1874 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة الحمصي (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهاب (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ) وفي رواية أبي الوقت (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ تَتْرُكُونَ الْمَدِينَةَ) بتاء الخطاب في رواية الأكثرين، والمراد بذلك غير المخاطبين لكنَّهم من أهل البلد، أو من نسل المخاطبين، أو من نوع المخاطبين من أهل المدينة، وروي بياء الغيبة، ورجَّحه القرطبيُّ.
قال في «المصابيح» وفي كلام القرطبيِّ إشعارٌ ما بأن رواية البخاري ليست بتاء الخطاب. انتهى. وقد ثبت بتاء الخطاب فلا عبرة بما يُشْعره كلام القرطبيُّ.
وروى مسلم من طريق يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمدينة (( ليتركنها أهلها على خيرِ ما كانت مذللَّة للعواف ) )يعني السِّباع والطَّير.
ومن رواية عقيل بن خالد، عن ابن شهاب أنَّه قال أخبرني سعيد بن المسيَّب أنَّ أبا هريرة رضي الله عنه قال سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( تتركون المدينة ) )إلى آخره نحو رواية البخاري غير أنَّ في روايته (( ثمَّ يخرج راعيان من مزينة ينعقان بغنمهما ) ).
(عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ) أي على أحسن حالٍ كانت عليه من قبل؛ يعني أعمرها، وأكثرها ثمارًا، وأحسنها هواءً
ج 9 ص 117
(لاَ يَغْشَاهَا) بالغين المعجمة؛ أي لا يقربها ولا يأتيها (إِلاَّ الْعَوَافِ) بفتح العين المهملة والواو وآخره فاء من غير ياء، جمع عافية، وهي التي تطلب أقواتها، ويقال للذكر عاف، والمراد طلاب الرِّزق من الدُّواب والطَّير، كما سيأتي.
وقال ابن سيده العَافِية والعُفاة والعَفاء الأضياف وطلاب المعروف، وقيل هم الَّذين يعفونك؛ أي يأتونك يَطلبون ما عندك، والعافي أيضًا الرائد والوارد، وفي رواية أبي ذرٍّ بحذف أل وبالمثناة التحتية بعد الفاء.
وقوله (يُرِيدُ عَوَافِي السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ) بنصب ياء (( عوافي ) )تفسيرٌ لقوله العواف. قال ابنُ الجوزيِّ اجتمع في العوافي شيئان
أحدهما أنَّها طالبة لأقواتها من قولك عفوت فلانًا أعفوه، فأنا عافٍ، والجمع عُفاة؛ أي أتيت أطلب معروفه.
والثَّاني من العفاء، وهو الموضع الخالي الَّذي لا أنيس به، فإن الطَّير والوحش تقصدُه لأمنها على نفسها فيه.
قال القاضي عياض وتبعه القرطبيُّ وقد وجد ذلك حيث صارت _ أي المدينة _ معدن الخلافة ومقصد الناس، وملجأهم، وحملت إليها خيرات الأرض، وصارت من أعمر البلاد، فلما انتقلت الخلافة منها إلى الشام، ثم إلى العراق، وتغلَّبت عليها الأعراب وتعاورتها الفتن، وخلت من أهلها، فقصدتها عوافي الطَّير والسباع.
وذكر الإخباريون في بعض الفتن التي جرت بالمدينة أنَّه رحل عنها أكثر الناس وبقيت أكثر ثمارها للعوافي كما قال صلى الله عليه وسلم، وخلت مدَّة ثمَّ تراجع النَّاس إليها، وفي حال خلوها عدَتْ الكلابُ على سواري المسجد.
وعن مالك حتى يدخلَ الكلب أو الذِّئب ويعوِّي على بعض سواري المسجد.
قال القاضي عياض هذا ممَّا جرى في العصر الأول وانقضى، وهذا من معجزاته صلى الله عليه وسلم.
وقال النوويُّ المختار أنَّ هذا التَّرك يكون في آخر الزَّمان عند قيام السَّاعة، ويوضحه قصَّة الراعِيَيْنِ فقد وقع عند مسلم بلفظ (( ثم يحشر راعيان ) )، وفي البخاريِّ أنَّهما آخر من يحشر [خ¦1874] .
ويؤيد هذا ما رواه مالك عن ابن حِمَاس _ بمهملتين وتخفيف _ عن عمه، عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه (( ليتركنَّ المدينة على أحسن ما كانت حتى يدخلَ الذئب فيعوِّي على بعض سَواري المسجد، أو على المنبر ) )قالوا فلمن تكون ثمارها؟ قال (( للعوافي؛
ج 9 ص 118
الطَّير والسِّباع )) ، أخرجه معن بن عيسى في «الموطأ» عن مالك، ورواه جماعة من الثِّقات خارج «الموطأ» .
ويشهدُ لذلك أيضًا ما روى أحمد والحاكم وغيرهما من حديث محجن بن الأدرع الأسلمي قال بعثني النَّبي صلى الله عليه وسلم لحاجةٍ، ثمَّ لقيني وأنا خارجٌ من بعضِ طرق المدينة، فأخذ بيدي حتَّى أتينا أحدًا، ثمَّ أقبل على المدينة فقال ويل أمِّها قرية يوم يدعها أهلها كأينعِ ما يكون؟ قلت يا رسول الله! من يأكلُ ثمارها؟ قال (( عافية الطَّير والسِّباع ) ).
وروى عمر بن شبَّة بإسنادٍ صحيحٍ عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال دخلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ثمَّ نظر إلينا، فقال (( أما والله لتدعنَّها مذلَّلة أربعين عامًا للعَوافي، أتدرون ما العَوافي؟ الطَّير والسِّباع ) )انتهى.
قال أبو عبد الله الأبِّي وهذا لم يقع قطعًا ولو وقع لتواتر، ودليل المعجزة يوجب القطع بوقوعه في المستقبل إن صحَّ الحديث، والظَّاهر أنَّه بين يدي نفخة الصَّعق، كما يدل عليه موت الراعيين، انتهى. وقال المهلَّب في هذا الحديث إن المدينة تسكن إلى يوم القيامة، وإن خلت في بعض الأوقات لقصد الراعيين بغنمهما إلى المدينة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم
(وَآخِرُ مَنْ يُحْشَرُ) على البناء للمفعول؛ أي آخر من يموت فيحشر؛ لأنَّ الحشر بعد الموت فيحتمل أن يتأخر حشرهما لتأخُّر موتهما، ويحتمل أن يكون المعنى آخر من يحشر إلى المدينة؛ أي يساق ويجلى من الوطن (رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ) بضم الميم وفتح الزاي، قبيلةٌ من مضر (يُرِيدَانِ الْمَدِينَةَ) حال كونهما (يَنْعِقَانِ) بكسر العين المهملة، من النَّعق، وهو رغاء الرَّاعي لسوق الغنم، قاله الأزهريُّ عن الفراء وغيره، وقالوا أنعق بضأنك؛ أي ارعها وقد نعقَ الراعي بها نعيقًا، وفي «الموعب» نَعِيقًا ونُعَاقًا ونَعْقًا ونَعَقَانًا، إذا صاح بها الرَّاعي زجرًا، وقد نَعِق يَنْعَق من باب علم يعلم.
وأغرب الداوديُّ وقال معناه يطلب الكلأ، فكأنَّه فسَّره بالمقصود من الزجر؛ لأنَّه يزجرها عن المرعى الوبيل إلى المرعى الوسيم.
(بِغَنَمِهِمَا) يسوقاها (فَيَجِدَانِهَا) أي يَجِدَانِ المدينة (وُحُوشًَا) أي ذات وحوشٍ، أو المعنى يجدان أهلها وحوشًا لخلوِّها عن سكانها، والوحوش جمع وحش، وأصل الوحش كلُّ شيءٍ توحَّش من الحيوان، وقد يعبَّر بواحد عن جمعه.
ج 9 ص 119
وفي رواية مسلم (( فيجدانها وحشًا ) )بالإفراد، فهو إمَّا بمعنى وحوش، وإمَّا بمعنى خالية ليس بها أحد.
قال الحربيُّ الوحش من الأرض الخلاء، أو كثيرة الوحش لما خليت من سكانها، ويروى (( وحوشًا ) )بفتح الواو، وهو بمعنى خالية من سكانها أيضًا، فعلى التَّقادير كلها فالضَّمير للمدينة.
وحكى ابن المرابط أنَّ معناه أنَّ غنم الرَّاعيين المذكورين تصير وحوشًا إمَّا بأن تنقلب ذاتها، وإمَّا بأن تتوحَّش وتنفر من أصواتهما، وعلى هذا فالضَّمير في (( يجدانها ) )للغنم. وأنكره القاضي عياض.
وقال النوويُّ الصَّواب هو الأوَّل. وقال القرطبيُّ القدرة صالحة لذلك، ويؤيِّده أنَّ في بقية الحديث كما سيأتي أنهما يخرَّان على وجوههما إذا وصلا إلى ثنية الوداع، وذلك قبل دخولهما المدينة بلا شك، فيدلُّ ذلك على أنهما وجدا التوحُّش المذكور قبل دخول المدينة، فيقوى أنَّ الضَّمير يعود على غنمهما، وكان ذلك من علامات قيام الساعة.
ويؤيِّد الاحتمال الأول رواية عمر بن شبة في «أخبار المدينة» من طريق عطاء بن السائب عن رجلٍ من أشجع عن أبي هريرة رضي الله عنه موقوفًا قال آخر من يحشر رجلان رجلٌ من مزينة، وآخر من جهينة فيقولان أين النَّاس؟ فيأتيان المدينة فلا يريان إلَّا الثَّعالب، فينزل إليهما ملكان فيسحبانهما على وجوههما حتى يلحقانهما بالناس.
وفي رواية للعقيليِّ أنَّهما ينزلان بجبل ورقان.
وله من حديث حذيفة بن أسيد أنَّهما يفقدان النَّاس فيقولان ننطلق إلى بني فلان، فيأتونهم فلا يجدان أحدًا فيقولان ننطلق إلى المدينة، فينطلقان فلا يجدان أحدًا بها، فينطلقان إلى البقيع، فلا يريان إلَّا السِّباع والثعالب، والله أعلم.
(حَتَّى إِذَا بَلَغَا) أي الرَّاعيان (ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ) هي عقبةٌ عند حرم المدينة سمِّيت بذلك؛ لأنَّ الخارج من المدينة يشيَّع إليها ويودَّع عندها وهي من جهة الشَّام (خَرَّا) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الراء؛ أي سقطا (عَلَى وُجُوهِهِمَا) ميتين أو سقطا بمن أسقطهما وهو الملك، ثم إن قوله (( وآخر من يحشر ... ) )إلى آخره يحتمل أن يكون حديثًا آخر غير الأول لا تعلُّق له به، ويحتمل أن يكون من بقيته، وعليهما يترتب
ج 9 ص 120
الاختلاف السَّابق بين عياض والنووي، والحديث أخرجه مسلمٌ أيضًا.
تتمة قد أنكر ابن عمر رضي الله عنهما على أبي هريرة رضي الله عنه تعبيره في هذا الحديث بقوله (( خير ما كانت ) )وقال إنَّ الصَّواب أعمر ما كانت. أخرج ذلك عمر بن شبَّة في «أخبار المدينة» من طريق مساحق بن عمر أنَّه كان جالسًا عند ابن عمر رضي الله عنه فقال له لم تردَّ عليَّ حديثي، فوالله لقد كنت أنا وأنت في بيت حين قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم (( يخرج منها أهلها خير ما كانت ) ). فقال ابن عمر رضي الله عنهما أجل، ولكن لم يقل خير ما كانت، إنَّما قال أعمر ما كانت، ولو قال خير ما كانت، لكان ذلك وهو حيٌّ وأصحابه، فقال أبو هريرة رضي الله عنه صدقت والذي نفسي بيده. ولعمر بن شبَّة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قيل يا أبا هريرة! من يخرجهم؟ قال أمراء السُّوء.
وروى ابن حبَّان من طريق عروة عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه (( آخر قريةٍ في الإسلام خرابًا المدينة ) )والله أعلم.