1884 - (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابنُ الحجاج (عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ) بفتح العين وكسر الدال المهملتين الأنصاريِّ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ)
ج 9 ص 135
من الزِّيادة، الخطميِّ الأنصاريِّ الصحابيِّ رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ) الأنصاري (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ) وفي رواية أبي ذر (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى) غزوة (أُحُدٍ) قيل وكانت تلك الغزوة يوم السبت، وفي رواية (( يوم الجمعة ) )كما سيأتي، في منتصف شوال عام ثلاث من الهجرة. وقال البلاذريُّ لتسعٍ خلون منه، والأوَّل أشهر، وهو قول الزهريِّ وقتادة وموسى بن عقبة.
(رَجَعَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) صلى الله عليه وسلم من الطَّريق وهم عبد الله بن أبي ومن تبعه، وذلك أنَّه روي أنَّ المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء ثاني عشر شوال سنة ثلاث من الهجرة، فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، وقد دعا عبد الله بن أبي، وهو من رؤوس المنافقين، ولم يدعه قط قبلها، فاستشاره، فقال هو وأكثر الأنصار أقم يا رسول الله بالمدينة لا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو إلَّا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فكيف وأنت فينا، فدعهم، فإن أقاموا أقاموا بشر مجلس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال، ورماهم النِّساء والصُّبيان بالحجارة، وإن رجعوا رجعوا خائبين.
وقال بعضُهم اخرج بنا إلى هؤلاء الأكلب لا يرون أنا قد جَبُنَّا عنهم، فقال صلى الله عليه وسلم (( إني قد رأيتُ في منامي بقرًا مذبحة حولي فأولتها خيرًا، ورأيتُ في ذباب سيفي _ أي طرفه الذي يضرب به _ ثلمًا، فأوَّلته هزيمة، ورأيتُ كأني أدخلت يدي في درعٍ حصينة، فأوَّلتها المدينة، فإن رأيتُم أن تقيموا بالمدينة، وتدعوهم ) ). فقال رجالٌ من المسلمين _ قد فاتتهم بدر وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد _ اخرجْ بنا إلى أعدائنا، فلم يزالوا به حتى دخل فلبس لأمته _ أي درعه _ فلما رأوه قد لبس لأمته ندموا، وقالوا بئس ما صنعنا نشيرُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم والوحي يأتيه، وقالوا اصنعْ يا رسول الله ما رأيت، فقال (( لا ينبغي لنبيٍّ أن يلبسَ لأمته فيضعها حتى يقاتل ) )فخرج بعد صلاة الجمعة في ألف رجلٍ، وقيل في تسعمائة وخمسين، والمشركون ثلاثة آلاف، فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم،
ج 9 ص 136
فلمَّا بلغوا الشَّوط _وهو اسم موضعٍ_ انخزل عبد الله بن أبي بثلث النَّاس، وفي رواية في ثلاثمائة، وقال يا قوم علام نقتلُ أنفسنا وأولادنا فتبعهم عَمرو بن حزم الأنصاري، فقال أنشدُكم الله في نبيِّكم وأنفسكم، فقال عبدُ الله لو نعلم قتالًا لاتبعناكم، فهمَّ الحيَّان بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس باتِّباع عبد الله، فعصمهم الله، كما قال تعالى {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا} [آل عمران 122] الآيةَ.
فمضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشِّعب من أحد يوم السبت للنِّصف من شوال فمشى على رجليهِ فجعل يصفُّ أصحابه للقتال كأنما يقوِّم بهم القدح إن رأى صدرًا خارجًا قال (( تأخر ) )وكان نزوله في عدوة الوادي، وجعل ظهره وعسكره إلى أُحد، وأمر عبد الله بن جبير على الرُّماة، وقال لهم (( انضحوا عنا بالنَّبل لا يأتوننا من ورائنا ) )فكان ما كان.
قال البيهقيُّ المشهور عند أهل المغازي أنَّهم بقوا في سبعمائة، والمشهور عن الزُّهري أنَّهم بقوا في أربعمائة مقاتلٍ.
وقال موسى بن عقبة وكان على خيل المشركين خالد بن الوليد رضي الله عنه، وكان معهم مائة فرس وكان لواءهم مع عثمان بن طلحة بن أبي طلحة. قال ولم يكن مع المسلمين فرسٌ واحد.
وقال الواقديُّ وعدَّة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعمائة ولم يكن فيهم من الخيل سوى فرسين فرسٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفرسٌ لأبي بردة (فَقَالَتْ فِرْقَةٌ) من المسلمين (نَقْتُلُهُمْ) أي نقتل الرَّاجعين من الطريق؛ لأنَّهم منافقون.
(وَقَالَتْ فِرْقَةٌ) منهم (لاَ نَقْتُلُهُمْ) لأنَّهم مسلمون (فَنَزَلَتْ) لما اختلفوا هذه الآية ( {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينِ} ) ما لكم اختلفتم في شأن قومٍ نافقوا نفاقًا ظاهرًا وتفرَّقتم فيه ( {فِئَتَيْنِ} ) فرقتين، ولم تتَّفقوا على كفرهم. فقوله {فِئَتَيْنِ} نصب على الحال، كقولك مالك قائمًا.
{وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ} أي ردَّهم إلى حكم الكفر كما كانوا، أو نكسهم بأن صيَّرهم إلى النار، وأصل الرَّكس ردُّ الشَّيء مقلوبًا. وقال ابن عبَّاس أي أوقفهُم وأوقعهم في الخطأ.
وقال قتادة أهلكهم. وقال السديُّ أضلَّهم. وقيل أركسهُم في الكفر بأن خذَلهم حتَّى ارتكسوا ورجعوا في الكفر؛ لما علم من مرض قلوبهم.
ج 9 ص 137
{بِمَا كَسَبُوا} أي بسبب عصيانهم ومخالفتهم الرَّسول، وارتدادهم ولحوقهم بالمشركين، واحتيالهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
{أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ} أي أن تجعلوا من جملة المهتدين من جعله من جملة الضَّلال، وحكم عليه بذلك، أو خذله حتى ضلَّ {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} [النساء 88] إلى الهدى.
هذا؛ وقد اختلف المفسِّرون في سبب نزول هذه الآية فقيل في هؤلاء الذين رجعوا عن غزوة أُحد بعد أن خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم استدلالًا بهذا الحديث.
وقيل في قوم استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى البدو معتلِّين باجتواء المدينة، فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلة حتَّى لحقوا بالمشركين، فاختلف المسلمون فيهم، فقال بعضُهم هم كفَّار، وقال بعضهم هم مسلمون.
وقيل كانوا قومًا هاجروا من مكة، ثم بدا لهم فرجعوا وكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنَّا على دينك، وما أخرجنا إلَّا اجتواء المدينة، والاشتياق إلى بلدنا.
وقيل هم العرنيون الذين أغاروا على السَّرح، وقتلوا يسارًا. وقيل هم قومٌ أظهروا الإسلام، وقعدوا عن الهجرة. وقال زيد بن أسلم، عن ابن سعد بن معاذ أنَّها نزلت في تقاول الأوس والخزرج في شأن عبد الله بن أبيٍّ حين استعذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر في قضيَّة الإفك [خ¦4750] ، وهذا غريب.
(وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهَ) أي المدينة (تَنْفِي الرِّجَالَ) جمع رجل، واللام للعهد عن شرارهم وأخسَّائهم؛ أي تميز وتظهر شرار الرِّجال من خيارهم بقرينة التَّشبيه.
وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ بالدال وتشديد الجيم. قال الحافظ العسقلانيُّ وهو تصحيفٌ.
وفي غزوة أحد (( تنفي الذنوب ) ) [خ¦4050] . وفي تفسير سورة النساء (( تنفي الخبث ) ) [خ¦4589] ، وأخرجه في هذه المواضع كلها من طريق شعبة.
وأخرجه مسلم والترمذيُّ والنسائي من رواية غندر عن شعبة باللفظ الذي أخرجه في التَّفسير من طريق غُنْدر [خ¦4589] .
وغندر أثبتُ الناس في شعبة، وروايته توافق رواية حديث جابر الذي قبله حيث قال فيه (( تنفي خبثها ) ) [خ¦1883] .
وكذا أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ (( تخرج الخبث ) ). ومضى في أول فضائل المدينة من وجهٍ آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه (( تنفي الناس ) ) [خ¦1871] ، والرواية التي هنا (( تنفي الرِّجال ) )لا تنافي الرواية التي بلفظ الخبث، بل هي مفسرة للرِّواية المشهورة، بخلاف (( تنفِي الذُّنوب ) )، ويحتمل أن يكون فيه حذف
ج 9 ص 138
تقديره أهل الذنوب، فتلتئم مع باقي الرِّوايات.
(كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْحَدِيدِ) وتبقي الطِّيب أزكى ما كان وأخلص، وكذلك المدينة.
وفي الحديث من الفقه أنَّ من عقد على نفسه، أو على غيره عند الله عقدًا، فلا ينبغِي له حله؛ لأنَّ في حلِّه خروجًا عمَّا عقد.
وفيه أنَّ الارتداد عن الهجرة من أكبر الكبائر، ولذلك دعا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (( اللَّهمَّ امضِ لأصحابي هجرتهم ولا تردَّهم على أعقابهم ) ).
وفيه جواز ضربِ المثل، وفيه أنَّ النَّفي كالقتل بل أشدُّ.
قال الشَّاعر
~لَقَتلٌ بحَدِّ السَّيفِ أَهوَنُ مَوقِعًا عَلى المَرْءِ مِنْ قَتْلٍ بحَدِّ فِرَاقِ
وهذا الحديث أخرجه المؤلف في المغازي [خ¦4050] ، والتفسير أيضًا [خ¦4589] .
وأخرجهُ مسلم في المناسك، وفي ذكر المنافقين، والترمذيُّ والنسائيُّ في التفسير.