فهرس الكتاب

الصفحة 2982 من 11127

1904 - (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد التَّميمي الفرَّاء، أبو إسحاق الرَّازي يعرف بالصَّغير، قال (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) أبو عبد الرَّحمن الصَّنعاني اليماني قاضيها (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) بالجيمين، عبد الملك (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباح (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (الزَّيَّاتِ) بياع الزَّيت السَّمان(أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 9 ص 206

قَالَ اللَّهُ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ)قال الخطَّابي معناه أنَّ كلَّ عمل ابن آدم لنفسه فيه حظ، وله فيه مدخل، وذلك لاطِّلاع النَّاس عليه، فهو يتعجَّل بحكايته ثوابًا من النَّاس، ويحوز به حظًّا من الدُّنيا جاهًا وتعظيمًا.

فإن قيل الكلُّ ليس له؛ إذ السيِّئات عليه.

فالجواب أنَّه أراد بالأعمال الحسنات، فكان العملُ المعتد به الذي يستحق أن يحكى عنه هو الحسنة، أو المراد منه الاختصاص فقط لا الاختصاص النَّافع. وزاد في رواية (( كلُّ عمل ابنِ آدم يُضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ) ).

(إِلاَّ الصِّيَامَ فَإِنَّهُ) خالص (لِي) لا يطلع عليه أحدٌ، ولا يعلم ثوابه المترتِّب عليه غيري، أو هو وصف من أوصافي؛ لأنَّه يرجع إلى صفة الصَّمدية؛ لأنَّ الصَّائم لا يأكل ولا يشرب، فتخلَّق باسمه الصَّمد، أو أن كلَّ عمل ابنِ آدم مضاف له؛ لأنَّه فاعله (( إلَّا الصَّوم ) )، فإنَّه مضافٌ لي؛ لأنِّي خالقه له على سبيل التَّشريف والتَّخصيص، فيكون كتخصيص آدم بإضافته إليه أن خلقه بيده، وكلُّ مخلوق بالحقيقة مضاف إلى الخالق، لكن إضافة التَّشريف خاصَّة بمن شاء الله أن يخصَّه بها.

أو كأنَّه تعالى يقول هو لي فلا يشغلك ما هو لك عمَّا هو لي، وفيه مجمع العبادات؛ لأنَّ مدارها على الصَّبر والشُّكر وهما حاصلان فيه، ولمَّا كان ثواب الصِّيام لا يحصيه إلَّا الله تعالى لم يكله تعالى إلى الملائكة بل تولَّى جزاءه بنفسه، فقال (وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) بفتح الهمزة، وفيه دَلالة على أنَّ ثواب الصَّوم أفضل من سائر الأعمال؛ لأنَّه تعالى أسند إعطاء الجزاء إليه، وأخبر أنَّه يتولَّى ذلك بنفسه، والله تعالى إذا تولَّى شيئًا بنفسه دلَّ على عظم ذلك الشَّيء، وخطر قدره.

وهذا كما روي أنَّ من أدمن قراءة آية الكرسي عقب كلِّ صلاة فإنَّه لا يتولَّى قبضَ روحه إلَّا الله تعالى.

(وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ) وقاية من النَّار، أو من المعاصي (وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفثْ) بتثليث الفاء وآخرة مثلثة؛ أي لا يفحش في الكلام (وَلاَ يَصْخَبْ) بالصاد المهملة والخاء المعجمة، ويجوز إبدال الصاد سينًا من الصَّخب، وهو الصِّياح والخصومة، وفي الرِّواية السَّابقة (( ولا يجهل ) ) [خ¦1894] (فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ) وزاد سعيدُ بن منصور من طريق سهيل (( أو ماراه ) )يعني جادله.

(أَوْ قَاتَلَهُ) يعني إن تهيَّأ أحد لمشاتمته، أو مقاتلته (فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ) يعني فليقل له ذلك؛ ليكفَّ خصمه عنه، أو بقلبه؛ ليكفَّ نفسه عن خصمه، ورجَّح الأوَّل النَّووي في «الأذكار» ، وبالثَّاني جزم المتولِّي. ونقله الرَّافعي عن الأئمَّة، وتعقِّب بأنَّ القول

ج 9 ص 207

حقيقة إنَّما هو باللِّسان. وأُجيب بأنَّه لا يمتنع المجاز.

وقال في «المجموع» كلٌّ منهما حسن، والقول باللِّسان أقوى، ولو جمعهما؛ لكان حسنًا.

قال الحافظ العسقلاني ولهذا التردُّد أتى البخاري بالاستفهام في التَّرجمة فقال هل يقول إنِّي صائم إذا شتم. وقال الرُّوياني إن كان رمضان فليقل بلسانه، وإن كان غيره فليقل بقلبه. وفي الرِّواية السَّابقة في باب فضل الصَّوم [خ¦1894] (( مرتين ) ). وقد تقدَّم أنَّ المراد بالنَّهي عن ذلك تأكيده حالة الصَّوم، وإلَّا فغير الصَّائم ينهى عن ذلك أيضًا [خ¦1894] .

(وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ) بضم الخاء على الصَّواب كما تقدَّم [خ¦1894] . وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكشميهني بضم الخاء واللام بحذف الواو.

قال الحافظ العسقلاني كأنَّها صيغة جمع، ويروى في غير البخاري بلفظ (( الخلفة ) )على الوحدة.

وقال العيني لم يبيِّن مفرده ما هو، والظَّاهر أنه جمع خِلفة بالكسر. وقال ابنُ الأثير الخِلفة _ بالكسر _ تغير ريح الفم، وأصلها في النَّبات أن ينبتَ الشَّيء بعد الشَّيء؛ لأنَّها رائحة حدثت بعد رائحة.

(فَمِ الصَّائِمِ) لخلاء معدته من الطَّعام، وفي نسخة بغير ميم بعد الفاء (أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ) يوم القيامة كما في مسلم، أو في الدُّنيا لحديث (( فإن خلوف أفواههم حين يمسون ) ) (مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ) .

وفيه إشارة إلى مزيَّة الصَّوم على غيره؛ لأنَّ مقام العنديَّة في الحضرة القدسيَّة أعلى المقامات السنيَّة، وإنَّما كان الخلوف أطيب عند الله تعالى من ريح المسك؛ لأنَّ الصَّوم من أعمال السرِّ التي بين الله تعالى وبين عبده، ولا يطَّلع عليه غيره، فجعل الله تعالى رائحة صومه ينمُّ عليه في المحشر بين النَّاس.

وفي ذلك إثبات الكرامة والثَّناء الحسن له، وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم في المحرم (( فإنَّه يبعثُ يوم القيامة ملبِّيًا ) ) [خ¦1265] ، وفي الشهيد (( تبعثُ وأوداجُه تشخبُ دمًا تشهد له بالقتلِ في سبيل الله، ويبعث الإنسان على ما عاشَ عليه ) ).

قال السَّمرقندي يبعث الزَّامر وتتعلَّق زمارته في يده، فيلقيها فتعود إليه ولا تفارقه، ولمَّا كان الصَّائم يتغير فمه بسبب العبادة في الدُّنيا، والنُّفوس تكره الرَّائحة الكريهة في الدُّنيا، جعل الله تعالى رائحة فم الصَّائم عند الملائكة أطيب من ريح المسك في الدُّنيا، وكذا في الدَّار الآخرة

ج 9 ص 208

فمن عبد الله تعالى، وطلب رضاه في الدُّنيا، فنشأ من عمله آثار مكروهة في الدُّنيا، فإنَّها محبوبة له تعالى، وطيِّبة عنده؛ لكونها نشأت عن طاعته، وابتغاء مرضاته، ولذا كان دم الشَّهيد ريحه يوم القيامة كريح المسك، وغبار المجاهدين في سبيله ذريرة أهل الجنَّة، كما ورد في حديث مسلم.

(لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا) أي يفرح بهما، فحذف الجار وأوصل الضَّمير توسعًا كما في قوله تعالى {فَلْيَصُمْهُ} [البقرة 185] ؛ أي فليصم فيه، أو هو مفعولُ مطلق، فأصله يفرح الفرحتين، فجعل الضَّمير بدله، نحو عبد الله أظنُّه منطلق (إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ) وزاد مسلم (( بفطره ) ).

وقال القرطبيُّ معناه فرح بزوال جوعه وعطشه حيث أبيح له الفطر، وهذا الفرح طبيعي، وهو السَّابق للفهم. وقيل إنَّ فرحه بفطره إنَّما هو من حيث أنَّه تمام صومه، وخاتمة عبادته، وتخفيف من ربِّه، ومعونة على مستقبل صومه.

قال الحافظ العسقلانيُّ ولا مانع من الحمل على ما هو أعمُّ ممَّا ذكر، ففرح كلُّ أحد بحسبه؛ لاختلاف مقامات النَّاس في ذلك، فمنهم من يكون فرحه مباحًا وهو الطَّبيعي، ومنهم من يكون فرحه مستحبًّا، وهو من يكون سبب فرحه شيئًا من ذلك.

وقال ابنُ العربي فرحه عند إفطاره بلذَّة الغذاء عند الأغنياء، وبخلوص الصَّوم من الرَّفث واللَّغو عند الفقراء، أو بالأوَّل عند العوام، وبالثَّاني عند الخواص، والمعاني متقاربة.

(وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ) عزَّ وجلَّ (فَرِحَ بِصَوْمِهِ) أي بجزائه وثوابه. وقيل هو السُّرور بالعلم بقبول صومه، وترتُّب الجزاء الوافر عليه. وقيل هو السُّرور بمشاهدة جماله جلَّ جلاله وعمَّ نواله، أكرمنا الله تعالى بتلك الكرامة الكبرى، والسَّعادة العظمى بجاه حبيبه محمَّد صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت