فهرس الكتاب

الصفحة 2877 من 11127

1836 - (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم وسكون الخاء، البجليُّ، قال الواقديُّ مات بالكوفة في المحرم سنة ثلاث عشرة ومائتين، قال (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ) أبو أيُّوب، ويقال أبو محمَّد القرشي التَّيمي (عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ) واسمه بلال مولى عائشة أمِّ المؤمنين رضي الله عنها، مدني تابعي صغير، سمع أنسًا ويقال له أيضًا علقمة ابن أمِّ علقمة، واسمها مرجانة، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث، مات في أوَّل خلافة أبي جعفر. وفي رواية النَّسائي من طريق محمَّد بن خالد عن سليمان (( أخبرني علقمة ) ).

(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هو ابنُ هرمز (الأَعْرَجِ، عَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) بضم الموحدة وفتح الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية، عبد الله بن مالك بن القشب، وبحينةُ أمُّه، وهي بنتُ الأرت.

وفي رواية البخاريِّ في الطِّب [خ¦5698] عن إسماعيل _وهو ابنُ أبي أويس_، عن سليمان، عن علقمة أنَّه سمع عبد الرَّحمن الأعرج أنَّه سمع عبد الله بن بُحينة.

أنَّه (قَالَ احْتَجَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهْوَ مُحْرِمٌ) أي في حجَّة الوداع، كما جزم به الحازمي وغيره (بِلحْيِ جَمَلٍ) بفتح اللام، ويروى بكسرها وسكون الحاء المهملة بعدها مثناة تحتية، وجَمل _ بفتح الجيم بعدها ميم ولام _، وهو اسم موضعٍ بين مكَّة والمدينة، وهو إلى المدينة أقرب.

وقد وقع مبيَّنًا في رواية إسماعيل [خ¦5698] (( بلحي جمل من طريق مكَّة ) )، وذكر البكري في «معجمه» في رسم العقيق قال هي بئر جمل التي ورد ذكرها في حديث أبي جهيم، وهو الَّذي مضى في (( التَّيمم ) ) [خ¦337] .

وقال غيره وهي عقبة الجحفة على سبعة أميال من السُّقيا، ووقع في رواية أبي ذرٍّ بصيغة التَّثنية، ووقع في رواية غيره بالإفراد، ومن زعم أنَّه فك الجمل المعروف، وأنَّه كان آلة الحَجْم فقد وهم وأخطأَ.

(فِي وَسَطِ رَأْسِهِ) بفتح السين، وهو كمركز الدَّائرة، وبسكونها أعمُّ من ذلك، وقيل بالعكس؛ أي متوسِّط رأسه وهو ما فوق اليافوخ فيما بين أعلى القرنين.

وفي حديث «الموطأ» احتجم فوق رأسه بلحيي جمل، وروي أنَّه قال شفاءٌ من النُّعاس والصُّداع والأضراس، وقال اللَّيث ليست في وسط الرَّأس إنَّما هي في فأس الرَّأس؛ أي مؤخَّره، وأمَّا التي في وسط الرَّأس فربَّما أعمت. وسيأتي تحقيق ذلك في كتاب الطِّب إن شاء الله تعالى [خ¦5698] .

ج 9 ص 22

وفي «الطَّبقات» لابن سعد حجمه أبو طيبة لثمان عشرة من شهر رمضان نهارًا، ومن حديث جابر وحديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما احتجم بالقاحة وهو صائمٌ محرم، وفي لفظ محرم من أكلةٍ أكلها من شاةٍ سمَّتها امرأة من أهل خيبر، وفي حديث بكير بن الأشجِّ احتجم في القَمَحْدُوة، وفي حديث عبد الله بن عمر بن عبد العزيز كان يسمِّيها منقدًا. وفي حديث أنس رضي الله عنه المغيثة.

وفي «المستدرك» على شرطهما عن أنسٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرمٌ على ظهر القدم من وجعٍ كان به، وفي «تعليق البخاريِّ» من شقيقةٍ كانت به [خ¦5701] .

وفي الحديثين جواز الحجامة للمحرم مطلقًا، وبه قال عطاء ومسروق وإبراهيم وطاوس والشَّعبي والثَّوري وأبو حنيفة وهو قول الشَّافعي وأحمد وإسحاق، وأخذوا بظاهر الحديث، وقالوا ما لم يقطعِ الشعر.

وقال قومٌ لا يحجم المحرم إلَّا من ضرورة، روي ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما، وبه قال مالك. وحجَّة هذا القول أنَّ بعض الرُّواة يقول أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم احتجم لضررٍ كان به. رواه هشام بن حسَّان، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إنَّما احتجم وهو محرمٌ في رأسه لأذىً كان به. ورواه حميد الطَّويل عن أنس رضي الله عنه قال احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجعٍ كان به.

ولا خلاف بين العلماء أنَّه لا يجوز له حلق شيءٍ من شعر رأسه حتَّى يرمي جمرة العقبة يوم النَّحر إلا من ضرورة، وأنَّه إن حلقه من ضرورةٍ فعليه الفدية الَّتي قضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم على كعب بن عجرة [خ¦1814] ، فإن لم يحلق المحتجم شعرًا فهو كالعرق يقطعه أو الدُّمَّل يبطُّه، أو القرحة ينكؤها، ولا يضرُّه ذلك، ولا شيء عليه عند جماعة العلماء، وعند الحسن البصريِّ عليه الفدية.

وقال ابن التِّين الحجامةُ ضربان، موضعٌ يحتاج إلى حلق الشَّعر في الرَّأس، فيفتدي من فعله، والأصل في جوازه هذا الخبر، وفي الفدية قوله تعالى {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا} [البقرة 184] الآيةَ، وموضعٌ يحتاج إلى حلق في غير الرَّأس فيفتدي أيضًا.

قال عبد الملك في «المبسوط» وشعر الرَّأس والجسد سواء، وبه قال أبو حنيفة والشَّافعي، وقال أهل الظَّاهر لا فدية عليه إلَّا أن يحلق رأسه، وإن كانت

ج 9 ص 23

الحجامة في موضعٍ لا يحتاج إلى حلق، فإن كانت لضرورةٍ جازت، ولا فديةَ عليه، وإن كانت لغير ضرورةٍ فمنعه مالك، وأجازه سحنون، وروى نحوه عطاء.

وقال النَّووي إذا أراد المحرم الحجامة لغير حاجةٍ، فإن تضمَّنت قطع شعرٍ فهو حرام لقطع الشَّعر، وإن لم تتضمَّنه جازت وتجب الفدية، وخصَّ أهل الظَّاهر الفدية بشعر الرَّأس.

وقال الدَّاوديُّ إذا أمكن مسك المحاجم بغير حلقٍ لم يجز الحلق، ثمَّ في الحديث على ما يفهم جواز الفصد وبطِّ الجرح والدُّمَّل وقطع العرق وقلع الضرس، وغير ذلك من وجوه التَّداوي إذا لم يكن في ذلك ارتكاب ما نهي المحرم عنه من تناول الطِّيب وقطع الشَّعر، ولا فدية عليه في شيءٍ من ذلك، والله أعلم.

فائدة قد ورد في فضل الحجامة على الرَّأس حديث أخرجه ابن عديٍّ من طريق عمر بن رباح عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما رفعه (( الحجامة في الرَّأس تنفع من سبع من الجنون، والبرص، والجذامة، والسم، والنعاس ووجع الضِّرس، والعين ) ).

وقال العسقلانيُّ قال الأطباء إنَّ الحجامة في وسط الرَّأس نافعة جدًّا، وذكر أهل الطبِّ أنَّ من الأمراض المزمنة أبخرة مرتفعة أو أخلاطًا حارة أو باردة ترتفع إلى الدِّماغ، فإن لم تجد منفذًا أحدثت الصُّداع، فإن مالت إلى أحد شقَّي الرَّأس أحدثت الشَّقيقة. وقد أخرج أحمد من حديث بريدة رضي الله عنه أنَّه صلى الله عليه وسلم كان ربَّما أخذته الشَّقيقة فمكث يومًا أو يومين لا يخرج.

وروى التِّرمذي أنَّه صلى الله عليه وسلم قال (( خير ما تحتجمون فيه يوم سابع عشرة، أو تاسع عشرة، أو يوم أحد وعشرين ) )، وأخرج ابن ماجه وغيره «من أراد الحجامة فليتحرَّ سبعة عشر أو تسعة عشر أو إحدى وعشرين» . [وأبو داود في سننه (( من احتجم لسبعة عشر أو تسعة عشر او إحدى وعشرين] [1] كان شفاء من كلِّ داء ) ). قال بعضهم _يريد والله أعلم_ من كلِّ داء سببه غلبة الدَّم، واختيار الأوقات المذكورة لحركة الدَّم وهيجانه فيها، ومن ثمَّة اختاروا لها الرُّبع الثَّالث من الشَّهر؛ لأنَّ الدَّم في أوَّله لم يكن بعد قد هاج، وفي آخره يكون قد سكن، وأمَّا في وسطه وبُعيده فيكون في نهاية النضج والقوَّة والتزايد، صرَّح بذلك الأطباء.

وعبارةُ رئيسهم ابن سينا ويؤمر بالحجامة لا في أوَّل الشَّهر؛ لأنَّ الأخلاطَ لا تكون قد تحرَّكت وهاجت، ولا في آخره؛ لأنَّها قد تكون قد نقصت،

ج 9 ص 24

بل في وسطه حيث تكون الأخلاط هائجةً بالغة في تزايدها لتزايد النُّور في القمر. انتهى.

وعن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه قال له لقد تبيَّغ بي الدَّمُ، فأبْغِني حجَّامًا، ولا يكون صبيًّا ولا شيخًا كبيرًا، فإنِّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( الحجامة تزيد الحافظ حفظًا، والعاقل عقلًا، فاحتجموا على اسم الله، ولا تحتجموا الخميس والجمعة والسبت والأحد، واحتجموا الاثنين، وما كان من جذامٍ ولا برص إلَّا نزل يوم الأربعاء ) ).

وقد روى أيُّوب عن نافع فقال فيه (( واحتجموا يوم الاثنين ويوم الثُّلاثاء ولا تحتجموا يوم الأربعاء ) )، كذا في «شرح الشَّمائل» لابن حجر الهيتميِّ المكيِّ.

[1] ما بين معقوفين مستدرك لا بدَّ منه من أشرف الرسائل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت