1897 - (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ) الحزاميُّ، بالزاي (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَعْنٌ) بفتح الميم وسكون المهملة وفي آخره نون، هو ابنُ عيسى بن يحيى، أبو يحيى المدني، مات في المدينة في شوال سنة ثمان وتسعين ومائة (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ حُمَيْدِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزُّهري، وفي رواية شعيب عن الزُّهري في فضل أبي بكر رضي الله عنه (( أخبرني حميد بن عبد الرَّحمن بن عوف ) ).
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) قال أبو عمر اتَّفقت الرُّواة عن مالك على وصله إلَّا يحيى ابن بكير
ج 9 ص 178
وعبد الله بن يوسف، فإنَّهما أرسلاه، ولم يقعْ عند القعنبي أصلًا لا مسندًا ولا مرسلًا.
قال الحافظ العسقلانيُّ وقد أخرجه الدَّارقطني في «الموطَّأت» من طريق يحيى ابن بكير موصولًا، فلعلَّه حدَّث به خارج «الموطَّأ» .
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ) وفي رواية ابن عساكر (مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ) اثنين من أيِّ شيء كان دينارين أو درهمين أو ثوبين. وقيل دينار وثوب، أو درهم ودينار، أو ثوب مع غيره، أو صلاة وصوم، أو فعل خير بغيره. وفي رواية إسماعيل القاضي عن أبي مصعب، عن مالك (( من أنفقَ زوجين من ماله ) ). قال الدَّاودي والزَّوج هنا الفرد، يقال للواحدِ زوج، وللاثنين زوجان، قال تعالى {خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} [النجم 45] .
وروى حمَّاد بن سلمة، عن يونس بن عبيد وحميد، عن الحسن، عن صعصعة بن معاوية، عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( من أنفقَ زوجين ابتدرته حجبة الجنَّة ) )، ثمَّ قال (( بعيرين شاتين حمارين درهمين ) )قال حمَّاد أحسبه قال (( خفين ) ). وفي رواية النَّسائي (( فرسين من خيله، بعيرين من إبله ) ).
وروي عن صعصعة قال رأيت أبا ذرٍّ رضي الله عنه بالرَّبذة، وهو يسوقُ بعيرًا له عليه مزادتان، قال سمعت النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول (( ما من مسلمٍ ينفق زوجين من ماله في سبيل الله إلَّا استقبلته حجبة الجنَّة كلُّهم يدعوه إلى ما عنده ) )قلت زوجين ماذا؟ قال (( إن كان صاحب خيل ففرسين، وإن كان صاحب إبلٍ فبعيرين، وإن كان صاحب بقر فبقرتين، حتَّى عدَّ أصناف المال ) ).
وشبيهُ هذا حديثٌ ذكره أبو موسى المديني عن مبارك بن سعيد يرفعه (( من عالَ ابنين، أو أختين، أو خالتين، أو عمتين، أو جدَّتين فهو معي في الجنَّة ) ).
(فِي سَبِيلِ اللَّهِ) عام في أنواع الخير، أو خاصٌّ بالجهاد. فإن قيل النَّفقة إنَّما تسوغُ في الجهاد والصَّدقة، فكيف تكون في الصَّلاة والصِّيام؟.
فالجواب أنَّه أراد بالزَّوجين نفسه وماله، والعرب تسمِّي ما يبذله الإنسان من النَّفس نفقة تقول فيما تتعلم من الصَّنعة أنفقت فيها عمري، فإتعاب النَّفس في الصَّوم والصَّلاة إنفاق، وأنَّ نفقة المال مقترنةٌ بنفقة الجسم في ذلك؛ لأنَّه لا بدَّ للمصلِّي والصَّائم من قوتٍ يقيم رمقه، وثوب يستره، وذلك من فروض الصَّلاة فقد صار بذلك منفقًا لزوجين لنفسه وماله، وقد تكون النَّفقة في باب الصَّلاة أن يبنيَ لله مسجدًا للمصلِّين، والنَّفقة في الصِّيام أن يفطر صائمًا. وقد قال
ج 9 ص 179
صلى الله عليه وسلم (( من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنَّة ) ). وقال صلى الله عليه وسلم (( من فطر صائمًا فكأنَّما صام يومًا ) ).
فإن قيل إذا كان استعمال الجسم في الطَّاعة نفقةً، فيجوز أن يدخل في معنى الحديث (( من أنفق نفسه في سبيل الله فاستشهد، وأنفق كريم ماله ) ).
فالجواب نعم، بل هو أعظم أجرًا من الأوَّل. يوضِّحه ما رواه سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر رضي الله عنه قال قال رجل يا رسول الله أيُّ الجهاد أفضل؟ قال (( أن يعقر جوادك، أو يهراق دمك ) ).
فإن قيل فيدخل فيه صائم رمضان، والمزكِّي لماله، ومؤدِّي الفرائض.
فالجواب أنَّ المراد النَّوافلُ؛ لأنَّ الواجبات لا بدَّ منها لجميع المسلمين، ومن ترك شيئًا من الواجبات إنَّما يخاف عليه أن ينادى من أبواب جهنَّم.
(نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ) وذكره أبو داود وأبو عبد الرَّحمن وابن سنجر (( فتحت له أبواب الجنَّة الثَّمانية ) )وليس فيها ذكر مِن. وقال ابن بطَّال لا يصحُّ دخول المؤمن إلَّا من بابٍ واحد، ونداؤه منها كلها إنَّما هو على سبيل الإكرام والتَّخيير له في دخوله من أيِّها شاء.
(يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا خَيْرٌ) لفظ (( خير ) )ليس أفعل التَّفضيل، بل معناه هو خيرٌ من الخيرات، والتَّنوين فيه للتَّعظيم، وفائدة هذا الإخبار بيانُ تعظيمه (فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاَةِ) المكثرين من النَّوافل، وكذا ما يأتي على ما قيل (دُعِيَ مِنْ باب الصَّلاَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ باب الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ باب الرَّيَّانِ) وعند أحمد (( لكلِّ أهل عمل باب يدعون منه بذلك العمل، فلأهل الصِّيام باب يدعون منه يقال له الريَّان ) ).
(وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ) المكثرين لها (دُعِيَ مِنْ باب الصَّدَقَةِ) وفي نسخة بجمع باب، والمراد كما عرفت أنَّ من غلب عليه عمل من أعمال البرِّ المذكورة يدعى من باب ذلك العمل، وإلَّا فكلُّ المؤمنين أهل للكلِّ، وذكر الصَّدقة ليس تكرارًا لما في صدر الحديث حيث قال (( من أنفقَ زوجين ) )لأنَّ الأوَّل هو النِّداء بالإنفاق، وإن كان بالقليلِ من كلِّ أبواب الجنَّة، وأنَّه من الخيراتِ العظيمة [1] .
والثَّاني استدعاء الدُّخول إلى الجنَّة من بابهِ الخاص؛ ففي الحديث فضيلة عظيمة للإنفاق، ولهذا افتتح به، واختتم به.
ج 9 ص 180
(فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي) أي أنت مفدَّى بأبي وأمي، وقيل تقديره فديتك بأبي وأمي (يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ) أي من ضرر. يعني ليس على المدعوِّ من كلِّ الأبواب مضرَّة، بل له تكرمة وإعزاز، وقد سعد من دعي من أبوابها كلِّها.
وقال ابن المنيِّر وغيره يريد من أحد تلك الأبواب خاصَّة دون غيره من الأبواب، فيكون أطلق الجميع، وأراد الواحد.
وقال ابن بطَّال يريد أنَّه من لم يكن إلَّا من أهل خصلة واحدةٍ من هذه الخصال، ودُعي من بابها لا ضرر عليه؛ لأنَّ الغاية المطلوبة دخول الجنَّة؛ لاستحالة الدُّخول من الكلِّ معًا.
وقال في «شرح المشكاة» لما خصَّ كل باب بمن أكثر نوعًا من العبادة، وسمع الصِّدِّيق رضي الله عنه رغب أن يدعى من كلِّ باب، وقال ليس على من دعي من تلك الأبواب ضرر، بل شرف وإكرام سأل فقال (فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا) ويختصُّ بهذه الكرامة؟.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (نَعَمْ) يدعى منها كلها على سبيل التَّخيير في الدُّخول من أيِّها شاء إكرامًا وإعزازًا (وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ) والخطاب لأبي بكر رضي الله عنه، والرَّجاء من النَّبي صلى الله عليه وسلم واجبٌ، نبَّه عليه ابن التِّين. فدلَّ هذا على فضيلة أبي بكر رضي الله عنه، وأنَّه من أهل هذه الأعمال كلِّها.
قال الكرمانيُّ ويحتمل أن تكون الجنَّة كالقلعة التي لها أسوار محيطة بعضها ببعض، وعلى كلِّ سور منها باب، فمنهم من يدعى من الباب الأوَّل فقط، ومنهم من يتجاوزُ عنه إلى الباب الدَّاخلاني، وهلمَّ جرًا. انتهى.
وقال العينيُّ وهذا الذي ذكره لا يستبعده العقل، ولكن معرفة كيفية الجنَّة، وكيفية أبوابها وغير ذلك موقوفة على السَّماع من الشَّارع، والله أعلم.
والحديث أخرجه المؤلِّف في فضائل أبي بكر رضي الله عنه أيضًا [خ¦3666] . وأخرجه مسلم في الزَّكاة، والتِّرمذي في المناقب، والنَّسائي فيه، وفي الزَّكاة، والصَّوم والجهاد.
[1] عبارة العيني (وإن كان بالقليل من جملة الخيرات العظيمة وذلك حاصل من كل أبواب الجنة) .