فهرس الكتاب

الصفحة 2894 من 11127

1846 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وفي رواية أبي أويس عند ابن سعد (( أنَّ أنسَ بن مالك رضي الله عنه حدَّثه ) ) (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ) مكة (وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ) بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الفاء. قال ابن سيده المِغْفر والمِغْفَرة والغِفَارة زَرَدٌ يُنْسج من الدُّروع على قدر الرأس، وقيل هو رَفْرف البيضة، وقيل هو حلقٌ ينتفع به المتسلِّح.

وقال ابن عبد البرِّ هو ما غطى الرَّأس من السِّلاح كالبيضة وشبهها، من حديد كان ذلك أو من غيره.

وفي «المشارق» هو ما يجعل من فضل درع الحديد على الرَّأس مثل القلنسوة.

وفي رواية زيدِ بن الحباب عن مالك (( يوم الفتح وعليه مغفر من حديد ) )، أخرجه الدارقطنيُّ في «الغرائب» والحاكم في «الإكليل» وكذا هو في رواية أبي أويس.

ثم إنَّه لا تعارض بينه وبين رواية مسلم من حديث جابر رضي الله عنه (( وعليه عمامةٌ سوداء ) )فإنَّه يمكن أن يكون على رأسه عمامة سوداء وعليها المغفر، وقاية لرأسه المكرم من صدأ الحديد، أو هي فوق المغفر، فأراد أنس بذكر المغفر كونه دخل متأهِّبًا للحرب، وأراد جابر بذكر العمامة كونه غير محرمٍ.

وقال القرطبيُّ يمكن أن يكون نزع المغفر عند انقياد أهل مكة ولبس العمامة بعده.

وممَّا يؤيد هذا خطبته وعليه العمامة؛ لأنَّ الخطبة إنما كانت عند باب الكعبة بعد تمام الفتح، فحكى كلٌّ منهما ما رآه، ثمَّ سَتْرُ الرأس يدلُّ على أنَّه دخل غير محرمٍ.

لكن قال ابن دقيق العيد يحتمل أن يكون محرمًا وغطى رأسه لعذر، وتعقِّب بأن تصريح جابر رضي الله عنه وغيره بأنَّه لم يكن محرمًا يدفعه.

واستُشكل كونه صلى الله عليه وسلم متأهبًا للحرب على مذهب الشَّافعي، فإنَّ مذهبه أنَّ مكة فتحت صلحًا فلا حرب؛ خلافًا لأبي حنيفة رحمه الله. والجواب أنَّه صلى الله عليه وسلم كان لا يأمن غدر أهل مكة، فدخلها صلحًا متأهِّبًا للقتال إن غدروا.

(فَلَمَّا نَزَعَهُ) أي فلما قلع صلى الله عليه وسلم المغفر (جَاءَ رَجُلٌ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ

ج 9 ص 46

.قال الحافظ العسقلانيُّ لم أقف على اسمه إلَّا أنه يحتمل أن يكون هو الَّذي باشر قتله.

وقد جزم الفاكهيُّ في «شرح العمدة» بأنَّ الَّذي جاء هو أبو برزة الأسلميُّ.

وكأنَّه لما رجح عنده أنَّه هو الَّذي قتله رأى أنَّه هو الذي جاء مخبرًا بقصته، ويرشحه قوله في رواية يحيى بن قزعة في المغازي [خ¦4286] فقال اقتله بصيغة الإفراد، انتهى.

وأبو بَرْزَة _ بفتح الموحدة والزاي بينهما راء ساكنة _ نضلة بن عُبيد، وكذا جزم الكرمانيُّ والبرماويُّ، وكذا ذكره ابنُ طاهر الدَّاني في كتاب «أطراف الموطأ» وغيره، وقيل سعيد بن حرب.

(فَقَالَ) يا رسول الله (إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ) بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة وآخره لام، وكان اسمه في الجاهلية عبد العزَّى، فلما أسلم سمِّي عبد الله، وليس اسمه هلال، كما قيل بل هو اسم أخيه، وقيل هو عبد الله بن هلال بن خطل، وقيل غالب بن عبد الله بن خطل، واسم خطل عبد مناف، من بني تميم بن فهد بن غالب، وخطلٌ لقب له؛ لأنَّ أحد لحييه كان أنقصَ من الآخر، فظهر أنَّه مصروف.

وقوله ابن خطل، مبتدأ خبره قوله (مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (اقْتُلُوهُ) واختلف في اسم قاتله، فقيل قتله أبو برزة، وقيل سعد بن حُريث المخزومي، وقيل الزبير بن العوَّام، وجزم ابن هشام في «السيرة» بأنَّ سعيد بن حريث وأبا بَرزة الأسلمي اشتركا في قتله.

وفي حديث سعيد بن يربوع عند الدارقطني والحاكم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( أربعة لا أؤمنهم في حلٍّ ولا حرم الحُوَيرث بن نُقَيل _ بضم النون والقاف، مصغرًا _، وهلال بن خطل، ومقيس بن صبابة الكناني، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح ) )، فأما هلال بن خطل فقتله الزبير، الحديثَ.

وروى البزار والبيهقي في «الدلائل» نحوه لكن قال (( أربعة نفرٍ وامرأتين وقال اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلِّقين بأستار الكعبة ) )فذكرهم، لكن قال عبد الله بن خطل، بدل هلال، وقال عكرمة، بدل الحويرث، ولم يسمِّ المرأتين.

وقال فأمَّا عبد الله بن خطل فأُدرك وهو متعلِّقٌ بأستار الكعبة فاستبقَ إليه سعيد بن حُريث وعمَّار بن ياسر، فسبق سعيد عمارًا، وكان أشبَّ الرجلين فقتله، الحديثَ.

وروى ابن أبي شيبة والبيهقيُّ في «الدلائل» من طريق الحكم بن عبد الملك عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه آمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يوم فتح مكَّة إلا أربعة من النَّاس

ج 9 ص 47

عبد العزى بن خطل، ومقيس بن صبابة الكناني، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وأم سارة، فأَّما عبد العزى بن خطل فقُتل وهو متعلِّق بأستار الكعبة، وقال أبو عمر فقتل بين المقام وزمزم.

وروى الحاكم من طريق أبي معشر عن يوسف بن يعقوب، عن السائب بن يزيد قال فأخذ عبد الله بن خطل من تحت أستار الكعبة فقتل بين المقام وزمزم.

وروى ابن أبي شيبة من طريق أبي عثمان النهدي أنَّ أبا برزة الأسلمي قتل ابنَ خطل وهو متعلِّقٌ بأستار الكعبة. وإسناده صحيحٌ مع إرساله، ورواه أحمد من وجهٍ آخر وهو أصحُّ ما وردَ في تعيين قاتله، وبه جزمَ البلاذري وغيره من أهل العلم بالأخبار.

وتحملُ بقيَّة الرِّوايات على أنهم ابتدروا قتله، فكان المباشر لقتله منهم أبو برزةَ، ويحتمل أن يكون غيره شاركه فيه، كما تقدم.

وقد جمع الواقديُّ عن شيوخه أسماء من لم يُؤمَّن يوم الفتح، وأُمِر بقتْله عشرَة أنفسٍ ستَّة رجالٍ وأربع نسوةٍ.

ثمَّ السَّبب في قتل ابن خطل وعدم دخوله في قوله (( من دخل المسجد فهو آمن ) )ما وروى ابن إسحاق في «المغازي» حدَّثني عبد الله بن أبي بكر وغيره أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة قال (( لا يقتل أحد إلا من قاتل إلَّا نفرًا سمَّاهم، فقال اقتلوهم وإن وجدتموهم تحت أستار الكعبة ) )منهم عبد الله بن خطل وعبد الله بن سعد، وإنما أمر بقتل ابن خطل؛ لأنَّه كان مسلمًا فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدِّقًا وبعث معه رجلًا من الأنصار، وكان معه مولىً يخدمه وكان مسلمًا فنزل منزلًا فأمر المولى أن يذبح تيسًا ويصنع له طعامًا، ونام واستيقظ ولم يصنع له شيئًا، فعدا عليه فقتله، ثم ارتدَّ مشركًا، وكانت له قينتان تغنِّيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وروى الفاكهيُّ من طريق ابن جريج قال قال مولى ابن عبَّاس رضي الله عنهما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا من الأنصار ورجلًا من مزينة وابن خطل وقال (( أطيعا الأنصاري حتى ترجعا ) )، فلما كان ببعض الطريق وثب على الأنصاريِّ فقتله، وذهب بماله وهرب المزني،

ج 9 ص 48

فكان ممن أهدر النبيُّ صلى الله عليه وسلم دمه يوم الفتح، فكان قتله قودًا من دم المسلم الَّذي قتله ثمَّ ارتدَّ. واستدلَّ بقصته على جواز إقامة الحدود والقصاص في حرم مكة.

وقال أبو حنيفة لا يجوز تأوُّل الحديث بأنَّه كان في السَّاعة التي أبيحت له كما تقدم [خ¦1834] .

وقال صاحب «التلويح» وروينا في (( مجالس الجوهريِّ ) )أنَّه كان يكتب الوحي للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وكان إذا نزل غفورٌ رحيم، يكتب رحيم غفور، وإذا نزل سميعٌ عليم، يكتب عليم سميع. وذكره بإسناده إلى الضَّحاك عن الغزال بن سبرة عن علي رضي الله عنه.

وفي «التوضيح» وكان يقال لابن خطل ذا القلبين وفيه نزل قوله تعالى {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} [الأحزاب 4] .

وفي رواية يونس عن ابنِ إسحاق لما قتل _ يعني ابن خطل _ قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا يقتل قرشي صبرًا بعد هذا اليوم ) )، وقيل قال هذا في غيره وهو الأكثر، والله أعلم.

ومن النفر الَّذين كان النَّبي صلى الله عليه وسلم أهدر دمهم هبَّار بن الأسود، وعكرمة بن أبي جهل، وكعب بن زهير، ووحشي بن حرب، وأسيد بن إياس، وأميمة، وقينتا ابن خطل، وهند بنت عتبة.

وفي الحديث جواز قتل من آذى النَّبي صلى الله عليه وسلم وسبَّه أو نقصه ولا يستتاب ولا تقبل له توبة؛ لأنَّ ابن خطل كان يقول الشِّعر يهجو به النَّبي صلى الله عليه وسلم ويأمر جاريتيه أن تغنيا به.

هكذا قال القاضي عياض وغيره من المالكيَّة، وقال أبو عمر بن عبد البرِّ فيه نظرٌ؛ لأنَّ ابن خطل كان حربيًّا ولم يُدخِلْه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمانه لأهل مكة بل استثناه مع من استثنى فأمر بقتله، ولأنَّه اجتمع فيه الكفر والزيادة فيه بالأذى، وغير ذلك من موجبات القتل، ولأنَّه اتَّخذ الأذى ديدنًا فلم يتحتَّم أن سبب قتله الذم والهجو فقط، فلا يقاس عليه غيره.

نعم؛ من سبَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم يقتل ولا يستتاب، لكن لدليلٍ آخر غير ذلك، والله أعلم.

واسْتُدِلَّ بهذا الحديث أيضًا على جواز قتل الأسير صبرًا؛ لأنَّ القدرة على ابن خطل صيرته كالأسير في يد الإمام وهو مخيَّرٌ فيه بين القتل وغيره، لكن قال الخطابيُّ إنَّه صلى الله عليه وسلم قتله بما جناه في الإسلام.

وقال ابن عبد البر قتله قودًا من دم المسلم الَّذي غدر به وقتله ثم ارتدَّ كما تقدم، واستدلَّ به أيضًا على جواز قتل الأسير من غير أن يعرض عليه الإسلام، وترجم بذلك أبو داود.

وفي الحديث أيضًا مشروعيَّة

ج 9 ص 49

لبس المغفر ونحوه من آلات السِّلاح حال الخوف من العدوِّ وأنَّه لا ينافي التوكُّل. وفيه أيضًا جواز رفع أخبار أهل الفساد إلى ولاة الأمر ولا يكون ذلك من الغيبة المحرمة ولا النميمة المذمومة.

ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه المغفر، فلو كان محرمًا لكان يدخل وهو مكشوف الرَّأس.

والحديث أخرجه المؤلف في (( اللباس ) ) [خ¦5808] و (( الجهاد ) ) [خ¦3044] و (( المغازي ) )أيضًا [خ¦4286] . وأخرجه مسلمٌ في (( المناسك ) )، وأبو داود والتِّرمذي وابن ماجه في (( الجهاد ) )، والنَّسائي في (( الحج ) ).

ثم إنَّ هذا الحديث عُدَّ من أفراد مالك تفرد بقوله وعلى رأسه المغفر، كما تفرَّد بحديث (( السفر قطعة من العذاب ) ) [خ¦3001] ، قاله ابن الصَّلاح وغيره.

وتعقَّبه الشَّيخ زين الدين العراقي بأنَّه ورد من طريق ابن أخي الزهريِّ ومعمر وأبي أويس والأوزاعي وقال إن رواية ابن أخي الزهري عند البزار، ورواية أبي أويس عند ابن سعد وابن عدي، ورواية مَعمر ذكرها ابن عدي، ورواية الأوزاعي ذكرها المزيُّ.

وقد زاد الحافظ العسقلانيُّ على ذلك وقال وقد تتبَّعت طرقه فوجدته من رواية اثني عشر نصًا غير الأربعة التي ذكرها الزَّين العراقي فسردها.

ويقال إن قول من قال تفرَّد به مالك، محمولٌ على أنَّه ليس في طرقه شيءٌ على شرط الصَّحيح إلَّا طريق مالك، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت