فهرس الكتاب

الصفحة 2907 من 11127

1855 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريِّ (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) الهلاليِّ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ كَانَ الْفَضْلُ) هو ابنُ عبَّاس أخو عبد الله، وكان أكبر أولاده، وبه كان يكنى، وكان شقيق عبد الله، وأمهما أم الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث بن حزن الهلالية، مات في طاعون عمواس بناحية الأردن سنة ثمان عشرة من الهجرة، في خلافة عمر رضي الله عنهم (رَدِيفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وزاد شعيب في روايته (( على عجز راحلته ) ) [خ¦6228] .

(فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمٍ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا) وفي رواية شعيب (( وكان الفضل رجلًا وضيئًا ) ) [خ¦6228] أي جميلًا (وَتَنْظُرُ) الخثعميَّة (إِلَيْهِ) وكانت وضيئةً، وفي رواية شعيب [خ¦6228] (( وأقبلت امرأةٌ من خثعم وضيئة فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها ) ) (فَجَعَلَ) بالفاء، وفي رواية أبي الوقت بالواو.

(النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْرِفُ

ج 9 ص 63

وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ) الَّذي ليس فيه الجارية خشية الافتتان، وفي رواية شعيب (( فالتفت النبيُّ صلى الله عليه وسلم والفضل ينظر إليها فأخْلَف بيده، فأخذ بذقن الفضل فعدَل وجهَه عن النظر إليها ) ) [خ¦6228] .

وهذا هو المراد بقوله في حديث علي رضي الله عنه فلوى عنق الفضل. ووقع في رواية الطبريِّ في حديث علي رضي الله عنه وكان الفضل غلامًا جميلًا، فإذا جاءت الجارية من هذا الشقِّ صرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه الفضل إلى الشقِّ الآخر، فإذا جاءت إلى الشقِّ الآخر صرف وجهه عنه، وقال في آخره (( رأيت غلامًا حدثًا وجاريةً حدثةً، فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان ) ).

(فَقَالَتْ) أي الخثعمية يا رسول الله (إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ) وفي رواية عبد العزيز [خ¦1854] وشعيب (( إن فريضة الله على عباده في الحج ) ) [خ¦6228] (أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لاَ يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ) وفي رواية عبد العزيز وشعيب (( لا يستمسك على الرحل ) ) [1] ، وفي رواية يحيى بن أبي إسحاق زيادة وهي (( وإن شددته خشيت أن يموت ) )، وكذا في مرسل الحسن وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه ابن خُزيمة بلفظ (( وإن شددته بالحبل على الرَّاحلة خشيت أن أقتله ) )، وفي رواية النَّسائي (( إنَّ أبي أدركه الحج ) )؛ أي وجب عليه الحجُّ بأن أسلم وهو شيخٌ كبيرٌ أو حصل له المال في هذه الحالة، قاله في «شرح المشكاة» (أَفَأَحُجُّ عَنْهُ) أي أيصحُّ أن أنوب فأحجَّ عنه؛ لأن ما بعد الفاء الداخلة عليها همزة الاستفهام معطوفة على مقدَّر.

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (نَعَمْ) أي حجِّي عنه، وفي رواية عبد العزيز وشعيب (( فهل يقضي عنه ) ) [خ¦6228] ، وفي حديث عليٍّ رضي الله عنه هل يجزئ عنه، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه فقال (( احججي عن أبيك ) ). واتَّفقت الروايات كلها عن ابن شهاب على أنَّ السَّائلة كانت امرأة، وأنَّها سألت عن أبيها، وخالفه يحيى بن أبي إسحاق عن سليمان فاتَّفق الرواة عنه على أنَّ السَّائل رجلٌ.

ثم اختلفوا على سليمان بن يسار في إسناد هذا الحديث ومتنه، أمَّا إسناده فقال هُشيم عن ابن شهاب عن سليمان، عن عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما.

وقال محمد بن سيرين عن ابن شهاب عن سليمان عن الفضل. أخرجهما النَّسائي.

وقال ابن عليَّة عنه، عن سليمان حدَّثني أحد ابني العبَّاس إمَّا الفضل، وإمَّا عبد الله، أخرجه أحمد.

وأمَّا المتن فقال هُشيم إنَّ رجلًا سأل فقال إنَّ أبي مات. وقال ابن سيرين فجاء رجل فقال إن أمِّي عجوزٌ كبيرة. وقال ابن عليَّة فجاء رجلٌ فقال إنَّ أبي أو أمي.

وخالف الجميع معمر عن يحيى بن أبي إسحاق، فقال في روايته إنَّ امرأة سألت عن أمِّها.

(وَذَلِكَ) أي ما ذكر (فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ)

ج 9 ص 64

وفي هذا الحديث جواز الحج عن الغير.

واستدلَّ الكوفيون بعمومه على صحَّة حجِّ من لم يحجَّ نيابةً عن غيره، وخالفَهم الأكثرون فخصُّوه بمن حجَّ عن نفسه.

واستدلُّوا بما في السنن و «صحيح ابن خزيمة» وغيره من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يلبي عن شبرمة فقال (( أحججت عن نفسك؟ ) )فقال لا، قال (( هذه عن نفسك ثمَّ احجج عن شبرمة ) ).

واستدلَّ به على أنَّ الاستطاعة كما تكون بالنَّفس تكون بالغير أيضًا، والأُولى تتوقَّف على الزَّاد والراحلة كما فُسِّر السبيل في الآية بهما في ما رواه الحاكم، وقال صحيحٌ على شرطهما، وتتوقف أيضًا على الطريق فيشترطُ فيه الأمن ولو ظنًّا، وعلى البدن فيشترط أن يثبتَ على الرُّكوب ولو في محمل كسفينة بلا مشقةٍ شديدة، فلو لم يثبت عليه أصلًا أو ثبت عليه في محمل كسفينة بمشقَّة شديدة لمرضٍ أو غيره لم يجب عليه النُّسك بنفسه لعدم استطاعته؛ بخلاف من انتفت عنه المشقة فيما ذكر فيجب عليه النسك بنفسه،

وأمَّا الاستطاعة بالغير فتكون بالعجز بالموت تارةً، وبالعجز عن الرُّكوب إلَّا بمشقةٍ شديدة؛ لكبر أو زمانة أخرى فيحجُّ عنه؛ لأنَّه مستطيعٌ بغيره، فإن الاستطاعة كما تكون بالنفس تكون ببذل المال.

وقال بعض المالكيَّة من لم يستطع بنفسه لم يلاقه الوجوب. وأجابوا عن حديث الباب بأنَّ ذلك وقع من السَّائل على سبيل التبرُّع وليس في شيءٍ من طرقه تصريح بالوجوب.

وقالوا أيضًا إنَّها عبادة بدنية فلا يصح النيابة فيها كالصلاة، وقد نقل الطبريُّ وغيره الإجماعَ على أنَّ النيابة لا تدخل في الصَّلاة، قالوا لأنَّ العبادات فرضت على جهة الابتلاء وهو لا يوجد في العبادات البدنيَّة إلَّا بإتعاب البدن وبه يظهر الانقياد أو النفور؛ بخلاف الزكاة فإنَّ الابتلاء فيها بنقص المال، وهو حاصلٌ بالنفس وبالغير.

وأُجيب بأنَّ قياس الحج على الصلاة لا يصحُّ؛ لأنَّ عبادة الحج ماليَّة بدنية معًا فلا يترجَّح إلحاقها بالصلاة على إلحاقها بالزكاة، ولهذا قال المازريُّ من غلَّب حكم البدن في الحج ألحقه بالصلاة، ومن غلَّب حكم المال ألحقه بالصدقة. وقد أجاز المالكيَّة الحجَّ عن الغير إذا أوصى به ولم يجيزوا ذلك في الصلاة.

وبأنَّ حصر الابتلاء في المباشرة

ج 9 ص 65

ممنوعٌ؛ لأنَّه يوجد فيمن بذل المال في الآخرة سواءٌ باشر بنفسه، أو أمر الغير به.

وقال القاضي عياض لا حجَّة للمخالف في حديث الباب؛ لأن قوله إنَّ فريضة الله على عباده .. إلى آخره معناه أنَّ إلزام الله عباده بالحجِّ الَّذي وقع بشرط الاستطاعة صادفَ أبي بصفة من لا يستطيع فهل أحجُّ عنه؛ أي هل يجوز لي ذلك أو هل فيه أجرٌ ومنفعةٌ؟ فقال نعم.

وتعقِّب بأن في بعض طرقه التَّصريح بالسُّؤال عن الإجزاء فيتمُّ الاستدلال.

وقد وقع في بعض طرق مسلم إنَّ أبي عليه فريضة الله في الحج. ولأحمد في رواية والحجُّ مكتوبٌ عليه.

هذا؛ وادَّعى بعضهم أنَّ هذه القصة مختصَّةٌ بالخثعمية، كما اختصَّ سالم مولى أبي حذيفة بجواز إرضاع الكبير، حكاه ابن عبد البر. وتعقِّب بأن الأصل عدم الخصوصيَّة.

واحتج بعضهم لذلك بما رواه عبد الملك بن حبيب صاحب الواضحة بإسنادين مرسلين فزاد في الحديث (( حجَّ عنه وليس لأحدٍ بعده ) )ولا حجَّة فيه؛ لضعف الإسنادين مع إرسالهما.

وقد عارضه قوله في حديث الجهنية الماضي في الباب السابق [خ¦1852] (( اقضوا الله فالله أحق بالوفاء ) )، وادعى آخرون منهم أنَّ ذلك خاصٌّ بالابن يحجُّ عن أبيه. ولا يخفى أنَّه جمود.

وقال القرطبيُّ رأى مالك أنَّ ظاهر حديث الخثعمية مخالفٌ لظاهر القرآن، فرجَّح ظاهر القرآن، ولا شكَّ في ترجيحه من جهة تواترهِ، ومن جهة أنَّ القول المذكور قول امرأةٍ ظنَّت ظنًا، قال ولا يقال قد أجابها النبيُّ صلى الله عليه وسلم على سؤالها، ولو كان ظنها غلطًا لبيَّنه لها لأنَّا نقول إنَّما أجابها عن قولها أفأحجُّ عنه؟ فقال (( حجِّي عنه ) )؛ لِمَا رأى من حرصها على إيصال الخير والثَّواب لأبيها. انتهى.

وتعقِّب بأنَّ في تقرير النَّبي صلى الله عليه وسلم لها على ذلك وهو حجَّةٌ ظاهرة.

وأمَّا ما رواه عبد الرزاق من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما فزاد في الحديث (( حجَّ عن أبيك فإن لم تزده خيرًا لم تزده شرًا ) )، فقد جزمَ الحفاظ بأنَّها روايةٌ شاذة، وعلى تقدير صحَّتها فلا حجَّة فيها للمخالف.

ومن فروع المسألة أنَّ لا فرق بين من استقر الوجوب في ذمَّته قبل العضب، أو طرأ عليه

ج 9 ص 66

خلافًا للحنفية، وأنَّ من حجَّ عن غيره وقع الحجُّ عن المستنيب خلافًا لمحمد بن الحسن، فقال يقع عن المباشر وللمحجوجِ عنه أجر النفقة.

واختلفوا فيما إذا عوفي المعضوب، فقال الجمهور لا يجزئه؛ لأنَّه تبيَّن أنَّه لم يكن مأيُوسًا منه، وقال أحمد وإسحاق لا يلزمه الإعادة لئلا يفضي إلى إيجاب حجَّتين.

واتَّفق من أجاز النِّيابة في الحج على أنَّها لا تجزئ في الأرض إلَّا عن موتٍ أو عضبٍ فلا يدخل المريض؛ لأنَّه يرجى برؤه، ولا المجنون؛ لأنَّه يُرجى العافية، ولا المحبوس؛ لأنَّه يُرجى خلاصه، ولا الفقير؛ لأنَّه يمكن استغناؤه، والله أعلم.

وفي الحديث أيضًا جواز الارتدافِ وتواضعُ النَّبي صلى الله عليه وسلم، ومنزلة الفضل بن عبَّاس عنده صلى الله عليه وسلم.

وفيه أيضًا منع النَّظر إلى الأجنبيات وغض البصر. وروى أحمد وابن خزيمة من وجهٍ آخر عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال للفضل حين غطَّى وجهه يوم عرفة (( هذا يومٌ من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له ) ).

قال القاضي عياض زعم بعضهم أنَّه غير واجبٍ إلَّا عند خشية الفتنة، قال وعندي أنَّ فعله صلى الله عليه وسلم إذ غطى وجه الفضل أبلغ من القول، ثم قال لعلَّ الفضل لم ينظر نظرًا ينكر بل خشي عليه أن يؤول إلى ذلك، أو كان قبل نزول الأمر بإدناء الجلابيب، ويؤخذ منه التفريق بين الرِّجال والنساء خشية الفتنة.

وفيه بيان ما ركب في الآدمي من الشَّهوة وجبلت طباعه عليه من النَّظر إلى الصُّور الحسنة.

وفيه جواز كلام المرأة سماع صوتها للأجانب عند الضَّرورة، كالاستفتاء عن العلم والتَّرافع في الحكم والمعاملة.

وفيه أيضًا جواز النِّيابة في السؤال عن العلم حتى من المرأة عن الرَّجل، وأنَّ المرأة تحجُّ بغير محرمٍ.

وأنَّ المحرم ليس من السبيل المشتَرَطِ في الحجِّ، لكن الرواية التي فيها أنَّها كانت مع أبيها قد تردُّ ذلك.

واستدلَّ به على أنَّ العمرة غير واجبة؛ لكون الخثعمية لم تذكرها، ولا حجة فيه؛ لأنَّ مجرد ترك السُّؤال لا يدلُّ على عدم الوجوب لاستفادة ذلك في حكم الحج، ولاحتمال أن يكون أبوها قد اعتمرَ قبل الحجِّ على أنَّ السؤال عن الحج والعمرة قد وقع في حديث أبي رزين.

وقال ابن العربي حديث الخثعميَّة أصلٌ متَّفقٌ على صحَّته في الحجِّ خارجٌ عن القاعدة المستقرَّة في الشَّريعة

ج 9 ص 67

من أنه ليس للإنسان إلَّا ما سعى رفقًا من الله في استدراك ما فرَّط فيه المرء بولده ووالده.

وتعقِّب بأنه يمكن أن يدخل في عموم السَّعي وبأن عموم السَّعي في الآية مخصوصٌ اتفاقًا.

[1] لم تقع هذه اللفظة في مطبوع الصحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت