فهرس الكتاب

الصفحة 2948 من 11127

1883 - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بنَ عَبَّاسِ) بالباء الموحدة، الباهليُّ البصريُّ، أو الأهوازيُّ، وقد مرَّ في باب فضل استقبال القبلة [خ¦391] ، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) هو ابنُ المهدي، قال (حَدَّثَنَا سُفْيانُ) هو الثوريُّ (عَنْ مُحَمَّد بنِ المُنْكَدِرِ) بلفظ الفاعل، من الانكدار (عَنْ جَابِرٍ) السَّلَميِّ _ بفتح السين المهملة واللام _، ووقع في الأحكام [خ¦7216] من وجه آخر عن ابن المنكدر، قال (( سمعت جابرًا ) ) (رَضِيَ اللهُ عنهُ) أنَّه قال (جَاءَ أعْرَابِيٌّ) قال الحافظ العسقلانيُّ لم أقف على اسمه، إلَّا أنَّ الزَّمخشري ذكر في «ربيع الأبرار» أنَّه قيس بن أبي حازم، وهو مشكل؛ لأنَّه تابعيٌّ كبيرٌ مشهور صرحوا بأنَّه هاجر فوجد النَّبي قد مات، فإن كان محفوظًا فلعلَّه آخر وافق اسمه واسم أبيه.

وفي «الذيل» لأبي موسى في «الصحابة» قيس بن أبي حازم المنقري، فيحتمل أن يكون هو هذا.

(النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فَبَايَعَهُ عَلَى الإِسْلاَمِ) من المبايعة، وهي عبارةٌ عن المعاقدة والمعاهدة على الإسلام،

ج 9 ص 133

كأنَّ كلَّ واحدٍ منهما باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه خلاصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره.

(فَجَاءَ مِنَ الْغَدِ) حال كونه (مَحْمُومًا) من حمَّ الرجل، وأحمَّه الله فهو محمومٌ، وهو من الشَّواذ (فَقَالَ) النبيُّ صلى الله عليه وسلم (أَقِلْنِي) أمرٌ من الإقالة، الظَّاهر أنَّ المراد الإقالة من المبايعة على الإسلام، وبه جزم القاضي عياض.

وقال غيرُه إنَّما استقاله من الهجرة، ولم يرد الارتداد عن الإسلام.

قال ابنُ بطال بدليل أنَّه لم يرد حلَّ ما عقده إلَّا بموافقة النَّبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، ولو أراد الرِّدة ووقع فيها لَقَتَله إذ ذاك، ولكنه خرج عاصيًا، ورأى أنَّه معذورٌ لما نزل به من الحمَّى، ولعلَّه لم يعلم أنَّ الهجرة فرض عليه، وكان من الذين قال الله فيهم {وأَجْدرُ ألَّا يَعْلَمُوا حُدْودَ ما أَنَزَل اللهُ عَلَى رَسُولِهِ} [التوبة 97] ، وحمله بعضهم على الإقالة من الإقامة بالمدينة.

(فَأَبَى) أي امتنع النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يقتله (ثَلاَثَ مِرَارٍ) تنازعه الفعلان قبله، وهما قوله فقال، وقوله فأبى؛ أي قال ذلك ثلاث مرَّات، وهو صلى الله عليه وسلم أبى من إقالتهِ كلَّ مرَّة، وإنما لم يُقِلْه بيعته؛ لأنَّها إن كانت بعد الفتح فهي على الإسلام، فلم يُقِله؛ إذ لا يحلُّ الرجوع إلى الكفر، وإن كانت قبله فهي على الهجرة والمقام معه بالمدينة، ولا يحلُّ للمهاجر أن يرجعَ إلى وطنه.

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (الْمَدِينَةُ كَالْكِير) بكسر الكاف، المنفخ الذي ينفخ به النَّار، أو الموضع المشتمل عليها كما مرَّ [خ¦1871] .

(تَنْفِي خَبَثَهَا) بالخاء المعجمة والموحدة المفتوحتين وبالمثلثة، ما تبرزه النار من الوسخِ والقذرِ (وَيَنْصَعُ) بفتح التحتية وسكون النون وفتح المهملة، من النُّصوع وهو الخلوص (طَيِّبُهَا) بفتح الطاء وتشديد التحتية مرفوع على أنَّه فاعل (( ينصع ) )؛ لأنَّ النُّصوع لازم كما عرفت، وهذا رواية الكشميهنيِّ.

والمعنى أنَّها إذا نفت الخبيث تميِّز الطَّيب واستقرَّ فيها.

وفي رواية أبي ذر بضم المثناة الفوقية وفتح النون وتشديد الصاد، من التنصيع. وفي أخرى بسكون النون وتخفيف الصاد، من الإنصاع، وعلى كلا التَّقديرين فهو متعدٍّ، فقوله (( طيبها ) )بالنصب على المفعولية. ثم رواية الأكثرين في (( طَيِّبها ) )فتح الطاء وتشديد التحتية. وفي رواية بكسر الطاء والتخفيف.

وقال القزاز لم أر للنُّضوع في الطيب ذكر، أو إنما الكلام يتضوَّع طيبها، بالضاد المعجمة

ج 9 ص 134

وزيادة الواو المشددة؛ أي يفوح.

وقال ويروى بضاد وخاء معجمتين، قال ويروى بحاء مهملة، وهو أقلُّ من النضخ.

وقال الزمخشريُّ في «الفائق» (( يُبْضِع ) )بضم الياء وسكون الباء وكسر الضاد المعجمة، من أبضعه بضاعة، إذا دفعها إليه، معناه أنَّ المدينة يعطى طيبها لمن سكنها.

ورد عليه الصغانيُّ أنَّه خالف جميع الرُّواة في ذلك.

وقال الكرمانيُّ وفي بعضها بالموحدة مع المهملتين من البصع، وهو الجمع، ومع المعجمة ثم المهملة من بضعت اللحم؛ أي قطعته. وقال ابن الأثير المشهور بالنون والصاد.

وقال أبو عبد الله الأبي والرواية الأولى هي الصحيحة، وهي أقوم معنىً، وأيُّ مناسبةٍ بين الكير والطيب؟. انتهى.

وفيه أنَّ هذا تشبيهٌ حسن؛ لأنَّ الكير بشدَّة نفخهِ ينفي عن النار السِّخام والدُّخان والرَّماد حتى لا يبقى إلا الخالص من الجمر، وهذا إن أُريد بالكير المنفخ الذي ينفخ به النار، وإن أريد به الموضع، فيكون المعنى أن ذلك الموضع لشدَّة حرارته ينزع خبث الحديد والفضة والذهب، ويخرج خلاصة ذلك، والمدينة كذلك تنفي شرار الناس بالحمى والوصب وشدَّة العيش وضيق الحال التي تخلص النَّفس من الاسترسال في الشَّهوات، والانهماك فيها، وتظهرُ خيارهم وتزكيهم.

ثم إنَّ هذا ليس عامًا في جميع الأزمنة، بل خاص بزمن النَّبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه لم يكن يخرج عنها رغبة في عدم الإقامة معه إلَّا من لا خيرَ فيه، وأمَّا بعده فقد خرجَ جماعةٌ من خيار الصَّحابة رضي الله عنهم، وقطنوا غيرها، وماتوا خارجًا عنها كابنِ مسعود وأبي موسى وعلي وأبي ذرٍّ وعمَّار وحذيفة وعبادة بن الصَّامت وأبي عبيدة ومعاذ وأبي الدَّرداء وغيرهم رضي الله عنهم، فدلَّ ذلك على أنَّه خاصٌّ بزمن النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

وأمَّا من سكن المدينة من المنافقين وماتوا فيها ولم تنفهم، فكانت المدينة دارهم أصلًا، ولم يسكنوها بالإسلام، ولا حبًّا له، وإنما سكنوها لما فيها من أصل معايشهم، ولم يرد صلى الله عليه وسلم بضرب هذا المثل إلَّا من عقد الإسلام راغبًا فيه، ثم خبث قلبه، كما يشعر به السِّياق، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت