1891 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيُّ، قال (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ المدني (عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ) بضم السين وفتح الهاء مصغرًا، نافع بن مالك، وقد مرَّ في باب علامات المنافق [خ¦33] (عَنْ أَبِيهِ) مالك بن أبي عامر، أبي أنس الأصبحيِّ، جدِّ الإمام مالك. قال الدِّمياطي في سماعه من طلحةَ نظر. وتعقِّب بأنَّه ثبت سماعه من عمر رضي الله عنه، فكيف يكون في سماعهِ من طلحة نظر؟!.
وقد تقدَّم في كتاب الإيمان في هذا الحديث ما يدلُّ على أنَّه سمع منهما جميعًا [خ¦33] .
(عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ) أحد العشرة المبشَّرة بالجنَّة، وقد مرَّ في باب الزكاة من الإسلام [خ¦46] (أَنَّ أَعْرَابِيًّا) وفي الإيمان أنَّه ضمام بن ثعلبة [خ¦46] ، والأعراب هم سكان البادية خاصة (جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حال كونه (ثَائِرَ الرَّأْسِ) بالمثلثة؛ أي منتفش شعر الرَّأس ومنتشره (فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلاَةِ؟) بالإفراد (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ) بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوفٍ، وفي رواية أبي ذرٍّ
ج 9 ص 155
بالنصب، بتقدير فرض، زاد في الإيمان [خ¦46] ، فقال هل عليَّ غيرها قال لا (إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا) بتشديد الطاء وقد يخفَّف، والاستثناء منقطعٌ؛ أي لكن التطوُّع أمر مستحبٌّ لك، وحينئذٍ لا تلزم النَّوافل بالشُّروع فيها.
وقد روى النسائي وغيره أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان أحيانًا ينوي صوم التَّطوع، ثمَّ يفطر، فدلَّ على أنَّ الشُّروع في النَّفل لا يستلزم الإتمام، هذا هو مذهب الشافعيَّة.
وقالت الحنفيَّة الاستثناء متَّصلٌّ، واستدلُّوا به على أنَّ الشروع في التطوُّع يلزمه إتمامه؛ لأنَّه نفى وجوب شيء آخر إلا ما تطوَّع والاستثناء من النفي إثبات، والمنفي وجوبُ شيء آخر، فيكون المثبت بالاستثناء وجوب ما تطوَّع به، وما قاله الشافعيَّة من أنَّ هذا مغالطة، فإنَّ هذا الاستثناء من وادي قوله تعالى {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء 22] ، وقوله تعالى {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} [الدخان 56] ؛ أي لا يجب عليك شيءٌ قط إلَّا أن تطوع، وقد علم أن التطوُّع ليس بواجبٍ فيلزم، فاستدلالٌ بمحلِّ النِّزاع، فليتأمل.
(فَقَالَ) أي الأعرابي (أَخْبِرْنِي) يا رسول الله! (مَا) وفي رواية (فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ؟ فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (شَهْرُ رَمَضَانَ) بالوجهين السَّابقين، وزاد في الإيمان [خ¦46] (( فقال هل علي غيره؟ فقال لا ) ). (إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا، فَقَالَ) الأعرابيُّ (أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ، فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم، وفي رواية ؛ أي قال ما قال.
(فَأَخْبَرَهُ) الفاءُ تفسيريَّة، والجملة تفسير لقوله (( فقال ) )على وجه الإجمال. (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَرَائِعَ الإِسْلاَمِ) الشَّاملة لنصب الزكاة ومَقاديرها، وغير ذلك ممَّا يتناول الحجَّ وأحكامه، ويحتمل أن الحجَّ حينئذٍ لم يكن مفروضًا مطلقًا، أو على السَّائل. وفي رواية بحذف حرف الجر، والنصب على المفعولية.
(قَالَ) الأعرابي (وَالَّذِي أَكْرَمَكَ) وزاد الكشميهنيُّ (لاَ أَتَطَوَّعُ شَيْئًا، وَلاَ أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْلَحَ) أي ظفرَ وأدرك بُغيته دُنيا وأُخرى (إِنْ صَدَقَ، أَوْ دَخَلَ) وفي رواية أبي ذرٍّ (الْجَنَّةَ) والشَّك من الراوي.
ج 9 ص 156
لا يقال مفهومه أنَّه إذا تطوَّع لا يفلح، أو لا يدخل الجنَّة؛ لأنَّا نقول إنَّه مفهوم مخالفة، ولا عبرةَ به عند الحنفيَّة أصلًا، وكذا عند الشافعيَّة هنا؛ لأنَّ له مفهوم الموافقة، وهو أنَّه إذا كان متطوعًا يكون مفلحًا بالطَّريق الأولى، ومفهوم الموافقة مقدَّم على مفهوم المخالفة.
وفي الحديث أنَّه لا فرض في الصَّوم إلَّا رمضان، ومطابقته للترجمة ظاهرة. وقد سبق في كتاب الإيمان مع كثير من مباحثه [خ¦46] .