1864 - (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحي _ بمعجمة ثم مهملة _ البصريُّ، قاضي مكة، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابنُ الحجاج (عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ) بضم العين وفتح الميم، حليف بني عدي الكوفي، يقال له الفَرَسي _ بفتح الفاء والراء ثم مهملة _ نسبه إلى فرسٍ له سابق (عَنْ قَزَعَةَ) بفتح القاف والزاي المهملة، ابن يحيى (مَوْلَى زِيَادٍ) بتخفيف التحتية (قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ) الخدري رضي الله عنه (_ وَقَدْ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً _ قَالَ أَرْبَعٌ) من الحكمة (سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ أَوْ قَالَ يُحَدِّثُهُنَّ _) شكٌّ من الراوي، ووقع عند الكشميهنيِّ بلفظ بالخاء والذال المعجمتين، من الأخذ؛ أي حملتهنَّ (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْجَبْنَنِي) بسكون الموحدة وفتح النون الأولى؛ أي الأربع (وَآنَقْنَنِي) بفتح الهمزة الممدودة والنون وسكون القاف، بصيغة جمع المؤنث الماضي، وهو من عطف الشَّيء على مرادفه نحو {إنَّما أشكوا بثِّي وحزني إلى الله} [يوسف 86] .
قال النَّووي كرَّر المعنى باختلافِ اللَّفظ، والعرب تفعلُ ذلك كثيرًا للبيان والتَّوكيد، ومنه قوله تعالى {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة 157] أو المعنى أفرحني وأسرَّني.
قال في «القاموس» الأَنَق _ محركة _ الفرح والسُّرور.
أولها (أَنْ لاَ تُسَافِرَ امْرَأَةٌ) بنصب (( تسافر ) )في الفرع وغيره. وقال البرماوي
ج 9 ص 86
كالكرمانيِّ بالرفع لا غير؛ لأنَّ (( أن ) )هي المفسِّرة لا الناصبة، وفيه نظرٌ، فإن قوله بالرفع لا غير، إن أراد به في الرواية فغير مسلَّم، وإن أرادَ من جهة العربيَّة، فكذلك فقد قال ابنُ هشام في «المغني» إذا وليَ (( أنْ ) )الصَّالحة للتَّفسير مضارعٌ معه (( لا ) )نحو أشرتُ إليه أنْ لا يفعل، جازَ رفعه على تقدير (( لا ) )نافية، وجزمه على تقديرها ناهية، وعليهما فـ (( أن ) )مفسِّرة، ونصبه على تقدير (( لا ) )نافية، و (( أن ) )مصدريَّة.
(مَسْيِرةَ يَوْمَيْنِ) وروي عن أبي سعيد رضي الله عنه أيضًا (( لا تسافر ثلاثًا ) )، وروي عنه أيضًا (( لا تسافر فوق ثلاث ) )، وروي عن الزهريِّ عن أبي هريرة رضي الله عنه (( لا تسافر ثلاثًا ) )، وروي عنه (( لا تسافر فوق ثلاث ) )، وروي عنه (( لا تسافر يومًا وليلة ) )، وروي عنه (( لا تسافر يومًا ) )، وروي عنه (( لا تسافر بريدًا ) )، وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما (( لا تسافر ثلاثًا ) )، وروي عنه (( لا تسافر فوق ثلاث ) )، وروي عن عبد الله بن عَمرو بن العاص رضي الله عنهما (( لا تسافر ثلاثًا ) ).
قال النَّووي ليس المراد من التَّحديد ظاهره بل كلُّ ما يسمى سفرًا، فالمرأة منهيَّة عنه إلَّا بالمحرم، وإنَّما وقع التَّحديد عن أمرٍ واقع فلا يعمل بمفهومه.
وقال ابن المُنيَّر وقع الاختلاف في مواطن بحسب السَّائلين.
وقال القاضي عياض هذا كله ليس يتنافرُ ولا يختلف فقد يكون هذا في مواطن مختلفة ونوازل متفرِّقة فحدَّث كلُّ من سمعها بما بلغه منها وشاهده، وإن حدَّث بها واحدٌ فحدَّث بها مرَّات على اختلاف ما سمعها.
وقد يمكن أن يلفَّق بينها بأنَّ اليوم المفرد واللَّيلة المفردة بمعنى اليوم والليلة؛ لأنَّ اليوم من الليل والليلة من اليوم، فمن أطلق يومًا أراد بليلته، ومن أطلق ليلة أراد بيومها.
ويحتمل أن من جمعهما أشار إلى مدَّة الذهاب والرجوع، ومن أفردهما أشار إلى قدر ما يقضي فيه الحاجة، ويكون ذكر يومين إشارة إلى مدَّة الذَّهاب والرُّجوع في هذا السَّفر، فأشار مرَّةً إلى مسافة السَّفر ومرَّة إلى مدَّة المغيب.
وهكذا ذكر الثلاث فقد يكون اليوم الوسط بين السَّير والرُّجوع اليوم الذي يقضى فيه حاجته بحيث سافر، فيتَّفق على هذا الأحاديث المختلفة لفظًا.
ويحتمل أن يكون هذا كله تمثيلًا لأقل الأعداد، فاليوم أوَّل العدد وأقلُّه، والاثنان أوَّل الكثير وأقله، والثلاث أول الجمع وأقلُّه، فكأنَّه أشار إلى أنَّ مثل هذا في قلِّة الزمن لا يحل فيه لها السَّفر مع غير ذي محرمٍ فكيف بما زاد، ولهذا قال في الحديث الآخر ثلاثة أيام فصاعدًا.
ج 9 ص 87
ويحتمل أن يكون ذَكَرَ الثلاث قبل ذكر ما دونها، قيل فيؤخذ بأقلِّ ما ورد في ذلك، وأقله الرواية التي فيها ذكر البريد، فعلى هذا يتناول السفر الطَّويل والقصير، ولا يتوقف امتناع سفر المرأة على مسافة القصر، كما ذهب إليه الحنفيَّة، وقالوا يتوقف امتناعه عليها.
واحتجوا في ذلك كما قال الطحاويُّ بأن حديث الثَّلاث واجبٌ استعماله على كلِّ حالٍ، وما خالفه فقد يجب استعماله إن كان هو المتأخر، ولا يجبُ إن كان هو المتقدِّم، فالذي وجب علينا استعماله والأخذ به في كلا الوجهين أولى مما يجب استعماله في حال وتركه في حال.
وقيل إنَّ المنع المقيَّد بالثلاث متحقِّقٌ وما عداه مشكوكٌ فيه فيُؤخذ بالمتيقَّن.
وتعقِّب بأن الرِّوايات المطلقة شاملةٌ لكل سفرٍ فينبغي الأخذ بها وطرح ما عداها، فإنَّه مشكوكٌ فيه.
ومن قواعد الحنفيَّة تقديم الخبر العام على الخاصِّ، وترك حمل المطلق على المقيَّد، وقد خالفوا ذلك هنا.
وما قيل من أنَّ رواية ابن عبَّاس رضي الله عنهما التي لم يقع فيها التَّقييد غير مضطربة، ورواية غيره التي وقع فيها التَّقييد مضطربة، كما عرفت آنفًا، والأخذ برواية من سلم روايته عن الاضطراب أولى من رواية من اضطربت الرواية عنه، فالأخذ برواية ابن عبَّاس رضي الله عنهما أولى.
فالجواب عنه أنَّ رواية غير ابن عبَّاس رضي الله عنهما زادت على رواية ابن عبَّاس رضي الله عنهما والأخذ بالزائد أولى، ولكن الزَّائد في نفسه مختلف، فرجح خبر الثلاث لما ذكره الطحاويُّ، وقد مرَّ آنفًا، والله أعلم.
(وَ) الثَّانية من الأربع (لاَ صَوْمَ يَوْمَيْنِ) (( صوم ) )اسم لا، و (( يومين ) )خبره؛ أي لا صوم في هذين اليومين، ويجوز أن يكون (( صوم ) )مضافًا إلى يومين والتَّقدير لا صوم يومين ثابتٌ أو مشروع (الْفِطْرِ وَالأَضْحَى) بفتح الهمزة؛ أي يوم الفطر ويوم الأضحى، وسيأتي تحقيقه في (( الصِّيام ) ) [خ¦1990] .
(وَ) الثَّالثة منها (لاَ صَلاَةَ بَعْدَ صَلاَتَيْنِ؛ بَعْدَ) صلاة (الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ) صلاة (الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) وقد تقدَّم بحثه في أواخر
ج 9 ص 88
كتاب (( الصلاة ) ) [خ¦1197] .
(وَ) الرَّابعة منها (لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِ الْحَرَامِ) بمكَّة و (( مسجد ) )بالجرِّ بدل ممَّا قبله (وَمَسْجِدِي) بالمدينة (وَمَسْجِدِ الأَقْصَى) الأبعد عن المسجد الحرام في المسافة أو عن الأقذار، وهو مسجد بيت المقدس، وقد تقدَّم الكلام على هذا في أواخر (( الصلاة ) )أيضًا.