فهرس الكتاب

الصفحة 2923 من 11127

1867 - (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمد بن الفضل السَّدوسيُّ، قال (حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ) بالمثلثة ويزيد من الزيادة، الأحول البصريُّ، وقد مرَّ في باب ميمنة المسجد [خ¦728] ، قال (حَدَّثَنَا عَاصِمٌ) بن سليمان (أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَحْوَلُ) ويقال أبو عبد الله (عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وفي رواية عبد الواحد عن عاصم (( قلت لأنس ) ) [خ¦7306] ، وسيأتي في (( الاعتصام ) )، سألت أنسًا. وكذلك في رواية مسلم، والحديث من الرباعيات.

(عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ الْمَدِينَةُ حَرَمٌ) أي محرَّمة لا تنتهك حرمتها (مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا) بفتح الكاف والذال المعجمة، كنايةٌ عن اسمي مكانين،

ج 9 ص 95

هكذا جاء مبهمًا من غير بيان، وسيأتي في حديث علي رضي الله عنه رابع أحاديث الباب [خ¦1870] (( ما بين عائر إلى كذا ) )بالمهملة على وزن فاعل، وذكره في الجزية وغيرها بلفظ [خ¦3172] (( عَيْر ) )بفتح المهملة وسكون التحتانية، وهو جبلٌ بالمدينة.

واتَّفقت روايات البخاري كلها على إبهام الثاني، ووقع عند مسلم (( إلى ثَوْر ) )بفتح المثلثة وسكون الواو، فقيل إنَّ البخاري أبهمه عمدًا لمَّا وقع عنده أنَّه وهمٌ لإنكار أهل المدينة ذلك، فلمَّا تحقَّق عند البخاري أنَّه وهمٌ أسقطه وذكر بقية الحديث وهو مقيَّدٌ؛ يعني بقوله من عير إلى كذا، إذ البداءة يتعلَّق بها حكمٌ، فلا يترك لإشكال سنح في حكم النِّهاية، قاله ابن المنيِّر.

وقال صاحب «المشارق» و «المطالع» أكثر رواة البخاري ذكروا (( عيرًا ) )، وأمَّا (( ثور ) )فمنهم من كنى عنه بكذا، ومنهم من ترك مكانه بياضًا، والأصلُ في هذا التَّوقف قولُ مصعب الزُّبيري ليس بالمدينة عيرٌ ولا ثور. وأثبت غيره (( عيرًا ) )، ووافقه على إنكار (( ثور ) ).

وقال أبو عبيد قوله ما بين عير إلى ثور، هذه رواية أهل العراق، وأمَّا أهل المدينة فلا يَعرفون جبلًا عندهم يقال له ثور، وإنما ثور بمكَّة ونرى أنَّ أصل الحديث ما بين عير إلى أحد.

وقد وقع كذلك في حديث عبد الله بن سلام عند أحمد والطبراني، وقال القاضي عياض لا معنى لإنكار (( عير ) )بالمدينة فإنَّه معروفٌ. وقد جاء ذكره في أشعارهم، أنشد أبو عُبيد البكري في ذلك عدَّة شواهد منها قول الأحوص المدني المشهور

فقُلْتُ لعَمْرٍو تِلْكَ يَا عَمْرُو نَارُهُ تَشِبُّ قَفَا عَيْر فَهَل أنتَ نَاظرُ

وقال ابن السَّيِّد في «المثلث» وكذا في «المحكم» اسم جبلٍ بقرب المدينة معروف.

وقال النَّووي يحتمل أن يكون (( ثور ) )كان اسم جبلٍ هناك إمَّا أحد وإمَّا غيره.

وقال المحبُّ الطبريُّ في «الأحكام» بعد حكاية كلام أبي عُبيد ومن تبعه قد أخبرني الثِّقة العالم أبو محمد عبد السلام البصريُّ أنَّ حذاء أُحُد عن يساره جانحًا إلى ورائه جبلًا صغيرًا، يقال له ثور، وأخبر أنَّه تكرر سؤاله عنه لطوائف من العرب العارفين بتلك الأرض وما فيها من الجبال، فكلٌّ أخبر أنَّ ذلك الجبل اسمه ثور، وتواردوا على ذلك، قال فعلمنا أنَّ ذكر ثور في الحديث صحيحٌ، وأنَّ عدم علم أكابر العلماء به؛ لعدم شهرته وعدم بحثهم عنه، قال وهذه فائدةٌ جليلةٌ. انتهى.

وذكر الشَّيخ قطب الدين الحلبيُّ في «شرحه» حكى لنا شيخنا الإمام أبو محمد عبد السلام بن مَزْروع البصري أنَّه خرج رسولًا إلى العراق، فلمَّا رجع إلى المدينة كان معه دليل فكان يذكر له الأماكن والجبال قال فلمَّا وصلنا

ج 9 ص 96

إلى أُحُد إذا بقربه جبيل صغير فسألته عنه، فقال هذا يسمى ثورًا، قال فعلمت صحَّة الرواية.

وذكر الشيخ أبو بكر بن حسين المراغي نزيل المدينة في «مختصره لأخبار المدينة» أنَّ خلف أهل المدينة ينقلون عن سلفهم أنَّ خلف أحدٍ من جهة الشمال جبلًا صغيرًا إلى الحمرة بتدوير يسمَّى ثورًا قال وقد تحققته بالمشاهدة.

وقال ابن قدامة يحتمل أن يكون مراد النبيِّ صلى الله عليه وسلم مقدار ما بين عير وثور؛ لا أنَّهما بعينهما في المدينة، أو سمى النبيُّ صلى الله عليه وسلم الجبلين الَّذين بطرفي المدينة عيرًا وثورًا ارتجالًا.

وحكى ابن الأثير كلام أبي عبيدة مختصرًا، ثم قال وقيل إنَّ عيرًا جبل بمكة، فيكون المراد حرم من المدينة مقدار ما بين عير وثور من مكة، فكأنَّه قال حرم من المدينة مثل تحريم ما بين عير وثور بمكة على حذف المضاف ووصفِ المصدر المحذوف.

وأمَّا قول ابن التين إنَّ البخاريَّ أبهم اسم الجبل عمدًا لكونه غلطًا، فهو غلطٌ منه، بل إبهامه من بعض رواته، فقد أخرجه في الجزية فسمَّاه [خ¦3172] ، والله أعلم.

ومما يدلُّ على أنَّ المراد بقوله في حديث أنس رضي الله عنه من كذا إلى كذا، جبلان ما وقع عند مسلم من طريق إسماعيل بن جعفر، عن عَمرو بن أبي عَمرو عن أنس مرفوعًا (( اللَّهمَّ إنِّي أحرِّم ما بين جبليها ) )، لكن عند المؤلف في الجهاد [خ¦2889] وغيره من طريق محمد بن جعفر ويعقوب بن عبد الرَّحمن ومالك كلهم عن عَمرو بلفظ (( ما بين لابتيها ) ).

وكذا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه ثالث أحاديث الباب [خ¦1869] . وسيأتي بعد أبواب من وجهٍ آخر إن شاء الله تعالى [خ¦1873] .

وكذا في حديث رافع بن خديج وأبي سعيد وسعد وجابر وكلها عند مسلم. وكذا رواه أحمد من حديث عبادة الزرقي والبيهقي من حديث عبد الرَّحمن بن عوف، والطبرانيُّ من حديث أبي اليسر وأبي حسين، وكعب بن مالك كلهم بلفظ (( ما بين لابتيها ) ).

واللابتان تثنية لابَة _ بتخفيف الموحدة _ وهي الحرَّة؛ أي الحجارة السُّود، وقد تكرر ذكرها في الحديث، ووقع في حديث جابر رصي الله عنه عند أحمد (( وأنَّا أحرِّم المدينة ما بين حرَّتيها ) )، فادَّعى بعض العلماء أنَّ الحديث مضطرب؛ لأنَّه وقع في رواية (( ما بين جبليها ) )، وفي رواية (( ما بين لابتيها ) )، وفي رواية (( ما بين مأزميها ) ).

وتعقِّب بأنَّ الجمع بينها واضحٌ وبمثل هذا لا ترد

ج 9 ص 97

الأحاديث الصَّحيحة، فإن الجمع لو تعذَّر أمكن التَّرجيح ولا شكَّ أنَّ رواية (( ما بين لابتيها ) )أرجحُ لتوارد الرُّواة عليها، ورواية (( جبليها ) )لا تنافيها، فيكون عند كلِّ لابَّةٍ جبل، أو لابتيها من جهة الجنوب والشمال، وجبليها من جهة الشَّرق والغرب، وتسميةُ الجبلين في روايةٍ أُخرى لا تضر، وأمَّا رواية مأزميها، فهي في بعض طرق حديث أبي سعيد رضي الله عنه، والمأزِم _ بكسر الزاي _ المضيق بين الجبلين، وقد يطلق على الجبل نفسه، والله أعلم.

(لاَ يُقْطَعُ شَجَرُهَا) على البناء للمفعول، وفي رواية يزيد بن هارون [1] (( لا يُختلى خَلاها ) )، وعند مسلم من حديث جابر رضي الله عنه (( لا يُقطع عِضاهُها، ولا يُصاد صيدُها ) )، ونحوه عنده عن سعد رضي الله عنه. وعند أبي داود (( لا يختلى خَلاها ولا ينفَّر صيدها ) )، واحتجَّ بهذا محمد بن أبي ذئب والزهريُّ والشَّافعي ومالك وأحمد وإسحاق وقالوا المدينة لها حرم فلا يجوزُ قطع شجرها ولا أخذُ صيدهَا فيأثم، ولكنَّه لا يجب الجزاءُ فيه عندهم، واختارَه ابن المنذر وابن نافع صاحب مالك.

وقال القاضي عبد الوهاب إنَّه الأقيس خلافًا لابن أبي ذئب، فإنَّه قال يجبُ الجزاء، وكذلك لا يحلُّ سلب من يفعلُ ذلك عندهم إلَّا عند الشَّافعي في القديم، قال فيه من اصطادَ في المدينة صيدًا أخذ سلبه، ويروي فيه أثرًا عن سعد بن أبي وقَّاص كما سيأتي عن ابن حزم عن قريبٍ، وفي روايةٍ لأبي داود (( من وجد أحدًا يصيد في حرم المدينة فليسلبه ) ).

قال القاضي عياض لم يقل أحدٌ بهذا بعد الصَّحابة رضي الله عنهم إلَّا الشَّافعي في القديم، واختاره جماعةٌ معه وبعده لصحة الخبر فيه.

وقال ابنُ حزم من احتطبَ في حرم المدينة فحلال سلبه كل ما معه في حاله تلك، وتجريدِهِ إلَّا ما يستر عورته فقط؛ لما روى مسلم بسنده إلى عامر بن سعد أنَّ سعدًا رضي الله عنه ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد عبدًا يقطع شجرًا أو يَخْبِطُه، فسَلَبَه، فلمَّا رجع سعد جاءه أهل العبد وكلَّموه أن يردَّ على غلامِهِم _ أو عليهم _ ما أخذ من غلامهم، فقال معاذ الله أن أردَّ شيئًا نفَّلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبى أن يردَّه عليهم. انتهى.

ولمن قال به اختلافٌ في كيفيَّته ومصرفه، والذي دلَّ عليه صنيع سعد عند مسلم وغيره أنَّه كسلب القتيل، وأنَّه للسالب لكنه لا يخمَّس.

وأغرب بعض الحنفيَّة فادَّعى الإجماع على

ج 9 ص 98

ترك الأخذ بحديث السَّلب، ثمَّ استدلَّ بذلك على نسخ أحاديث تحريم المدينة، ودعوى الإجماع مردودةٌ فبطل ما ترتَّب عليها.

وقال الشَّافعي في الجديد بخلافه؛ أي بخلاف ما قاله في القديم.

وقال ابن نافع سئل مالك عن قطع سدر المدينة، وما جاء فيه من النَّهي، فقال إنَّما نهى عنه لئلا يتوحَّش وليبقى فيها شجرها ويستأنس بذلك، ويستظل من هاجر إليها.

وقال الثوريُّ، وعبد الله بن المبارك، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد ليس للمدينة حرمٌ، كما كان بمكة، فلا يمنع أحدٌ من أخذ صيدها وقطعِ شجرها.

وأجابوا عن الحديث المذكور بأنَّه صلى الله عليه وسلم إنَّما قال ذلك لا لما ذكروه من تحريمِ صيد المدينة وقطع شجرها، بل إنَّما أرادَ بذلك تعظيمها وبقاء زينتهَا ليستطيبوهَا ويألفوها، كما مرَّ عن ابن نافع عن مالك.

وذلك كمنعه صلى الله عليه وسلم من هدمِ آطامِ المدينة وقال (( إنَّها زينة المدينة ) )على ما رواه الطَّحاوي عن علي بن عبد الرَّحمن، قال نا يحيى بن معين قال نا وهب بن جرير، عن العمري، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آطام المدينة أن تهدمَ.

وفي روايةٍ (( لا تهدموا آطام المدينة فإنَّها زينة المدينة ) )، وهذا إسنادٌ صحيح، ورواه البزار في «مسنده» .

والآطام جمع أَطَم _ بفتح الهمزة والطاء _ وهو بناءٌ مرتفعٌ، وأراد بآطام المدينة أبنيتها المرتفعة كالحصون، ثم ذكر الطحاويُّ دليلًا على ذلك من حديث حميد الطَّويل عن أنسٍ رضي الله عنه قال كان لآل أبي طلحة ابنٌ من أم سليم يقال له أبو عُمير، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُضاحكه إذا دخل، وكان له نُغير فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى أبا عُمير حزينًا فقال (( ما شأن أبى عُمير؟ ) )فقيل يا رسول الله! مات نُغيره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( يا أبا عُمير؛ ما فعل النُّغير؟ ) )، وأخرجه من أربع طرق.

وأخرجه مسلم أيضًا حدَّثنا شيبان بن فروخ، قال نا عبد الوارث، عن أبي التَّيَّاح، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال كان رسولُ لله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خُلقًا، وكان لي أخٌ يقال له أبو عُمير وأحسبه قال فطيمًا، قال فكان إذا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه قال (( يا أبا عُمير! ما فعل النُّغير؟ ) )قال فكان يلعب به. وأخرجه النَّسائي أيضًا في اليوم والليلة، والبزار في «مسنده» .

واسم أبي طلحة زيد بن سهم الأنصاري، وأمُّ سُليم

ج 9 ص 99

بنت ملحان أمُّ أنس بن مالك، واسمها سهلة، أو رُميلة، أو مُليكة.

ونُغَيْر _ بضم النون وفتح الغين المعجمة وسكون المثناة التحتية وفي آخره راء _ على صيغة التَّصغير طائرٌ يشبهُ العصفور أحمر المنقار، ويجمع على نُغران.

قال الطحاويُّ فهذا قد كان بالمدينة ولو كان صيدها كصيدِ مكَّة في الحكم لما أطلق له رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس النُّغير كما لا يُطلق ذلك بمكة.

وقيل يحتمل أن يكون قصَّة أبي عمير كانت قبل التَّحريم، وما أُجيب به عنه من أنَّه يحتمل أن يكون من صيد الحلِّ.

قال أحمد من صاد من الحلِّ ثمَّ أدخله المدينة لم يلزمْه إرساله لحديثِ أبي عُمير، وهذا قول الجمهور، لكن لا يرد ذلك على الحنفيَّة؛ لأنَّ صيد الحلِّ عندهم إذا أدخل الحرم كان له حكمُ الحرم.

وقال الطحاويُّ قال قائلٌ وقد يجوز أن يكون هذا الحديث بقناة، وذلك الموضع غير موضع الحرم فلا حجَّة لكم في هذا الحديث، فنظرنا هل نجدُ ممَّا سوى هذا الحديث ما يدلُّ على شيءٍ من حكم صيد المدينة، فإذا عبد الرَّحمن بن عمرو الدمشقيُّ وفهد قد حدَّثانا قالا ثنا أبو نُعيم قال ثنا يُونس بن أبي إسحاق، عن مجاهد قال قالت عائشةُ رضي الله عنها كان لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم وحشٌ، فإذا خرج لعب واشتدَّ وأقبل وأدبر، فإذا حسَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم قد دخل رَبَض، فلم يترمرم كراهةَ أن يؤذيه. فهذا بالمدينة في موضعٍ قد دخل فيما حرم منها، وقد كانوا يؤون فيه الوحوش ويتَّخذونها ويغلقون دونها الأبواب. وقد دلَّ هذا أيضًا على أنَّ حكم المدينة في ذلك بخلاف حكم مكة. انتهى. وإسناده صحيح، وأخرجه أحمد أيضًا في «مسنده» .

والوحش واحدُ الوحوش، وهي حيوان البر، وقوله ربض من الرُّبوض، وربوضُ الغنم والبقر والفرس والكلب كبروك الجمل وجثوم الطَّير، وقوله فلم يترمرم من ترمرم، إذا حرَّك فاه للكلام، وهو بالرائين المهملتين.

وروى الطحاويُّ أيضًا من حديث أبي سلمة بن عبد الرَّحمن عن سلمة بن الأكوع أنَّه كان يصيدُ ويأتي النبيَّ صلى الله عليه وسلم من صيدهِ فأبطأ عليه، ثمَّ جاء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ما الذي حبسَكَ؟ ) )فقال يا رسول الله! انتفَى عنَّا الصَّيد، فصرنا نصيدُ ما بين تِيْت إلى قناة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أما إنَّك لو كنت تصيدُ بالعقيق لشيَّعتُك

ج 9 ص 100

إذا ذهبتَ، وتلقَّيتك إذا جئتَ، فإني أحبُّ العقيق )) ، وأخرجه من ثلاث طرق، وأخرجه الطبرانيُّ أيضًا.

ثم قال الطحاويُّ ففي هذا الحديث ما يدلُّ على إباحة صيد المدينة، ألا ترى أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دلَّ سلمة وهو بها على موضع الصَّيد، وذلك لا يحلُّ بمكة فثبت أنَّ حكمَ صيد المدينة خلاف حكم صيد مكة.

وقوله تِيْت _ بكسر المثناة الفوقية وسكون الياء وفي آخره مثناة فوقية أخرى _ ويقال تَيِّت على وزن سَيِّد. قال الصاغانيُّ هو جبلٌ بقرب المدينة على بريد منها.

وأمَّا الجواب عن حديث سعد بن أبي وقاص في أمر السَّلب فهو أنَّه كان في وقت ما كانت العقوبات التي تجب بالمعاصي في الأموال، فمن ذلك ما روي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الزكاة أنَّه قال (( من أدَّاها طائعًا فله أجرُها، ومن لا أخذناها منه وشطر ماله ) )، ثمَّ نسخ ذلك في وقت نسخ الربا.

وقال ابن بطَّال حديث سعدٍ في السَّلب لم يصحَّ عند مالك، ولا رأى العمل به بالمدينة.

واحتجَّ بعض الحنفيَّة بحديث أنس رضي الله عنه في قصة قطع النَّخل لبناء المسجد، ولو كان قطع شجرها حرامًا ما فعله صلى الله عليه وسلم، لكن يَرِد عليه أن ذلك كان في أوَّل الهجرة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى واضحًا في أول المغازي [2] .

وحديث تحريم المدينة كان بعد رجوعه صلى الله عليه وسلم من خيبر، كما سيأتي في حديث عمرو بن أبي عمرو عن أنس رضي الله عنه في الجهاد [خ¦2889] ، وفي غزوة أُحد من المغازي [خ¦4084] .

تتمة ويجوز أخذ العلف بالاتفاق لحديث أبي سعيد رضي الله عنه عند مسلم ولا يخبط فيها شجرة إلَّا العلف. ولأبي داود من طريق أبي حسان عن علي رضي الله عنه نحوه.

وقال المهلَّب في حديث أنس رضي الله عنه الآتي بعد هذا الحديث [خ¦1868] دلالةٌ على أنَّ المنهي عنه مقصورٌ على القطع الَّذي يحصل به الإفساد، فأمَّا من يقصد الإصلاح كمن يغرسُ مثلًا بستانًا فلا يمتنع عليه قطع ما كان بتلك الأرض من شجرٍ يضرُّ بقاؤه، قال وقيل بل فيه دَلالةٌ على أنَّ النَّهي إنَّما يتوجَّه إلى ما أنبته الله من الشَّجر ممَّا لا صنع للآدمي فيه، كما حمل عليه النَّهي عن قطع شجر مكة.

وعلى هذا يحملُ قطعه صلى الله عليه وسلم النَّخل وجعله قبلة المسجد، كما سيأتي [خ¦1868] ، والله أعلم.

(وَلاَ يُحْدَثُ) على البناء للمفعول (فِيهَا حَدَثٌ)

ج 9 ص 101

أي لا يُعمل فيها عمل مخالف للكتاب والسنَّة، والحدث هو الأمرُ المنكر الَّذي ليس بمعتادٍ، ولا معروفٍ في الكتاب والسنة (مَنْ أَحْدَثَ) فيها (حَدَثًا) وزاد شعبةُ وحماد بن سلمة عن عاصم عند أبي عَوانة (( أو آوى محدثًا ) ).

قال الحافظ العسقلانيُّ وهي زيادةٌ صحيحةٌ إلَّا أنَّ عاصمًا لم يسمعها من أنسٍ رضي الله عنه، كما سيأتي بيان ذلك في كتاب (( الاعتصام ) )إن شاء الله تعالى [خ¦7306] .

والمحدث يروى بكسر الدال وفتحها على الفاعل والمفعول، فمعنى الكسر من نصر جانيًا وآواه وأجاره من خصمه، وحال بينه وبين أن يقتصَّ منه، والفتح هو الأمر المبتدع نفسه.

(فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) هذا وعيدٌ شديدٌ لمن ارتكب هذا.

قال القاضي عياض واستدلُّوا بهذا على أنَّ الحدث في المدينة من الكبائر، لكن المراد باللَّعن هنا العذاب الذي يستحقُّه على ذنبه والطَّرد عن الجنة في أوَّل الأمر، وليس هو كلعن الكفَّار الذي يبعدون عن رحمة الله كلَّ الإبعاد أولًا وآخرًا. واللَّعن في اللُّغة هو الطَّرد والإبعاد.

وفي الحديث جواز لعن أهل المعاصي والفساد لكن لا دَلالة فيه على جواز لعن الفاسقِ المعيَّن، وفيه أن المحدِث والمؤوي للمحدِث في الإثم سواء.

والحديث أخرجه المؤلِّف في الاعتصام أيضًا [خ¦7306] ، وأخرجه مسلمٌ في المناسك.

[1] تعليق وقعت في البخاري من غير طريق يزيد بن هارون [خ¦1349] [خ¦1833] من حديث ابن عباس.

[2] هو قبل كتاب المغازي باب مقدم النبي صلى الله عليه وسلم [خ¦3932] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت