1896 - (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم واللام بينهما خاء معجمة، البجليُّ الكوفي أبو محمد، قال (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ) أبو أيوب التيميُّ المدنيُّ (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي، سلمة بن دينار الأعرج القاص المدنيُّ.
(عَنْ سَهْلٍ) هو ابنُ سعدٍ الساعديِّ الأنصاريِّ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ) نقيض العطشان. قال ابن المنيِّر إنَّما قال في الجنَّة، ولم يقل للجنَّة ليشعر بأن في الباب المذكور من النِّعم والرَّاحة ما في الجنَّة، فيكون أبلغ في التشوُّق إليه.
وقال العينيُّ إنما لم يقل للجنة؛ ليشعر أنَّ باب الرَّيان غير الأبواب الثَّمانية التي للجنَّة، وفي الجنة أيضًا أبواب أخر غير الثَّمانية منها باب الصلاة، وباب الجهاد، وباب الصدقة، على ما سيجيء في الحديث الآتي [خ¦1897] ، إن شاء الله تعالى.
وفي «نوادر الأصول» للحكيم الترمذي من أبواب الجنة باب محمد صلى الله عليه وسلم، وهو باب الرَّحمة، وباب التَّوبة، وهو منذ خلقه الله تعالى مفتوحٌ لا يغلق، فإذا طلعت الشَّمس من مغربها أُغلِقَ فلم يُفتح إلى يوم القيامة، وسائر الأبواب مقسومةٌ على أعمال البر باب الزكاة، باب الحج، باب العمرة.
وعند القاضي عياض باب الكاظمين الغيظ، باب الرَّاضين، باب الأيمن الذي يدخل منه من لا حساب عليه.
وفي كتاب الآجريِّ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( إنَّ في الجنة بابًا يقال له باب الضُّحى، فإذا كان يوم القيامة ينادي منادٍ أين الذين كانوا يديمون على صلاة الضُّحى؟ هذا بابكم فادخلوا ) ).
وفي «الفردوس» عن ابن عباس رضي الله عنهما رفعه (( للجنَّة باب يُقال له الفرح، لا يدخلُ منه إلَّا مفرح الصبيان ) ).
وعند الترمذي باب للذكر. وعند ابن بطَّال باب الصَّابرين. وذكر البرقيُّ في كتاب «الروضة» عن أحمد ابن حنبل حدَّثنا روح ثنا أشعث، عن الحسن قال إن لله بابًا في الجنة لا يدخله إلَّا من عفى عن مظلمة.
وفي كتاب «التحبير» للقشيريِّ عن النَّبي صلى الله عليه وسلم (( الخُلُق الحسنُ طوقٌ من رضوان الله في عنق صاحبه، والطَّوق مشدود إلى سلسة من الرَّحمة، والسِّلسلة مشدود إلى حلقة من باب الجنة حيث ما ذهبَ الخلق الحسن جرَّته السِّلسلة إلى نفسها، حتى تدخله من ذلك الباب إلى الجنة ) ).
والحاصل أنَّ كلَّ من أكثر نوعًا من العبادة خصَّ بباب يُناسبها ينادى منه جزاءً وفاقًا، وقلَّ من يجتمع له العمل بجميع أنواع التَّطوعات.
ثم إنَّ من يجتمع له ذلك يدعى من جميع الأبواب على سبيل التَّكريم، وإلَّا فدخوله إنَّما يكون من باب واحدٍ، وهو باب العمل الذي يكون أغلب عليه، فهذه الأبواب كلها داخلةٌ في داخل
ج 9 ص 176
الأبواب الثَّمانية الكبار الَّتي ما بين مصراعي باب منها مسيرة خمسمائة عام.
فإن قيل روى الجوزقي هذا الحديث من طريق أبي غسَّان عن أبي حازم بلفظ (( إنَّ للجنَّة ثمانية أبواب، منها باب يسمَّى الريَّان، لا يدخله إلَّا الصَّائمون ) ).
فالجواب أنَّ البخاري روى هذا من هذا الوجه في بدء الخلق، لكن قال (( في الجنَّة ثمانية أبواب ) ) [خ¦3257] وهذا أصحُّ وأصوب، قاله العينيُّ، فليتأمَّل.
(يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رعايةً للمناسبة بين العمل وجزائه (لاَ يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ أَيْنَ الصَّائِمُونَ، فَيَقُومُونَ لاَ يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا) منه (أُغْلِقَ) على البناء للمفعول من الإغلاق.
قال الجوهريُّ أغلقت الباب فهو مغلقٌ، والاسم الغلق، ويقال غَلَقتُ الباب غلقًا، وهي لغةٌ رديَّة متروكة، وغَلَّقتُ الأبواب؛ تشدَّد للكثرة. وقال الكرمانيُّ غلق مخففًا ومشدَّدًا، أو من باب الإغلاق. وقال العيني هذا تخليطٌ في اللغة حيث ذكر أولًا أنَّه من الثُّلاثي، ثمَّ قال هو من باب الإغلاق. هذا؛ وأنت خبير بأنَّ عبارة الكرماني بحرف التَّرديد، فلا يتَّجه عليه ذلك.
(فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ) القياس فلا يدخل؛ لأنَّ لم يدخل للماضي إلَّا أنَّه عطف على قوله لا يدخل، فيكون في حكم المستقبل، وكرَّر نفي دخول غيرهم للتَّأكيد.
وقال الحافظ العسقلانيُّ وأمَّا قوله (( فلم يدخل ) )فهو معطوف على أغلق؛ أي لم يدخل منه غير من دخل. وقال العينيُّ أخذه من الكرماني؛ لأنَّه قال هو عطف على الجزاء، فهو في حكم المستقبل، ثمَّ تفسيره بقوله أي لم يدخل منه غير من دخل، غير صحيحٍ؛ لأنَّ غير من دخل أعمُّ من أن يكون من الصَّائمين وغيرهم، وليس المراد ألا لا يدخل منه إلَّا الصَّائمون.
وأخرج مسلم هذا الحديث عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن خالد بن مخلد هو القطواني شيخ البخاري، عن سليمان بن بلال، قال حدَّثني أبو حازم، عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إنَّ في الجنَّة بابًا يقال له الرَّيَّان يدخل منه الصَّائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحدٌ غيرهم، يقال أين الصَّائمون، فيدخلون منه، فإذا دخل آخرهم أغلق، فلم يدخلْ منه أحد ) ).
قال الحافظ العسقلانيُّ هكذا في بعض النُّسخ من مسلم، وفي الكثير منها (( فإذا دخل أوَّلهم أغلق ) ). قال القاضي عياض وغيره وهو وهم، والصَّواب آخرهم. وكذلك أخرجه ابن أبي شيبة في «مسنده» ، وأبو نُعيم
ج 9 ص 177
في «مستخرجيه» معًا من طريقه، وكذا أخرجه الإسماعيليُّ والجوزقي من طرق عن خالد بن مخلد، وكذا أخرجه النَّسائي وابن خزيمة من طريق سعيد بن عبد الرَّحمن وغيره عن أبي حازم، وزاد فيه (( من دخل شرب، ومن شرب لا يظمأ أبدًا ) ).
وللتِّرمذي من طريق هشام بن سعد عن أبي حازم نحوه، وزاد (( ومن دخله لم يظمأ أبدًا ) ). ونحوه للنَّسائي والإسماعيليِّ من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، لكنَّه وقفه، وهو مرفوع قطعًا؛ لأنَّ مثله لا مجال للرَّأي فيه.
وقال الشَّيخ زين الدِّين العراقي قد استشكل بعضُهم الجمع بين حديث باب الريَّان، وبين الحديث الصَّحيح الذي أخرجه مسلم من حديث عمر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم (( ما منكم من أحدٍ يتوضَّأ ويبلغ، أو يسبغ الوضوء، ثمَّ يقول أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، إلَّا فتحت له أبواب الجنَّة الثمانية يدخل من أيِّها شاء ) )، قالوا فقد أخبر النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه يدخل من أيِّها شاء، وقد لا يكون فاعل هذا الفعل من أهل الصِّيام بأن لا يبلغَ وقت الصِّيام الواجب أو لا يتطوَّع بالصِّيام. والجواب عنه من وجهين
أحدهما أنَّه يصرف عن أن يشاء باب الصِّيام، فلا يشاء الدُّخول منه، ويدخل من أيِّ بابٍ شاء غير باب الصِّيام، فيكون قد دخل من الباب الذي شاء.
والثَّاني أنَّ حديث عمر رضي الله عنه قد اختلفت ألفاظه؛ فعند التِّرمذي (( فتحت له ثمانية أبواب من الجنَّة يدخل من أيِّها شاء ) ). فهذه الرِّواية تدلُّ على أنَّ أبواب الجنَّة أكثر من ثمانية، وقد لا يكون باب الصِّيام من هذه الثَّمانية، ولا تعارضَ حينئذٍ.