1870 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحدة وتشديد المعجمة، الملقب ببُنْدَار، وقد تقدَّم ذكره [خ¦69] [خ¦1560] [خ¦1795] ، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) هو ابنُ مهدي العنبريُّ، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو الثوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن يزيد بن شريك بن طارق (التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) يزيد (عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وفي الإسناد بصريَّان، وهما شيخ البخاري وشيخ شيخه، والبقيَّة كوفيون، وفيه ثلاثةٌ من التابعين في نسقٍ واحدٍ وهم الأعمش وإبراهيم وأبوه يزيد.
وهذه رواية أكثر أصحاب الأعمش عنه، وخالفهم شعبة فرواه عن الأعمش عن إبراهيم التيميِّ، عن الحارث بن سويد، عن علي رضي الله عنه أخرجه النسائيُّ ولفظه قال أخبرنا بشر بن خالد العسكري، قال أخبرنا غندر، عن شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم التيميِّ، عن الحارث بن سويد قال قيل لعليٍّ رضي الله عنه إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خصَّكم بشيءٍ دون النَّاس عامَّةً؟ قال ما خصَّنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء دون الناس. الحديثَ.
قال الدارقطنيُّ في «العلل» والصَّواب رواية الثوري ومن تبعه.
(قَالَ) أي أنَّه قال (مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ) أي شيءٌ مكتوب من أحكام الشَّريعة، وإلَّا فكان عندهم أشياء من السنَّة سوى الكتاب؛ لأنَّ السنن لم تكن مكتوبةً في الكتب في ذلك الوقت ولا مدوَّنة في الدَّواوين، أو المنفي شيءٌ اختصوا به عن النَّاس (إِلاَّ كِتَابُ اللَّهِ وَهَذِهِ الصَّحِيفَةُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال الكرمانيُّ فإن قلت تقدم في باب كتابة العلم أنَّه كان في الصحيفة العقل وفكاك الأسير [خ¦111] ، وهاهنا قال المدينة حرمٌ ... إلى آخره. قلت لا منافاة بينهما لجواز كون الكلِّ فيها، وسبب قول عليٍّ رضي الله عنه هذا يظهر بما مرَّ آنفًا مما أخرجه النسائيُّ، وبما أخرجه أحمد أيضًا من طريق قتادة عن أبي حسان الأعرج أنَّ عليًا رضي الله عنه كان يأمر بالأمر فيقال له فعلناه فيقول صدق الله ورسوله، فقال له الأشتر هذا الذي تقول شيء عهده إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال ما عهد إليَّ شيئًا خاصة دون النَّاس إلا شيئًا سمعتُه منه فهو في صحيفةٍ في قرابِ سيفي، فلم يزالوا به حتَّى أخرج الصَّحيفة، فإذا فيها. فذكر الحديث.
وزاد فيه المؤمنون تتكافأ دماءهم،
ج 9 ص 105
ويسعى بذمَّتهم أدناهم، وهم يدٌ على من سواهم، ألا لا يُقتل مؤمن بكافرٍ، ولا ذو عهدٍ في عهده، وقال فيه إنَّ إبراهيم عليه السلام حرَّم مكة، وإنِّي أحرم ما بين حرَّتيها وحماها كله لا يختلى خلاها، ولا ينفَّر صيدها، ولا يلتقطُ لقطتها، ولا يقطع منها شجرة إلَّا أن يعلفَ رجلٌ بعيره، ولا يحمل فيها السِّلاح لقتال، والباقي نحوه.
وأخرجه الدارقطنيُّ من وجهٍ آخر عن قتادة عن أبي حسَّان عن الأشتر عن علي رضي الله عنه.
وفي رواية أحمد وأبي داود والنسائي من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن قيس بن عباد قال انطلقت أنا والأشتر إلى علي رضي الله عنه فقلنا هل عهدَ إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا لم يعهده إلى النَّاس عامة؟ قال لا إلَّا ما في كتابي هذا، قال وكتاب في قراب سيفه، فإذا فيه المؤمنون تتكافأ دماؤهم، فذكر مثل ما تقدَّم إلى قوله في عهده، من أحدث حدثًا ... إلى قوله أجمعين. ولم يذكر بقية الحديث.
وفي رواية مسلم من طريق أبي الطُّفيل كنت عند عليٍّ وأتاه رجل، فقال ما كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يسر إليك؟ فغضب، ثم قال ما كان يسر إليَّ شيئًا يكتمه عن النَّاس غير أنه حدَّثني بكلماتٍ أربع.
وفي رواية له ما خصَّنا بشيءٍ لم يعمَّ به الناس كافة إلَّا ما كان في قراب سيفي هذا، فأخرج صحيفةً مكتوب فيها لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من سرق منار الأرض، ولعن الله من لعن والده، ولعن الله من آوى محدِثًا.
وقد تقدم في كتاب (( العلم ) ) [خ¦111] من طريق أبي جُحيفة قلت لعليٍّ رضي الله عنه هل عندكم كتاب؟ قال لا إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجلٌ مسلم، أو ما في هذه الصَّحيفة، قال قلت وما في هذه الصحيفة؟ قال العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلمٌ بكافرٍ.
والجمع بين هذه الأخبار أنَّ الصحيفة المذكورة كانت مشتملةً على مجموع ما ذكر، فنقل كلُّ راوٍ بعضها، وأتمُّها سياقًا طريق أبي حسان، كما ترى والله أعلم.
(الْمَدِينَةُ حَرَمٌ) أي محرَّمة، كذا أورده مختصرًا وسيأتي في الجزية بزيادة في أوله قال فيها (( الجراحات وأسنان الإبل ) ) [خ¦3172] (مَا بَيْنَ عَائِرٍ) بالعين المهملة والألف والهمزة والراء، وهو جبلٌ بالمدينة، ويروى
ج 9 ص 106
بدون الألف (إِلَى كَذَا) قال القاضي عياض أكثر رواة البخاري ذكروا عيرًا، وأمَّا ثور فمنهم من كنى عنه بلفظ كذا، ومنهم من ترك مكانه بياضًا.
وفي رواية مسلم (( إلى ثور ) )وقد مرَّ الكلام [خ¦1867] فيه مستقصىً.
(مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا) أمرًا مبتدعًا مخالفًا للكتاب والسنَّة، والرواية السابقة مقيَّدة بذلك؛ لأنَّ هذا مختصٌّ بالمدينة لفضلها وشرفها (أَوْ آوَى) بمدِّ الهمزة والقصر في اللازم والمتعدي لكن القصر في اللازم، والمد في المتعدي أشهر؛ أي من ضمَّ ونصر (مُحْدِثًا) أو أجاره من خصمه وحال بينهما، والمحدِث بكسر الدال، هو الَّذي جاء ببدعةٍ في الدين أو بدَّل سنة.
وقال التيميُّ هو من ظلم وجنى جناية، ويجوز فتح الدال، ومعناه هو الأمر المبتدع نفسه، فمن رضي بالبدعة وأقرَّ فاعلها عليه ولم ينكرها فقد أواه.
(فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلاَ عَدْلٌ) بفتح أولهما، واختلف في تفسيرهما فقال الجمهور الصَّرف الفريضة، والعدل النَّفل. ورواه ابن خزيمة بإسنادٍ صحيحٍ عن الثوريِّ، وعن الحسن البصري بالعكس.
وعن الأصمعيِّ الصَّرف التَّوبة، والعدل الفدية، وعن يونس الصَّرف الاكتساب، والعدل الفدية، وعن أبي عبيدة الصَّرف الاكتساب، والعدل الحيلة، ومنه قوله تعالى {فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا} [الفرقان 19] ، معناه ما يستطيعون أن يصرفوا عن أنفسهم العذاب.
قيل الصَّرف الدية، والعدل الزِّيادة عليها وقيل الصَّرف الشَّفاعة، والعدل الفدية، وبه جزم البيضاويُّ.
وفي «المحكم» الصرف الوزن، والعدل الكيل، وقيل الصَّرف القيمة، والعدل الاستقامة، وقيل الصَّرف الرِّشوة، والعدل الكفل، قاله أبان بن ثعلب.
قال القاضي عياض معناه لا يقبل قبول رضًا، وإن قبل قبول جزاءٍ، وقيل القبول هنا بمعنى تكفير الذَّنب بهما، وقد يكون معنى الفدية أنَّه لا يجد يوم القيامة فداءً يفتدي به؛ بخلاف غيره من المذنبين الذين يتفضَّل الله عزَّ وجلَّ على من يشاء منهم بأن يفديه من النَّار يهوديٌّ أو نصراني، كما ثبت في «صحيح مسلم» من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
(وَقَالَ ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ) أي أمانهم وعهدهم صحيحٌ.
قال البيضاويُّ الذمَّة العهد سمِّي بها؛ لأنَّه يذم متعاطيها على
ج 9 ص 107
إضاعتها، وفي رواية مسلم (( يسعى بها أدناهم ) )أي يتولاها ويذهب ويجيء، والمعنى أنَّ ذمَّة المسلمين سواء صدرت من واحد أو أكثر، شريف أو وضيع صحيحة، فإذا آمن أحدٌ من المسلمين كافرًا أو أعطاه ذمَّته لم يكن لأحدٍ نقضه؛ أي فيستوي في ذلك الرَّجل والمرأة والحر والعبد؛ لأنَّ المسلمين كنفسٍ واحدةٍ لكن لها شروط معروفة في الفقه، وسيأتي اختلاف المذاهب فيه قريبًا إن شاء الله تعالى.
(فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا) بالخاء المعجمة والفاء؛ أي نقض عهده يقال خفرته بغير همزة؛ أي أمنته وأخفرته؛ أي نقضت عهده فهمزة أفعل هنا للإزالة (فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلاَ عَدْلٌ. وَمَنْ تَوَلَّى قَوْمًا) أي اتَّخذهم أولياء (بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ) وفي رواية مسلم (( ومن ادَّعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه ) )، وقوله بغير إذن مواليه، ليس لتقييد الحكم بعدم الأذن وقصره عليه، وإنَّما هو إيراد الكلام على ما هو الغالب.
وقال الخطابيُّ لم يجعل إذن الموالي شرطًا في ادِّعاء نسبٍ أو ولاءٍ ليس هو منه وإليه، وإنَّما ذكر الإذن هنا تأكيدًا للتَّحريم لأنه إذا أستأذنهم في ذلك منعوه وحالوا بينه وبين ما يفعل من ذلك.
ويحتمل أن يكون كنى بذلك عن بيعه، فإذا وقع بيعه جاز له الانتماء إلى مولاه الثاني وهو غير مولاه الأوَّل، أو المراد موالاة الحلف، فإذا أراد الانتقال عنه لا ينتقل إلَّا بإذن.
وقال البيضاويُّ الظَّاهر أنَّه أراد ولاء العتق؛ لعطفه في رواية مسلم على قوله (( من ادَّعى إلى غير أبيه ) )والجمع بينهما بالوعيد، فإنَّ العتق من حيث هو لُحمة كلحمة النَّسب إذا نسب إلى غير من هو له كان كالدَّعيِّ الذي تبرَّأ عمَّن هو منه، وألحق نسبه به، فيستحقُّ الدُّعاء عليه بالطَّرد والإبعاد عن الرَّحمة.
ثمَّ أجاب عن الإذن بنحو ما تقدم وقال ليس هو للتَّقييد، وإنَّما هو للتَّنبيه على ما هو المانع، وهو إبطال حقِّ مواليه، فأورد الكلام على ما هو الغالب.
وبالجملة فإن أُريد به ولاءَ الحلف، أو كُني به عن البيع، فالأمر ظاهرٌ، وإن أريد ولاء العتق فلا مفهوم له، وإنما هو للتَّنبيه على المانع، وهو إبطال حقِّ الموالي.
(فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ،
ج 9 ص 108
لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلاَ عَدْلٌ) قال النوويُّ وفي الحديث إبطال ما يزعمه الشِّيعة ويفترونه من قولهم إنَّ عليًا رضي الله عنه أُوصِي إليه بأمورٍ كثيرة من أسرار العلم وقواعد الدِّين، وأنَّه صلى الله عليه وسلم خصَّ أهل البيت بما لم يطَّلع عليه غيرهم، فهذه دعاوى باطلة واختراعات فاسدة.
وفيه أيضًا جواز كتابة العلم. وفيه أنَّ المحدِث والمؤوي في الإثم سواء. وفيه حجة لمن أجاز أمان المرأة والعبد، وهو مذهب مالك والشافعيِّ، وعند أبي حنيفة لا يجوز إلَّا إذا إذن المولى لعبده بالقتال. وفيه أنَّ نقضَ العهد حرامٌ. وفيه ذمُّ انتماء الإنسان إلى غير أبيه، أو انتماء العتيق إلى غير معتقهِ لما فيه من كفر النِّعمة، وتضييع الحقوق، والولاء والعقل، وغير ذلك مع ما فيه من قطيعة الرَّحم والعقوق.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هو البخاريُّ نفسه (عَدْلٌ فِدَاءٌ) أي معناه فداء، كما فسَّره به الأصمعي، وسقط قول في غير رواية المستملي، ورجال إسناد الحديث كوفيون إلا شيخ المؤلف، وشيخ شيخه فبصريَّان، وفيه ثلاثةٌ من التَّابعين على نسق واحد.
تنبيه رتَّب المؤلف رحمه الله أحاديث الباب ترتيبًا حسنًا، ففي حديث أنس رضي الله عنه [خ¦1867] التصريح بكون المدينة حرمًا، وفي حديثه الثاني تخصيص النَّهي عن قطع الشَّجر بما لاينبته الآدميُّون [خ¦1868] ، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه [خ¦1869] بيان ما أجمل من حدِّ حرمها في حديث أنس رضي الله عنه حيث قال كذا وكذا، فبيَّن في هذا أنَّ ما بين الحرَّتين حرم، وفي حديث عليٍّ رضي الله عنه [خ¦1870] زيادة تأكيد التحريم وبيان حدِّ الحرم أيضًا.