُ أَوْبًا؛ أي رجع، وقيل لا يكون الإياب إلَّا الرُّجوع إلى أهله ليلًا، وفي «المعاني» عن أبي زيد آبَ يؤبُ إِيَابًا وإِيَابةً، إذا تهيَّأ للذَّهاب وتجهَّز.

وقال غيره آب يئيب أَيْبًا وإيتيب إيتابًا، إذا تهيَّأ، والمعنى راجعون إلى الله، وليس المرادُ الإخبارَ بمحض الرُّجوع؛ فإنَّه تحصيل الحاصل بل الرُّجوع في حالةٍ مخصوصةٍ، وهي تلبُّسهم بالعبادة المخصوصة والاتِّصاف بالأوصاف المذكورة في قوله (تائِبُونَ) من التَّوبة، وهي الرُّجوع عمَّا هو مذمومٌ شرعًا إلى ما هو محمودٌ شرعًا، وفيه إشارةٌ إلى التَّقصير في العبادة، وقاله النَّبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التَّواضع أو تعليمًا لأُمَّتِه.

(عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ) وقوله لربِّنا إمَّا خاصٌّ بقوله ساجدون أو عامٌّ لسائر الصِّفات على سبيل التَّنازع (صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ) أي فيما وعد به من إظهار دينه بقوله تعالى {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً} [الفتح 20] وقوله تعالى {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} الآية [النور 55] ، وهذا في الغزو، ومناسبته للحجِّ قوله تعالى لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ

ج 8 ص 439

إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ [الفتح 27] .

(وَنَصَرَ عَبْدَهُ) محمَّدًا صلى الله عليه وسلم (وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ) أي من غير فعل أحد من الآدميين يوم الأحزاب، وهم الطَّائفة المتفرَّقة الذين اجتمعوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصدوا المدينة، وكانوا زُهاء اثني عشر ألفًا، وكانت قريش قد أقبلت في عشرة آلافٍ من الأحابيش وبني كنانة وأهل تهامة، وقائدهم أبو سفيان، وخرجت غطفان في ألفٍ، ومن تابعهم من أهل نجدٍ وقائدهم عُيَينة بن حِصْن وعامر بن الطُّفيل في هوازن، وضامَتهم اليهود من بني قريظة والنضير.

وحين سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة، أشار إليه بذلك سلمان الفارسيِّ رضي الله عنه، ثمَّ خرج إليهم في ثلاثة آلافٍ من المسلمين فضرب مُعَسْكَره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذَّراري والنِّساء فرفعوا في الآطام؛ أي الحصون، واشتدَّ الخوف، وظنِّ المؤمنون كلُّ ظنٍّ ونجم النِّفاق من المنافقين، حتَّى قال مُعَتِّب بن قُشَيْر كان محمد يَعِدنا كنوز كسرى وقيصر ولا نقدر أن نذهب إلى الغائط، ومضى على الفريقين قريب شهرٍ لا حرب بينهم إلَّا التَّرامي بالنَّبل والحجارة حتَّى بعث الله عليهم صبًّا باردةً في ليلةٍ شاتية فأَخْصَرَتْهم وسفَّت التُّراب في وجوههم، وأطفأت نيرانهم وقلعت خيامهم بأن قلعت الأوتاد، وقطعت الأطناب وكبت القدور وماجت الخيل بعضها في بعضٍ، وأرسل جنودًا لم تروها وهم الملائكة، وكانوا ألفًا وكبَّرت الملائكة في جوانب العسكر.

فقال طُلَيْحة بن خُوَيلد الأسدي أمَّا محمد فقد بدأكم بالسِّحر فالنجاء النجاء، فانهزموا من غير قتالٍ، وكانت هذه الوقعة في شوال سنة أربع.

هذا، وقال القاضي عياض ويحتمل أن يرادَ أحزاب الكفر في جميع الأيَّام والمواطن، ويحتمل أن يرادَ الدُّعاء كأنَّه قال اللهمَّ اهزم الأحزابَ وحدك، والأوَّل أظهر، والله أعلم، وخصَّ استعمال هذا الذكر هنا؛ لأنَّه أفضل ما قاله النَّبيون قبله، وقيل هذا التَّخصيص كما يختصُّ الذِّكر المأثور عقب الأذان والصَّلاة.

ثمَّ إنَّ ظاهر قوله (من غزو أو حجٍّ أو عمرةٍ) اختصاصه بها والذي عليه الجمهور أنَّه يشرع في كلِّ سفرِ طاعة كطلب علم وصلة رحم.

وقيل يتعدَّى إلى المباح؛ لأنَّ المسافر فيه لا ثواب له، فلا يمتنع عليه ما يحصل له من الثَّواب، وقيل يشرع في سفر المعصية أيضًا لأنَّ مرتكبَ المعصية أحوجُ إلى تحصيل الثَّواب [1] من غيره،

ج 8 ص 440

هذا، وفي الحديث من الفوائد استعمال حمد الله تعالى والإقرار بنعمه والخضوع له والثَّناء عليه عند القدوم من الحجِّ والجهاد على ما وهب من إتمام المناسك، وما رزق من النَّصر على العدو والرُّجوع إلى الوطن سالمًا.

وفيه أنَّ نهيه صلى الله عليه وسلم عن السَّجع في الدُّعاء أنَّه على غير التَّحريم بوجود السَّجع في دعائه صلى الله عليه وسلم ودعاء أصحابه رضي الله عنهم.

ويحتمل أن يكون نهيه عن السَّجع مختصًّا بوقت الدُّعاء خشية أن يشتغلَ الدَّاعي بطلب الألفاظ المناسبة للسَّجع، ورعاية الفواصل عن إخلاص النِّية وإفراغ القلب في الدُّعاء والاجتهاد فيه، والله أعلم.

والحديث أخرجه المؤلف في الدَّعوات [خ¦6385] ، ومسلم في الحج، وأبو داود في الجهاد، والنسائي في السير.

[1] من قوله (( وقيل يشرع ... إلى قوله تحصيل الثواب ) )ليست في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت