فهرس الكتاب

الصفحة 2980 من 11127

1903 - (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) بكسر الهمزة وتخفيف التحتانية، العسقلانيُّ الخراسانيُّ الأصل، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو محمَّد بن عبد الرَّحمن بن أبي ذئب، قال (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ) كيسان اللَّيثي، كذا في أكثر الرِّوايات. وقد رواه ابنُ وهب عن ابن أبي ذئب، فاختلف عليه، رواه الرَّبيع عنه مثل الجماعة، ورواه ابن السَّرح عنه، فلم يقل عن أبيه، أخرجهما النَّسائي، وأخرجه الإسماعيلي من طريق حمَّاد بن خالد، عن ابن أبي ذئب بإسقاطه أيضًا، واختلف فيه على ابن المبارك، فأخرجه ابن حبَّان من طريقه بالإسقاط. وأخرجه النَّسائي وابن ماجه وابن خُزيمة بإثباته.

وكذلك اختلف على أحمد بن يونس فرواه أبو داود في «سننه»

ج 9 ص 202

عنه عن ابنِ أبي ذئب، عن سعيد، عن أبيه كروايةِ الأصل.

ورواهُ البخاري في كتاب الأدب، عن أحمد بن يونس، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه، هكذا هو في أكثر روايات البخاري، وفي رواية أبي ذرٍّ زيادة ذكر أبيه.

وذكر الدَّارقطني أنَّ يزيد بن هارون ويونس بن يحيى روياه عن ابنِ أبي ذئب بالإسقاط أيضًا. وقد أخرجه أحمد عن يزيد فقال فيه عن أبيه، والذي يظهر أنَّ ابن أبي ذئب كان تارة لا يقول عن أبيه، وفي أكثر الأحوال يقولها.

وقد اختلف فيه على ابن أبي ذئب اختلافٌ آخر، فرواه يونس بن أبي يحيى بن نباتة، عن ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب الزُّهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعير، عن أبي هريرة رضي الله عنه. رواه النَّسائي في «سننه الكبرى» كذلك. وقال فيما حكاه عنه المزِّي في «الأطراف» هذا الحديث منكر لا أعلم رواه عن الزُّهري غير ابن أبي ذئب.

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ وابن عساكرَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ لَمْ يَدَعْ) أي من لم يترك (قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ) قال الشَّيخ زين الدِّين العراقي يحتمل أن يراد من لم يدع ذلك مطلقًا غير مقيَّد بصوم، ويكون معناه أنَّ من لم يدع قول الزُّور والعمل به الذي هو من أكبر الكبائر، وهو متلبِّس به، فماذا يصنع بصومه، وذلك كما يقال أفعال البرِّ يفعلها البرُّ والفاجر، ولا يجتنب النَّواهي إلَّا صديق.

ويحتمل أن يكون المراد من لم يدع ذلك في حال تلبسه بالصَّوم، وهو الظَّاهر، وقد صرَّح به في بعضِ طرق النَّسائي (( من لم يدعْ قول الزُّور والعمل به، والجهل في الصَّوم ) ).

وقد بوَّب التِّرمذي على هذا الحديث بقوله باب ما جاء في التشديد في الغيبة للصَّائم.

وقال الشَّيخ زين الدِّين فيه إشكال من حيث إنَّ الحديث فيه قول الزُّور، والعمل به، والغيبة ليست قول الزُّور، ولا العمل به؛ إذ حدُّ الغيبة على ما هو المشهور ذكرك أخاك بما يكرهه ممَّا هو فيه، وقول الزُّور هو الكذب والبُهتان. وقد فسَّر النَّبي صلى الله عليه وسلم قول الزُّور في قوله تعالى في سورة الحج [ {فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور} ] [1] بشهادة الزُّور فقال (( عدلت شهادة الزُّور والإشراك بالله ) ). وهكذا بوَّب أبو داود على الحديث بالغيبة للصَّائم، وبوَّب عليه النَّسائي في «الكبرى» ما ينهى عنه الصَّائم في قول الزُّور والغيبة. وبوَّب عليه ابن ماجه باب ما جاء في الغيبة

ج 9 ص 203

والرَّفث للصَّائم، وكأنَّهم _والله أعلم_ فهموا من الحديث حفظ المنطق عن المحرَّمات، ومن جملتها الغيبة، ولهذا بوَّب عليه ابن حبَّان في «صحيحه» ذكر الخبر الدَّال على أنَّ الصِّيام إنَّما يتمُّ باجتناب المحظورات لا بمجانبة الطَّعام والشَّراب والجماع فقط.

وفي بعض ألفاظ الحديث (( من لم يدع قول الزُّور، والعمل به، والجهل ) )فيحتمل أن يراد بالجهل جميع المعاصي، وهذه اللَّفظة عند البخاري في كتاب الأدب [خ¦6057] عن أحمد بن يونس، عن ابن أبي ذئب. وكذا لأحمد عن حجَّاج ويزيد بن هارون كلاهما عن ابن أبي ذئب. وعند النَّسائي أيضًا، وابن حبان في «صحيحه» ، وفي رواية ابن وهب (( والجهل في الصَّوم ) ). ولابن ماجه من طريق ابن المبارك (( من لم يدع قول الزُّور والجهل والعمل به ) ).

قال الشَّيخ زين الدِّين العراقي الضَّمير في (( به ) )يحتمل أن يعودَ إلى الزُّور فقط، وإن كان أبعد في الذِّكر؛ لاتِّفاق الرِّوايات عليه، ويحتمل أن يعود إلى الجهل فقط؛ لكونه أقرب مذكور. وعلى هذا فالغيبة عمل بالجهل.

ويحتمل عود الضَّمير إليهما؛ أعني الزُّور والجهل، وإنَّما أفرد الضَّمير؛ لاشتراكهما في تنقيص الصَّوم. انتهى. ويجوز أن يعودَ إليهما باعتبار كلِّ واحد.

ولِما روى التِّرمذي حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا قال وفي الباب عن أنس رضي الله عنه، وهو ما أخرجه الطَّبراني في «الأوسط» بسندٍ رجاله ثقاتٍ بلفظ (( من لم يدع الخنا والكذب ) ).

ثمَّ إنَّه قد اختلف العلماء في أنَّ الغيبة والنَّميمة والكذب هل يفسد الصَّوم؟ فذهب الجمهور من الأئمَّة إلى أنَّه لا يفسد الصَّوم بذلك، وإنَّما التنزُّه عن ذلك من تمام الصَّوم. وعن الثَّوري أنَّ الغيبة تفسد الصَّوم، ذكره الغزالي في «الإحياء» . وقال رواه بشرُ بن الحارث عنه.

قال وروى ليث عن مجاهد (( خصلتان تفسدان الصَّوم الغيبة والكذب ) )هكذا ذكره الغزالي بهذا اللَّفظ. والمعروف عن مجاهد (( خصلتان من حفظهما سلم له صومه الغيبة والكذب ) )رواه ابنُ أبي شيبة، عن محمَّد بن فضيل، عن ليث، عن مجاهد.

وروى ابن أبي الدنيا عن أحمد بن إبراهيم، عن يعلى بن عبيد، عن الأعمش، عن إبراهيم قال كانوا يقولون إنَّ الكذب يفطر الصَّائم. وروى أيضًا عن يحيى بن يوسف، عن يحيى بن سليم، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة السَّلماني قال اتَّقوا المفطِرَين الكذب والغيبة.

والصَّواب قول الجمهور،

ج 9 ص 204

لكن الأفعال المذكورة تنقص الصَّوم، كما يدلُّ عليه هذا الحديث.

فإن قيل إنَّها صغائر تكفَّر باجتناب الكبائر، فالجواب أنَّا لا نسلِّم كونها صغائر، ولو سلم فنقول قال السُّبكي الكبير إنَّ في حديث الباب، والذي مضى في أوَّل الصَّوم دَلالة قويَّة لذلك؛ لأنَّ الرَّفث والصَّخب، وقول الزُّور والعمل به ممَّا علم النَّهي مطلقًا، والصَّوم مأمور به مطلقًا، فلو كانت هذه الأمور إذا حصلت فيه لم يتأثَّر بها لم يكن لذكرها فيه مشروطة به معنىً نفهمه، فلمَّا ذكرت في هذين الحديثين نبهتنا على أمرين

أحدهما زيادة قبحها في الصَّوم على غيره.

والثَّاني الحثُّ على سلامة الصَّوم عنها، وأنَّ سلامته عنها صفة كمال فيه، وقوَّة الكلام تقتضِي أن يقبح ذلك لأجل الصَّوم، فمقتضى ذلك أنَّ الصَّوم يكمل بالسَّلامة عنها، فإذا لم يسلم عنها نقص، ثمَّ قال ولا شكَّ أنَّ التَّكاليف قد تردُّ بأشياء، وينبَّه بها على أُخرى بطريق الإشارة.

وليس المقصود من الصَّوم العدم المحض كما في المنهيَّات؛ لأنَّه يشترط له النيَّة بالإجماع، ولعلَّ القصد به في الأصل الإمساك عن جميع المخالفات، لكن لمَّا كان ذلك يشقُّ خفَّف الله تعالى، وأمر بالإمساك عن المفطرات، ونبَّه العاقل بذلك على الإمساك عن المخالفات، وأرشد إلى ذلك ما تضمَّنته أحاديث المبين عن الله مراده، فيكون اجتناب المفطرات واجبًا، واجتناب ما عداها من المخالفات من المكمِّلات، والله أعلم.

(فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) قال ابن بطَّال ليس معناه أن يؤمر بأن يدع صيامه، وإنَّما معناه التَّحذير من قول الزُّور، وما ذكر معه، وهو مثل قوله (( من باعَ الخمر فليشقص الخنازير ) )أي يذبحها، ولم يأمره بذبحها، ولكنَّه على التَّحذير والتَّعظيم لإثم بائع الخمر، فكذلك من اغتابَ، أو شهد زورًا، أو منكرًا لم يؤمر بأن يدع صيامه، ولكنَّه يؤمر باجتناب ذلك؛ ليتمَّ له أجر صيامه.

وأمَّا قوله (( فليس لله حاجة ) )فلا مفهوم له، فإنَّ الله لا يحتاجُ إلى شيء، وإنَّما معناه فليس لله إرادة في صيامه، فوضع الحاجة موضع الإرادة.

هذا؛ لكن فيه إشكال؛ لأنَّه لو لم يرد الله تركه لطعامه وشرابه لم يقع التَّرك ضرورة أنَّ كل ما وقع فقد تعلقت الإرادة بوقوعه، ولولا ذلك لم يقعْ، إلَّا أن يراد بالإرادة الإرادة مع الرِّضا، فافهم.

وقال ابن المنيِّر في «الحاشية»

ج 9 ص 205

بل هو كنايةٌ عن عدم الالتفات والقبول، كما يقول المغضب لمن ردَّ عليه شيئًا طلبه منه فلم يقمْ به لا حاجه لي بكذا، فالمراد ردُّ الصَّوم المتلبِّس بالزُّور، وقبول الصِّيام السَّالم منه.

وقال ابنُ العربي مقتضى هذا الحديث من فعل ما ذكر لا يثاب على صيامه، ومعناه أنَّ ثواب الصِّيام لا يقوم في الموازنة بإثم الزُّور، وما ذكر معه.

وقال البيضاويُّ ليس المقصود من شرعيَّة الصَّوم نفسُ الجوع والعطش، بل ما يتبعه من كسرِ الشَّهوات، وتطوُّع النَّفس الأمارة للنَّفس المطمئنة، فإذا لم يحصل ذلك لا ينظرُ الله تعالى نظر القبول، وقوله ليس لله حاجة، مجازٌ عن عدم القبول، فنفى السَّبب وأراد المسبب.

ثمَّ إن قوله (( فليس لله حاجة ) )، هكذا لفظ «الصحيح» وكتب السنن وغيرها من الكتب المشهورة، وفي بعض طرقه (( فليس به حاجة ) )يعني بالذي يصوم بهذا الوصف، رواه بهذا اللَّفظ البيهقي في «شعب الإيمان» من رواية يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري من غير ذكر أبيه، وإسناده صحيحٌ، ويزيد بن هارون من أئمَّة المسلمين.

والحديث أخرجه البخاري في الأدب أيضًا [خ¦6057] ، وأخرجه أبو داود والتِّرمذي والنَّسائي وابن ماجه في الصَّوم. ولأبي هريرة رضي الله عنه حديث آخر رواه ابن حبَّان في «صحيحه» ، والبيهقي في «سننه» من رواية الحارث بن عبد الرَّحمن بن أبي ذئب، عن عمِّه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ليس الصِّيام من الأكل والشُّرب فقط، إنَّما الصِّيام من اللَّغو والرَّفث، فإن سابَّك أحدٌ وجهل عليك، فقل إنِّي صائم ) ).

[1] ما بين معقوفين استدرك من العيني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت