1875 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير (عَنْ) أخيه (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوام (عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ) بضم الزاي وفتح الهاء مصغَّر الزهر، النَّمري _ بالنون _ الأزدي ويلقَّب بابن القَرِدْ، بفتح القاف وكسر الراء وبعدها دال مهملة. قاله الكرمانيُّ.
وقيل والقرد، هو اسم أبي زهير، وقيل اسمه نمير، وكان نازلًا في المدينة فيعدُّ من أهل المدينة، وهو الشنؤي من أزد شَنُوْءَة _ بفتح الشين المعجمة وبضم النون وبعد الواو همزة مفتوحة _، وفي النسب كذلك، وقيل بفتح النون بعدها همزة مكسورة بلا واو.
وشنوءة هو عبد الله بن كعب بن مالك بن النَّضر بن الأزد، وسمي شنوءة لشنآن كان بينه وبين قومه.
(رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) كذا في رواية الأكثرين، ورواه حمَّاد بن سلمة عن هشام عن أبيه كذلك وقال في آخره قال عروة ثمَّ لقيت سفيان بن أبي زهير عند موته فأخبرني بهذا الحديث.
وذكر عليُّ بن المديني أنَّه اختلف فيه على هشام اختلافًا آخر؛ فقال وهيب وجماعة
ج 9 ص 121
كما قال مالك. وقال ابن عيينة عن هشام بسنده عن سفيان بن الغوث. وقال أبو معاوية عن هشام بسنده عن سفيان بن عبد الله الثقفيِّ.
وقد رواه الحميديُّ عن سفيان على الصَّواب، ورواه أبو خيثمة عن جرير فقال سفيان بن أبي فلانة كأنه عرف خطأ جرير فكنى عنه.
(أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ تُفْتَحُ الْيَمَنُ) بضم المثناة الفوقية على البناء للمفعول، و (( اليمن ) )رفع على أنه نائب عن الفاعل، واليمن إقليمٌ معروف سمِّي بذلك؛ لأنَّه عن يمين الكعبة، كما سمي الشام شامًا؛ لأنَّه عن شمال الكعبة؛ ذكره البكري.
وقيل إنَّما سمِّي بذلك قبل أن يعرف الكعبة؛ لأنَّه عن يمين الشَّمس. وقيل سمِّيت اليمن؛ لأنَّ يمن اسم يعرب بن قحطان، وهو أوَّل من نزل بها فلذلك يقال أرض يمن.
(فَيَأْتِي قَوْمٌ) من الَّذين حضروا فتحها وأعجبهم حسنها ورخاؤها (يَبسون) بفتح حرف المضارعة وبكسر الموحدة أو بضمها أيضًا وتشديد المهملة ثلاثيًا من باب ضرب يضرب أو نصر ينصر.
قال ابن عبد البرِّ رواه يحيى بن يحيى بكسر الموحدة، وابن القاسم بضمها، والبسُّ سوق الإبل تقول بس بس عند السوق وإرادة السُّرعة، قال أبو عبيد معناه يسوقون دوابَّهم إلى المدينة.
(فَيَتَحَمَّلُونَ) منها إلى المدينة (بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ) من النَّاس راحلين إليها، وقال الداوديُّ معناه يزجرون دوابهم فيبسُّون ما يطؤونه من الأرض من شدة السَّير فيصير غبارًا من قوله تعالى {وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا} [الواقعة 5] أي سالت سيلًا.
وقيل معناه سارت سيرًا. وقال ابن القاسم البسُّ المبالغة في الفتِّ. ومنه قيل للدَّقيق المصنوع بالدهن بسيس.
وأنكر ذلك النَّووي وقال إنَّه ضعيفٌ أو باطل.
وقال ابنُ عبد البر قيل معنى يبسون يسألون عن البلاد ويستقرؤون أخبارها ليسيروا إليها، قال وهذا لا يكاد يعرفه أهل اللغة، وقيل معناه يزيِّنون لأهلهم البلاد الَّتي تفتح ويدعونهم إلى سكناها فيتحملون بسبب ذلك من المدينة راحلين إليها.
ويشهد لهذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم يأتي على النَّاس زمانٌ يدعو الرَّجل ابن عمِّه وقريبه هلمَّ إلى الرخاء.
وعلى هذا فالذين يتحمَّلون غير الذين يبسُّون
ج 9 ص 122
فكان الَّذي حضر الفتح أعجبه حسن اليمن ورخاؤها، فدعا قريبه إلى المجيء إليها لذلك فيتحمل المدعو بأهله وأتباعه.
وقال ابنُ عبد البر وروي (( يُبِسون ) )بضم أوله وكسر ثانيه من الثلاثي المزيد فيه من البسِّ إِبْساسًا، ومعناه يزيِّنون لأهلهم البلد الَّذي يقصدونها، وأصل الإبساس للتي تحلب حتى تدرَّ باللبن وهو أن يجريَ يده على وجهها وصفحة عنقها؛ كأنَّه يزين لها ذلك ويحسِّنه لها وإلى هذا ذهب ابن وهب.
وكذا رواه ابن حبيب عن مطرف عن مالك (( يُبِسون ) )من الرباعيِّ وفسَّره بنحو ما ذكر، وأنكر الأول غاية الإنكار.
وقال النوويُّ الصَّواب أنَّ معناه الإخبار عمَّن خرج من المدينة متحمِّلًا بأهله بأسًا في سيره مُسرعًا إلى الرخاء والأمصار المفتتحة.
ويؤيِّد هذا ما رواهُ ابن خُزيمة من طريق أبي معاوية عن هشام بن عروة في هذا الحديث (( تفتح الشام فيخرج الناس من المدينة إليها يبسُّون، والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون ) ).
ويوضِّح ذلك حديث جابر رضي الله عنه رواه أحمد في «مسنده» قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ليأتينَّ على المدينةٍ زمانٌ ينطلق الناس منها إلى الأرياف يلتمسون الرَّخاء فيجدون رخاء، ثمَّ يأتون إلى أهلهم فيتحمَّلون بأهليهم إلى الرَّخاء، والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون ) )، وفي إسناده ابن لهيعة وفيه مقال، ولكن أحمد قَبِلَهُ ورضي به في المتابعات.
والأرياف جمع رِيف _ بكسر الراء _، وهو ما قارب المياه من أرض العرب، وقيل هو الأرض الَّتي فيها الزَّرع والخصب.
(وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ) منها لأنَّها حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجواره ومهبط الوحي ومنزل البركات، والواو للحال (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) بما فيها من الفضائل كالصلاة في مسجدها وثواب الإقامة فيها وغير ذلك من الفوائد الدِّينية والأخروية الَّتي يستحقر دونها ما يجدونه من الحظوظ الفانية العاجلة بسبب الإقامة في غيرها لما فارقوا المدينة فجواب لو محذوف، ويجوز أن تكون لو بمعنى ليت، فلا جواب لها.
قال الطيبيُّ والَّذي يقتضي المقام أن ينزل (( يعلمون ) )منزلة اللازم؛ لينتفي عنهم العلم والمعرفة بالكلية؛ أي لو كانوا من أهل العلم؛
ج 9 ص 123
لعرفوا ذلك، ولمَّا فارقوا المدينة، ولو ذهب مع ذلك إلى التمنِّي؛ لكان أبلغ؛ لأنَّ التَّمني طلب ما لا يرجى حصوله؛ أي ليتهم كانوا من أهل العلم تغليظًا وتشديدًا. انتهى.
وعلى التَّقادير كلِّها؛ ففيه تجهيلٌ لمن فارقها؛ لتفويته على نفسه خيرًا عظيمًا.
وقال المظهريُّ إنَّه صلى الله عليه وسلم أخبر في أوَّل الهجرة إلى المدينة بأنه ستفتح اليمن، فيأتي قومٌ من اليمن إلى المدينة حتَّى يكثر أهل المدينة، والمدينة خيرٌ لهم من غيرها.
فتعقَّبه الطيبيُّ بأنَّ تنكير (( قوم ) )ووصفه بـ (( يبسُّون ) )، ثم توكيده بقوله لو كانوا يعلمون لا يساعد ما قاله؛ لأن تنكير قوم؛ لتحقيرهم وتوهين أمرهم، ثم وصفهم بقوله (يبسون) وهو سوق الدَّواب إشعار بركاكة عقولهم، وأنهم ممَّن ركنوا إلى الحظوظ البهيمية، وحطام الدُّنيا الفانية العاجلة، وأعرضوا عن الإقامة في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومهبط الوحي، ولذلك كرَّر قومًا، ووصفه في كلِّ قرينةٍ بقوله (( يبسون ) )استحضارًا لتلك الهيئة البهيمية القبيحة، والله أعلم.
ثمَّ المراد بهم الخارجون من المدينة رغبةً عنها كارهين لها، وأمَّا من خرج لحاجة، أو جهاد، أو نحو ذلك، فليس بداخلٍ في معنى الحديث.
قال البيضاويُّ المعنى أنَّها تفتح فيعجب بعض النَّاس بلادها، وعيش أهلها، فيحملهم ذلك على المهاجرة إليها بأنفسهم وأهلهم حتَّى يخرجوا من المدينة، والحال أنَّ الإقامة في المدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون.
(وَتُفْتَحُ الشَّامُ) على البناء للمفعول أيضًا (فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبسُّونَ) قد مرَّ الاختلاف في ضبطه (فَيَتَحَمَّلُونَ) من المدينة (بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ) من النَّاس راحلين إلى الشَّام (وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ) منها لما ذكر آنفًا (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. وَتُفْتَحُ الْعِرَاقُ) على البناء للمفعول أيضًا (فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ) من المدينة راحلين إلى العراق (وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ) منها (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) وهذا من أعلام نبوَّته صلى الله عليه وسلم حيث أخبر أنَّه تفتح هذه الأقاليم، وأنَّ النَّاس يتحملون بأهاليهم، ويتفرَّقون في البلاد،
ج 9 ص 124
ويفارقون المدينة؛ فقد وقع على وفق ما أخبر به صلى الله عليه وسلم وعلى ترتيبه.
قال ابن عبد البرِّ وغيره افتتحت اليمن في أيام النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وفي أيام أبي بكر رضي الله عنه، وافتتحت الشَّام بعدها والعراق بعدها. انتهى.
وقد تفرق النَّاس في البلاد؛ لما فيها من السِّعة والرَّخاء، ولو صبروا على الإقامة بالمدينة؛ لكان خيرًا لهم. ومن هذا يطابق الحديث الترجمة.
لكن وقع في حديث عند مسلم وغيره (( تفتح الشام، ثم اليمن، ثم العراق ) )والظاهر أنَّ اليمن قبل الشام؛ للاتِّفاق على أنَّه لم يفتح شيء من الشَّام في حياته صلى الله عليه وسلم، فتكون رواية تقديم الشام على اليمن معناها استيفاء فتح اليمن إنَّما كان بعد الشَّام، والله أعلم.
وفي هذا الحديث فضل المدينة على البلاد المذكورة، وهو أمرٌ مجمع عليه. وفيه أنَّ بعض البقاع أفضل من بعض. ولم يختلف العلماء في أنَّ للمدينة فضلًا على غيرها، وإنما اختلفوا في الأفضليَّة بينها وبين مكة كما تقدم [خ¦1871] . ورجال إسناد الحديث كلهم مدنيُّون ما عدا شيخ البخاري. وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعي؛ لأنَّ هشامًا لقي بعض الصَّحابة. وفيه رواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ.
والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ أيضًا في الحج، وكذا النسائيُّ.
تتمة روى أحمد في أوَّل حديث سفيان هذا قصَّة، أخرجه من طريق بسر بن سعيد أنَّه سمع في مجلس الليثين يذكرون أنَّ سفيان بن أبي زهير أخبرهم أنَّ فرسه أعيي بالعقيق، وهو في بعث بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع إليه يستحمله، فخرج معه يبتغي له بعيرًا فلم يجده إلَّا عند أبي جهم بن حذيفة العدوي، فسامه له، فقال له أبو جهم لا أبيعكه يا رسول الله، ولكن خذه فاحملْ عليه من شئت، ثم خرج حتَّى إذا بلغ بئر إهاب، قال (( يوشك البنيان أن يأتي هذا المكان، وتوشك الشَّام أن تفتحَ، فيأتيه رجالٌ من أهل هذا البلد فيعجبُهم ريفه ورخاؤه، والمدينة خير لهم ) )الحديثَ.