فهرس الكتاب

الصفحة 2930 من 11127

1872 - (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) البجليُّ الكوفيُّ، قال (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) أي ابن بلال أبو أيوب التيميُّ القرشيُّ (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بن عمارة الأنصاريُّ المدنيُّ (عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بتشديد الموحدة وبالمهملة في الأول، وفتح المهملة وسكون الهاء في الثاني، وسكون العين في الثالث، الساعديِّ (عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ) بضم المهملة، عبد الرحمن الساعديِّ.

(رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه قال (أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ) غزوة (تَبُوكَ) بتخفيف الموحدة، غير منصرف موضعٌ في طريق الشَّام بينه وبين المدينة أربع عشرة مرحلة، وذلك كان سنة تسعٍ من الهجرة (حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (هَذِهِ طَابَةُ) كشامة وفي رواية أبي ذرٍّ بالتنوين، وفي بعض طرقه (( طيبة ) )كهيبة.

وروى مسلم من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه مرفوعًا (( إنَّ الله سمَّى المدينة طابة ) )، وروى أبو داود الطيالسيُّ في «مسنده» عن شعبة عن سماك بلفظ كانوا يسمُّون المدينة يثرب فسماها النَّبي صلى الله عليه وسلم طابة. وأخرجه أبو عَوانة.

واعلم أنَّ للمدينة أسماءً كثيرة وكثرة الأسماء تدلُّ على شرف المسمَّى. فمن أسمائها طابة كشامة، وطَيبة كهَيبة، وطِيبة كصِيبة، وطَائب ككاتب.

فهذه أخوات لفظًا ومعنىً، مختلفاتٌ صيغة ومبنىً، وسمِّيت بها؛ لطيب رائحتها وأمورها كلها، ولطهارتها من الشِّرك، وحلول الطِّيب بها صلوات الله وسلامه عليه، ولطيبها لساكنها، ولطيب العيش بها، ولكونها تنفي خبثها وينصع طيبها.

وقال بعضُ أهل العلم وفي طيب ترابها وهوائها دليلٌ شاهدٌ على صحَّة هذه التَّسمية؛ لأنَّ من أقام بها يجد من تربتها وحيطانها رائحة طيِّبة لا يكاد يجدها في غيرها.

وأيُّ طيبٍ يجده المقيم بها أطيب من مشاهدة قبرهِ صلى الله عليه وسلم فهل طيبٌ أطيبُ من تربته، وكيف لا وما بين قبره ومنبره روضةٌ من رياض الجنة؟ فاعتبر بهذا طيب التُّربة الشَّريفة التي ضمَّت جسده الكريم.

ولله درُّ الإشبيلي حيث قال لِتربة المدينةِ نفحة ليس كما عهد من الطِّيب بل هو أعجب من الأعاجيب.

أسأل الله تعالى

ج 9 ص 114

بوجهه الكريم الوجيه ونبيِّه النَّبيه عليه صلوات الله وسلامه أن يجعلني من ساكنيها المقرَّبين حيًّا وميِّتًا إنَّه جابر المنكسرين وواصل المنقطعين.

ومن أسمائها بيت الرَّسول صلى الله عليه وسلم قال تعالى {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ} [الأنفال 5] من المدينة لاختصاصها به اختصاص البيت بساكنه.

والحرم لتحريمها، كما مرَّ [خ¦1867] ، والحبيبة لحبِّه صلى الله عليه وسلم لها ودعائه به، وحرم الرسول لأنَّه صلى الله عليه وسلم هو الذي حرَّمها [خ¦2129] .

وأخرج الطبرانيُّ بسندٍ رجاله ثقات (( حَرَمُ إبراهيم مكَّة وحرمي المدينة ) ).

وحسنة قال الله تعالى {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} [النحل 41] أي مباءةً حسنة.

وهي المدينة ودار الأبرار ودار الأخيار؛ لأنَّها دار المختار والمهاجرين والأنصار، وهي تنفي شرارها، ومن أقام بها منهم فليست له في الحقيقة بدار، وربَّما ينتقل منها بعد الإقبار.

ودار الإيمان ودار السنَّة ودار السَّلامة ودار الفتح ودار الهجرة، فمنها فتحت سائر الأمصار، وإليها هجرة المختار، ومنها انتشرت السنَّة في الأقطار.

والشَّافية لحديث (( ترابها شفاء من كلِّ داءٍ ) ).

وقبَّة الإسلام لحديث (( المدينة قبَّة الإسلام ) ).

والمؤمنة لتصديقها بالله حقيقةً لخلقه قابليَّة ذلك فيها، كما في تسبيح الحصى، أو مجازًا لاتِّصاف أهلها به وانتشاره منها. وفي خبر (( والَّذي نفسي بيده إنَّ تربتها لمؤمنة ) )، وفي آخر (( إنَّها لمكتوبة في التوراة مؤمنة ) ).

ومباركة لأنَّ الله تعالى بارك فيها بدعائه صلى الله عليه وسلم لها وحلوله فيها. والمختارة لأنَّ الله تعالى اختارها للمختار من خلقه. والمحفوظة لحفظها من الطَّاعون والدَّجَّال وغيرها. ومدخل صدق، والمرزوقة أي المرزوق أهلها. والمسكينة نقل عن التَّوراة كما مرَّ [خ¦1871] ، وروي عن طريق أبي سهيل بن مالك عن كعب الأحبار قال نجد في كتاب الله الَّذي أنزل على موسى عليه الصلاة والسلام إنَّ الله تعالى قال للمدينة يا طيبة، يا طابة، يا مسكينة لا تقبلي الكنوز أرفع أجاجيرك على أجاجير القرى. والمسكنة الخضوع والخشوع خلقه الله فيها، أو هي مسكن الخاشعين. والمقدَّسة لتنزُّهها عن الشِّرك وكونها تنفي الذُّنوب.

وأكالة القرى لغلبتها على الجميع فضلًا، وتسلُّطها عليها وافتتاحها بأيدي أهلها فغنموها وأكلوها، وروى

ج 9 ص 115

عمر بن شبة في «أخبار المدينة» من رواية زيد بن أسلم رضي الله عنه قال قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم (( للمدينة عشرة أسماء هي المدينة، وطابة، وطيبة، وجابرة، ومجبورة، ونيرة، ويثرب ) ).

ومن طريق محمد بن أبي يحيى قال لم أزل أسمع أنَّ للمدينة عشرة أسماء هي المدينة، وطيبة، وطابة، والمطيبة، والمسكينة، والمِدْرى، والجابرة، والمجبُورة، والمحبَّة، والمحبُوبة. ورواه الزُّبير في «أخبار المدينة» من طريق ابن أبي يحيى مثله وزاد والقاصمة. وروى الزبير أيضًا في «أخبار المدينة» من طريق عبد العزيز الدَّراوردي أنَّه قال بلغني أنَّ للمدينة في التوراة أربعين اسمًا. وذكر ابن مسدي الاستشفاء بتعليق أسمائها على المحموم، والله أعلم.

والحديث الذي ذكر هنا طرفٌ من حديث أبي حميد السَّاعديِّ الذي مضى في أواخر الزكاة، في باب خرص التمر [خ¦1481] ، وقد مضى الكلام فيه مستقصىً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت