فهرس الكتاب

الصفحة 2881 من 11127

1838 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ) من الزيادة، المقرئ مولى آل عمر، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابنُ سعد الإمام، قال (حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ قَامَ رَجُلٌ) لم يعرف هذا الرَّجل من هو (فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ فِي الإِحْرَامِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ تَلْبَسُوا الْقَمِيصَ) بالإفراد، وفي رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت بضم القاف والميم، على صيغة الجمع.

(وَلاَ السَّرَاوِيلاَتِ) جمع سراويل، غير منصرف، وحكى ابن الحاجب أنَّ من العرب من يصرفه، وهي مؤنَّثة عند الجمهور (وَلاَ الْعَمَائِمَ) جمع عمامة، سمِّيت بذلك؛ لأنَّها تعمُّ جميع الرَّأس بالتَّغطية (وَلاَ الْبَرَانِسَ) جمع بُرنُس _ بضم الموحدة والنون _ قلنسوة طويلة كان النسَّاك في صدر الإسلام يلبسونها، وقيل هو ثوب رأسه ملتزق، وزاد في باب ما لا يلبس المحرم من الثِّياب [خ¦1543] (( ولا الخفاف ) )، وعلى هذه الرِّواية يتَّصل بما قبله أشد الاتصال.

قوله (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلاَنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْ) أي الخفَّين (أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ)

ج 9 ص 28

وهما العظمان النَّاتيان عند ملتقى السَّاق والقدم عند مالك والشَّافعي، وأمَّا عند الحنفيَّة فالمراد هو المفصل الَّذي في وسط القدم عند معقد الشِّراك. وهذا هو مذهب أبي حنيفة والشَّافعي ومالك وآخرين أنَّه لا يجوز لبسها إلَّا بعد قطعهما كما في حديث الباب.

وعن أحمد لا يلزمه قطعهما في المشهور عنه. قال ابنُ قدامة وروي ذلك عن عليٍّ رضي الله عنه، وبه قال عطاء وعكرمة وسعيد بن سالم القداح، واحتجَّ أحمد بحديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما الآتي إن شاء الله تعالى في الباب الآتي [خ¦1841] ولفظه (( من لم يجد النَّعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل ) ).

وأجابوا عنه بأنَّ حديث ابن عبَّاس، وكذا حديث جابر رضي الله عنهم مطلق، وحديث الباب مقيَّد فيحمل المطلق على المقيَّد؛ لأنَّ الزِّيادة من الثِّقة مقبولة.

وقال ابن التِّين ابن عبَّاس رضي الله عنهما حفظ لبس الخفين ولم ينقل صفة اللبس بخلاف ابن عمر رضي الله عنهما فهو أولى.

وقيل إن قوله (( فليقطعهما ) )، من كلام نافع، كذا في «أمالي أبي القاسم بن بشران» بسندٍ صحيح أنَّ نافعًا قال بعد روايته الحديث وليقطع الخفين أسفل من الكعبين.

وقال ابن قدامة وروى ابن أبي موسى عن صفيَّة بنت أبي عبيد، عن عائشة رضي الله عنها أنَّ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رخَّص للمحرم أن يلبس الخفَّين ولا يقطعهما.

وكان ابن عمر رضي الله عنهما يفتي بقطعهما. قالت صفيَّة فلمَّا أخبرته بذلك رجع، قال ابن قدامة ويحتمل أن يكون الأمر بقطعهما قد نسخ، فإنَّ عمرو بن دينار قد روى الحديثين جميعًا وقال انظروا أيُّهما كان قبل.

وقال الدَّارقطني قال أبو بكر النِّيسابوريُّ حديث ابن عمر رضي الله عنهما قَبْلُ؛ لأنَّه قد جاء في بعض رواياته نادى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد؟ يعني بالمدينة، فكان قبل الإحرام. وحديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما يقول سمعته يخطب بعرفات، الحديثَ، فيدلُّ على تأخُّره عن حديث ابن عمر رضي الله عنهما فيكون ناسخًا له؛ لأنَّه لو كان القطع واجبًا لبيَّنه للنَّاس إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه.

وقال ابن الجوزي روى حديث ابن عمر رضي الله عنهما مالك وعبيد الله وأيُّوب في آخرين، فوقفوه

ج 9 ص 29

على ابن عمر، وحديث ابن عبَّاس سالم من الوقف مع ما عضده من حديث جابر رضي الله عنهم، ويحمل قوله (( وليقطعهما ) )على الجواز من غير كراهةٍ لأجل الإحرام، وينهى عن ذلك في غير الإحرام لما فيه من الفساد، فأمَّا إذا لبس الخفَّ المقطوع من أسفل الكعب مع وجود النَّعل فعندنا أنَّه لا يجوز، ويجب عليه الفداء خلافًا لأبي حنيفة وأحد قولي الشَّافعي.

وقال ابن قدامة والأولى قطعهما عملًا بالحديث الصَّحيح، وخروجًا من الخلاف، وأخذًا بالاحتياط، وسيجيء لذلك مزيد تفصيل إن شاء الله تعالى [خ¦1841] .

ثمَّ إنَّه وقع السُّؤال عمَّا يلبس المحرم، وأُجيب بما لا يلبس ليدلَّ بالالتزام من طريق المفهوم على ما يجوز، وإنَّما عدل عن الجواب المطابق للسُّؤال إلى هذا الجواب؛ لأنَّه محصور، فإنَّ ما يحرم أقل وأضبط ممَّا يحل أو لأنَّ السُّؤال كان من حقِّه أن يكون عمَّا لا يلبس؛ لأنَّ الحكم العارض المحتاج إلى البيان هو الحرمة، وأمَّا جواز ما يلبس فثابتٌ بالأصل معلوم بالاستصحاب، فلذلك أتى بالجواب على وفقه تنبيهًا على ذلك، ثمَّ إنَّه نبَّه بالقميص والسَّراويل على جميع ما في معناهما، وهو ما كان مخيطًا أو معمولًا على قدر البدن أو العضو كالجوشن والرَّان والتبَّان وغيرها، وبالعمائم والبرانس على كلِّ ساتر للرَّأس مخيطًا كان أو غيره حتَّى العصابة فإنَّها حرام.

ونبَّه بالخفاف على ما في بعض الرِّوايات [خ¦1543] على كلِّ ساترٍ للرجل من مداسٍ وغيره، وهذا الحكم خاصٌّ بالرِّجال بدليل توجيه الخطاب نحوهم.

(وَلاَ تَلْبَسُوا) في حال الإحرام (شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلاَ الْوَرْسُ) ولا في معناهما ممَّا يقصد منه رائحته غالبًا كالمسك والعود والعنبر والورد، فيحرم مع وجوب الفدية بالتَّطيُّب _ ولو كان أخشم _ في ملبوسه ولو نعلًا أو بدنِهِ، ولو باطنًا بنحو أكل قياسًا على الملبوس المذكور في الحديث إلَّا ما يقصد به الأكل أو التَّداوي، وإن كان له رائحة طيِّبة كالتُّفَّاح والأتْرج والقرنفل والدَّارصيني وسائر الأباريز الطيِّبة كالفلفل والمصطكي فلا تجب فيه الفدية؛ لأنَّه إنَّما يقصد منه الأكل أو التَّداوي كما مرَّ [خ¦1838 قبل] ، وإلَّا ما ينبت بنفسه، وإن كان له رائحة طيِّبة كالشيح والقيصوم والخزامى؛ لأنَّه لا يعدُّ طيبًا

ج 9 ص 30

وإلَّا لاستُنبِتَ وتُعهِّد كالورد، وكذلك العصفر والحنَّاء وإن كان لهما رائحة طيِّبة؛ لأنَّه إنَّما يقصد منهما اللَّون،

وتجب الفدية في النَّرجس والرَّيحان الفارسيِّ، وهو الضَّمُران _ بفتح المعجمة وضم الميم _ كما ضبطه النَّووي، قال في «المهمات» لكنَّه لغةٌ قليلةٌ والمعروف المجزوم به في «الصِّحاح» أنَّه الضَّومَران _ بالواو وفتح الميم _ وهو نبتٌ بريٌّ، وقال ابن يونس الرشين.

ثمَّ الحكمة في تحريم الطِّيب كما عرفت البعد عن التَّنعيم وملاذ الدُّنيا، وأنَّه أحد دواعي الجماع، وهذا الحكم المذكور يعمُّ الرَّجل والمرأة.

(وَلاَ تَنْتَقِب الْمَرْأَةُ) بنون ساكنة بعد تاء المضارعة وكسر القاف وجزم الفعل على النهي فيكسر لالتقاء الساكنين، ويجوز رفعه على أنَّه خبر عن حكم؛ لأنَّه جوابٌ عن السُّؤال عن ذلك، وفي رواية الكشميهنيِّ بمثناتين فوقيتين مفتوحتين والقاف المشددة (الْمُحْرِمَةُ وَلاَ تَلْبَس) على الوجهين في الإعراب (الْقُفَّازَيْنِ) تثنية قُفَّاز _ بضم القاف وتشديد الفاء _ بوزن رُمَّان.

قال في «القاموس» شيءٌ يعمل لليدين يحشى بقطن تلبسهما المرأة للبرد، أو ضرب من الحلي لليدين والرِّجلين، وقال غيره هو ما تلبسه المرأة في يدها فتغطِّي أصابعها وكفَّيها عند معاناة الشَّيء في غزل ونحوه.

وروى أحمد وأبو داود والحاكم من طريق ابن إسحاق حدَّثني نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى النِّساء في إحرامهنَّ عن القفَّازين والنِّقاب، وما مسَّ الورس، والزَّعفران من الثِّياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبَّت من ألوان الثِّياب، فيباح لها ستر جميع بدنها بكلِّ ساترٍ مخيطًا كان أو غيره إلَّا وجهها فإنَّه حرام، وكذا ستر الكفَّين بقفازين أو أحدهما بأحدهما؛ لأنَّ القفَّازين ملبوس عضو ليس بعورة فأشبه خفَّ الرَّجل.

ويجوز سترهما بغيرهما ككمٍّ وخرقةٍ لفَّتها عليهما للحاجة إليه ومشقَّة الاحتراز عنه.

نعم؛ يعفى عمَّا تستره من الوجه احتياطًا للرأس إذ لا يمكن استيعاب ستره إلَّا بستر قدرٍ يسيرٍ ممَّا يليه من الوجه، والمحافظة على ستره بكماله لكونه عورةً أولى من المحافظة على كشف ذلك القدر من الوجه، ويؤخذ من هذا التَّعليل أنَّ الأمة لا تستر ذلك؛ لأنَّ رأسها ليس بعورةٍ، لكن قال في «المجموع» من كتب

ج 9 ص 31

الشَّافعية ما ذُكِرَ في إحرام المرأة ولبسها لم يفرِّقوا فيه بين الحرَّة والأمة وهو المذهب لهم.

وللمرأة أن ترخي ثوبًا متجافيًا عنه بخشبة أو نحوها، فإن أصاب الثَّوب وجهها بلا اختيار فرفعته فورًا فلا فدية، وإلَّا وجبت مع الإثم.

(تَابَعَهُ) أي تابع اللَّيث (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) المدنيُّ الأسدي، وقد وصل هذه المتابعة النَّسائي من طريق عبد الله بن المبارك عنه عن نافع مرفوعًا، وكذا أبو داود عن حاتم بن إسماعيل ويحيى بن أيُّوب عن موسى مرفوعًا (وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ) وهو ابنُ أخي موسى المذكور قبله، وقد وصلها علي بن محمَّد المصري في «فوائده» من رواية الحافظ السِّلفي عن الثَّقفي، عن ابن بشران عنه، عن يوسف بن يزيد عن يعقوب بن أبي عبَّاد، عن إسماعيل، عن نافع.

(وَجُوَيْرِيَة) أي ابن أسماء، وقد وصلها أبو يَعلى الموصلي عن عبد الله بن محمَّد بن أسماء عنه، عن نافع (وَابْنُ إِسْحَاقَ) هو محمَّد بن إسحاق، وقد وصلها أحمد والحاكم من حديث يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق قال حدَّثني نافع به مرفوعًا.

(فِي) ذكر (النِّقَابِ) وهو الخمار الَّذي يشدُّ على الأنف أو تحت المحاجر، فإن قرب من العين حتَّى لا تبدوا التفاتهما فهو الوَصْواص _ بفتح الواو وسكون الصاد المهملة الأولى _ فإن نزل إلى طرف الأنف فهو اللِّفَام _ بكسر اللام وبالفاء _ فإن نزل إلى الفم ولم يكن على الأرنبة منه شيءٌ فهو اللِّثام (وَالْقُفَّازَيْنِ) وظاهره اختصاص ذلك بالمرأة، ولكن الرَّجل في القفَّاز مثلها لكونه في معنى الخفِّ، فإنَّ كلًّا منهما محيطٌ بجزءٍ من البدن، وأمَّا النِّقاب فلا يحرم على الرَّجل من جهة الإحرام؛ لأنَّه لا يحرم عليه تغطية وجهه على الرَّاجح، كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.

(وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ) بضم العين وفتح الموحدة مصغَّرًا، هو ابنُ عمر العمري (وَلاَ وَرْسٌ) يعني قال عبيد الله في الحديث المذكور إلى قوله ولا ورس، مرفوعًا فوافق الأربعة المذكورين في رواية الحديث المذكور، عن نافع، ثمَّ خالفهم ففصَّل بقيَّة الحديث فجعله من قول ابن عمر رضي الله عنهما، وهو معنى قوله (وَكَانَ يَقُولُ) أي وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول(لاَ تَتَنَقَّب الْمُحْرِمَةُ

ج 9 ص 32

وَلاَ تَلْبَس الْقُفَّازَيْنِ)بجزم الفعلين على النهي وكسر آخرهما لالتقاء الساكنين، ويجوز رفعهما على الخبر كما مرَّ، ويروى من الافتعال، وتَنتَقب بتائين مفتوحتين من التَّفعُّل.

وهذا التَّعليق وصله إسحاق بن راهويه في «مسنده» عن محمَّد بن بشر، وحمَّاد بن مسعدة، وابن خزيمة من طريق بشر بن المفضَّل، ثلاثتهم عن عبيد الله ابن عمر عن نافع، فساق الحديث إلى قوله ولا ورس، قال وكان عبد الله _ يعني ابن عمر رضي الله عنهما _ يقول ولا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفَّازين. ورواه يحيى القطَّان عند النَّسائي، وحفص بن غياث عند الدَّارقطني كلاهما عن عبيد الله، فاقتصروا على المتَّفق على رفعه.

وقال الكرمانيُّ قوله وكان يقول فإن قلت لِمَ قال أوَّلًا بلفظ قال، وثانيًا قال كان يقول؟ قلت لعلَّه قال ذاك مرَّة وهذا كان يقول دائمًا مكرَّرًا، والفرق بين المرَّتين إمَّا من جهة حذف لفظ المرأة، وإمَّا من جهة أنَّ الأوَّل بلفظ لا تتنقب من التفعُّل، والثَّاني من الافتعال، وإمَّا من جهة أنَّ الثاني بضم الباء على سبيل النَّفي لا غير، والثاني بالضم والكسر نفيًا ونهيًا، انتهى.

ومعنى لا تنتقب، لا تستر وجهها، واختلفوا في ذلك فمنعه الجمهورُ، وأجازه الحنفيَّة وهو رواية عن الشَّافعية والمالكيَّة، ولم يختلفوا في منعها من ستر وجهها وكفَّيها بما سوى النِّقاب والقفَّازين.

وقوله مسَّه ورسٌ إلى آخره مفهومه جواز ما ليس فيه ورس ولا زعفران؛ لكن ألحقُ العلماء بذلك أنواع الطِّيب للاشتراك في الحكم، واختلفوا في المصبوغ بغير الزَّعفران والورس، وقد تقدَّم ذلك [خ¦1838] .

(وَقَالَ مَالِكٌ) الإمام في «موطئه» (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما (لاَ تَتَنَقَّبِ الْمُحْرِمَةُ) قال الحافظ العسقلانيُّ هو في «الموطَّأ» كما قال، والغرض أنَّ مالكًا اقتصر على الموقوف فقط وفي ذلك تقويةٌ لرواية عبيد الله، وظَهَر الإدراج في رواية غيره، انتهى.

وقد نقل الحاكم عن شيخه أبي علي النِّيسابوري أنَّه من قول ابن عمر رضي الله عنهما أدرج في الحديث.

وقال الخطَّابي في «المعالم» وعلَّلوه بأنَّ ذكر القفَّازين إنَّما هو قول ابن عمر رضي الله عنهما ليس عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وعلَّق الشَّافعي القول في ذلك، وقال البيهقيُّ في «المعرفة» إنَّه رواه اللَّيث مدرجًا.

وقد استشكل ابن دقيق العيد الحكم بالإدراج في هذا الحديث لورود النَّهي عن النِّقاب والقفَّازين مفردًا مرفوعًا، فروى أبو داود من رواية إبراهيم بن سعد المدني، عن نافع، عن ابن عمر، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفَّازين ) ). وللابتداء بالنَّهي عنهما في رواية ابن إسحاق المرفوعة المذكورة فيما سبق من رواية أحمد وأبي داود والحاكم، قال في «الاقتراح» دعوى الإدراج في أوَّل المتن ضعيف.

وأُجيب بأنَّ الثِّقات إذا اختلفوا وكان مع أحدهم زيادة قدِّمت ولا سيَّما إذا كان حافظًا خصوصًا إذا كان أحفظ، والأمر هنا كذلك، فإن عبيد الله بن عمر في نافع أحفظ من جميع من خالفه، وقد فصل المرفوع من الموقوف، وأمَّا الَّذي

ج 9 ص 33

اقتصر على الموقوف فرفعه فقد شذَّ بذلك فهو ضعيف.

وأمَّا الذي ابتدأ في المرفوع بالموقوف فإنَّه من التصرُّف في الرِّواية بالمعنى، فكأنَّه رأى أشياء متعاطفة فقدَّم وأخَّر لجواز ذلك عنده، ومع الذي فصل زيادة علم فهو أولى، كذا ذكره الحافظ العسقلانيُّ.

وقال الحافظ زين الدِّين العراقي في (( شرح الترمذي ) )نحوه، وقد فصَّله العيني.

(وَتَابَعَهُ) أي وتابع مالكًا في وقفه (لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ) بضم السين المهملة وفتح اللام، ابن زنيم القرشي الكوفي، واسم أبي سليم أنس مولى عنبسة بن أبي سفيان، مات في شعبان سنة ثلاث وأربعين ومائة، وكان من العُبَّاد، واختلط في آخر عمره حتَّى لا يكاد يدري ما يحدِّث به، وكذا أخرجه ابنُ أبي شيبة من طريق فضيل بن غزوان عن نافع موقوفًا على ابن عمر رضي الله عنهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت