1912 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهد، قال (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) هو ابنُ سليمان
ج 9 ص 225
البصري (قَالَ سَمِعْتُ إِسْحَاقَ، يَعْنِي ابْنَ سُوَيْدٍ) وسقط لفظ في رواية أبي الوقت، وسقط مجموع قوله في رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر.
وإسحاق بن سويد هذا هو ابنُ سويد بن هبيرة البصري العدوي، عديِّ مضر، وهو تابعيٌّ صغير، روى هنا عن تابعيٍّ كبير، وليس له في هذا «الصَّحيح» سوى هذا الحديث الواحد، وقد أخرجه مقرونًا بخالد الحذَّاء، وقد رمي بالنَّصب، وذكره أبو العرب في «الضُّعفاء» بهذا السَّبب.
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي بكرة، واسمه نُفيع، تصغير النفع _ بالنون والفاء والعين المهملة _ الثَّقفي رضي الله عنه، وعبد الرَّحمن أوَّل مولود ولد بالبصرة بعد بنائها، وقد مرَّ في العلم [خ¦67] (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ولم يسق البخاري متن هذا الإسناد.
(وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (مُسَدَّدٌ) قال (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد، وفي رواية بالإفراد أيضًا (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ شَهْرَانِ لاَ يَنْقُصَانِ) مبتدأ وخبر (شَهْرَا عِيدٍ) خبر مبتدأ محذوفٍ؛ أي هما شهرا عيدٍ، أو رفع على البدليَّة أحدهما (رَمَضَانُ) من غير صرف للعلميَّة، والألف والنون، وقد مرَّ [خ¦1898 قبل] الكلام فيه.
(وَ) الآخر (ذُو الْحَجَّةِ) وهذا لفظ متن السَّند الثَّاني، وإنَّما اختار المؤلِّف سياق المتن على لفظ خالد دون إسحاق بن سويد؛ لكونه لم يختلف في سياقه عليه. وأمَّا لفظ إسحاق العدوي فأخرجه أبو نُعيم من طريق أبي خليفة بلفظ (( لا ينقصُ رمضان، ولا ينقص ذو الحجَّة ) )كما مرَّ.
وأخرجه البيهقي من طريق يحيى بن محمَّد بن يحيى، عن مسدَّد بلفظ (( شهرا عيدٍ لا ينقصان ) ). وكأن هذا هو النُّكتة أيضًا في كونه لم يجمع الإسنادين معًا مع أنَّهما لم يتغايرا إلَّا في شيخ معتمر. ومع هذا شكَّ بعض الرُّواة في رفعه إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال التِّرمذي وقد روي هذا الحديث عن عبد الرَّحمن بن أبي بكرة، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا، ولهذا حسَّنه التِّرمذي، ولم يصحِّحه؛ لما وقع فيه من الاختلاف في وصله وإرساله، ورفعه ووقفه، والاختلاف في لفظه.
هذا؛ قال ابنُ الجوزي فإن قيل كيف سمِّي شهر رمضان شهر عيد، وإنَّما العيد في شوال؟.
فقد أجاب عنه الأثرم بجوابين
أحدهما أنَّه قد يرى هلال شوال بعد الزَّوال من آخر يوم من رمضان.
والثَّاني أنَّه لمَّا قرب العيد من الصَّوم أضافته العرب إليه؛ لقربه منه،
ج 9 ص 226
ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم (( المغربُ وتر النَّهار ) )أخرجه التِّرمذي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وصلاة المغرب ليليَّة جهريَّة، فأطلق كونها وتر النَّهار؛ لقربها منه، وفيه إشارة إلى أنَّ وقتها يقعُ أوَّل ما تغرب الشَّمس.
وقد اختلف العلماء في معنى هذا الحديث فمنهم من حمله على ظاهره فقال لا يكون رمضان ولا ذو الحجَّة أبدًا إلَّا ثلاثين، وهذا قولٌ مردودٌ معاند للموجود المشاهد، ويكفي في ردِّه قوله صلى الله عليه وسلم (( صُوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيتهِ، فإن غمَّ عليكُم فأكملوا العدَّة ) )، فإنَّه لو كان رمضان كاملًا أبدًا ثلاثين لم يحتج إلى هذا. وقيل لا ينقصان معًا إن جاء أحدهما تسعًا وعشرين جاء الآخر ثلاثين ولا بدَّ. وقيل لا ينقصان في ثواب العمل فيهما.
وهذان القولان مشهوران عن السَّلف، وقد ثبتا منقولين في أكثر الرِّوايات في البخاري عقب التَّرجمة قبل سياق الحديث الأوَّل عن إسحاق، والثَّاني عن محمَّد كما ترى. ووقع عند التِّرمذي نقل القولين عن إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل، وكأنَّ البخاري اختار مقالة أحمد فجزم بها، أو تواردا عليها.
قال التِّرمذي قال أحمد معناه لا ينقصان معًا في سنة واحدة. وقال إسحاق وإن كان تسعًا وعشرين فهو تمام غير نقصان. قال وعلى مذهب إسحاق يجوز أن ينقصا معًا في سنة واحدة. انتهى.
وفي نسخة الصغَّاني عقب الحديث ما نصُّه .
وروى الحاكم في «تاريخه» بإسنادٍ صحيحٍ أنَّ إسحاق بن إبراهيم سئل عن ذلك فقال إنَّكم ترون العدد ثلاثين، فإذا كان تسعًا وعشرين ترونه نقصانًا، وليس ذلك بنقصان. ووافق أحمد على اختياره أبو بكر أحمد بن عمرو البزَّار، فأوهم مغلطاي أنه مراد التِّرمذي بقوله وقال أحمد وليس كذلك، وإنَّما ذكره قاسم في «الدَّلائل» عن البزَّار فقال سمعت البزَّار يقول معناه لا ينقصان جميعًا في سنة واحدة. قال ويدلُّ له رواية زيد بن عقبة عن سمُرة بن جندب رضي الله عنه مرفوعًا (( شهرا عيدٍ لا يكونان ثمانية وخمسين يومًا ) ). لكن إسناده ضعيف، وقد أخرجه الدَّارقطني في «الأفراد» والطَّبراني من هذا الوجه بلفظ (( لا يتمُّ شهران ستِّين يومًا ) )وقال أبو الوليد إن ثبت فمعناه لا يكونان ثمانية وخمسين في الإجزاء أو الثَّواب. وذكر ابن حبَّان لهذا الحديث معنيين أحدهما
ج 9 ص 227
ما قاله إسحاق. والآخر أنَّ المراد أنَّهما في الفضل سواء؛ لقوله في الحديث الآخر (( ما من أيَّام العمل فيها أفضل من عشر ذي الحجَّة ) ). وحاصله تفضيل العمل في عشر ذي الحجَّة، وهو مرويٌّ عن الخطَّابي أيضًا.
وذكر القرطبي فيه خمسة أقوال، فذكر نحو ما تقدَّم، وزاد أنَّ معناه لا ينقصان في عام بعينه، وهو العام الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم تلك المقالة، وهذا حكاه ابنُ بَزِيزة، ومن قبله أبو الوليد بن رشد. ونقله المحبُّ الطَّبري عن أبي بكر بن فورك.
وقيل المعنى لا ينقصان في الأحكام، وبهذا جزم البيهقيُّ، وقبله الطَّحاوي فقال معنى لا ينقصان أنَّ الأحكام فيهما وإن كانا تسعًا وعشرين متكاملة غير ناقصة عن كونهما ثلاثين، والحاصل كونهما تسعًا وعشرين في حكم كونهما ثلاثين في تمام الصِّيام والحجِّ فيهما.
وقيل لا ينقصان في نفس الأمر، لكن ربَّما حال دون رؤية الهلال مانع من قترة، أو ضباب، وهذا أشار إليه ابن حبَّان أيضًا، ولا يخفى بعده.
وقيل لا ينقصان معًا في سنة واحدة على الأكثر الأغلب، وإن ندر وقوع ذلك، وهذا أعدل ممَّا تقدَّم؛ لأنَّه ربَّما وجد وقوعهما ووقوع كل منهما تسعًا وعشرين.
قال الطَّحاوي الأخذ بظاهره، أو حمله على نقص أحدهما يدفعه العيان؛ لأنَّا قد وجدناهما ينقصان معًا في أعوام.
وقال الزَّين ابن المنيِّر لا يخلو شيء من هذه الأقوال عن الاعتراض، وأقدمها أنَّ المراد أنَّ النقص الحسِّي باعتبار العدد ينجبر بأنَّ كلاًّ منهما شهر عيدٍ عظيمٍ، فلا ينبغي وصفهما بالنُّقصان، بخلاف غيرهما من الشُّهور، وحاصله يرجع إلى تأييد قول إسحاق.
وقال البيهقي في «المعرفة» إنَّما خصَّهما بالذِّكر؛ لتعلُّق حكم الصَّوم والحجِّ بهما. وبه جزم النَّووي، وقال إنَّه الصَّواب المعتمد.
والمعنى أنَّ كل ما ورد فيهما من الفضائل والأحكام حاصل سواء كان رمضان ثلاثين، أو تسعًا وعشرين، وسواء صادف الوقوف اليوم التَّاسع أو غيره، ولا يخفى أنَّ محل ذلك إذا لم يحصل تقصير في ابتغاء الهلال.
وفائدة الحديث رفع ما يقع في القلوب من الشَّك لمن صام تسعًا وعشرين، أو وقف في غير يوم عرفة.
ج 9 ص 228
استشكل الكرماني فقال إنَّ الحجَّ إنَّما يقع في العشر الأوَّل من ذي الحجَّة، فلا دخل لنقصان الشَّهر وتمامه فيه، بخلاف رمضان، فإنَّه يصام كله، مرَّة فيكون تامًّا، ومرَّة يكون ناقصًا.
وأُجيب بأنَّه يمكن أن يشهد شاهدان أوَّل ذي الحجَّة الخميس مثلًا، فوقفوا يوم الجمعة، ثمَّ تبيَّن أنَّهما شهدا زورًا، أو يكون أغمي هلال ذي القعدة، ويقع فيه الغلط بزيادة يوم، أو نقصانه فيقع عرفة في اليوم الثَّامن، أو العاشر منه، فمعناه أنَّ أجر الواقفين بعرفة في مثله لا ينقص عمَّا لا غلط فيه.
قال ابن بطَّال قالت طائفة من وقف بعرفة بخطأ شاملٍ لجميع أهل الموقف في يوم قبل يوم عرفة، أو بعده أنَّه يجزئ عنه؛ لأنَّهما لا ينقصان عند الله من أجر المتعبِّدين بالاجتهاد كما لا ينقص أجر رمضان النَّاقص، وهو قول عطاء والحسن وأبي حنيفة والشَّافعي، واحتجُّوا على جواز ذلك بصيام من التبست عليه الشُّهور أنه جائزٌ أن يقعَ صيامه قبل رمضان أو بعده. وعن ابن القاسم أنَّهم إن أخطؤوا ووقفوا بعد يوم عرفة يوم النَّحر يجزئهم، وإن قدموا الوقوف يوم التَّروية أعادوا الوقوف من الغد ولم يجزئهم، وهذا يقتضي فيمن التبست عليه الشُّهور فصام رمضان، ثمَّ تيقَّن أنَّه أوقعه بعد رمضان أنَّه يجزئه، ولا يجزئه إذا أوقعه قبل رمضان، كمَن اجتهد وصلَّى قبل الوقت أنَّه لا يجزئه.
وقال بعضُ العلماء إنَّه لا يقع وقوف النَّاس اليوم الثَّامن أصلًا؛ لأنَّه لا يخلو من أن يكون الوقوف برؤية، أو إغماء، فإن كان برؤية وقفوا اليوم التَّاسع، وإن كان بإغماء وقفوا اليوم العاشر، هذا؛ وقد عرفت جوابه فيما قبل.
وقال الطِّيبي ظاهر سياق الحديث بيان اختصاص الشَّهرين بمزيةٍ ليست في غيرهما من الشُّهور، وليس المراد أنَّ ثواب الطَّاعة في غيرهما ينقص، وإنَّما المراد رفع الحرج عمَّا عسى أن يقع فيه خطأ في الحكم؛ لاختصاصهما بالعيدين، وجواز احتمال وقوع الخطأ فيهما، ومن ثمَّة قال (( شهرا عيد ) )بعد قوله (( شهران لا ينقصان ) )ولم يقتصر على قوله رمضان وذو الحجَّة. انتهى.
وفي الحديث حجَّة لمن قال إنَّ الثَّواب ليس مرتَّبًا على وجود المشقَّة دائمًا، بل لله عزَّ وجلَّ أن يتفضَّل بإلحاق النَّاقص بالتَّام في الثَّواب، واستدلَّ به بعضهم لمالك في اكتفائه لرمضان بنيَّة واحدة، قال لأنه
ج 9 ص 229
جعل الشَّهر بجملته عبادة واحدة فاكتفى له بالنيَّة.
وممَّا يستفاد من هذا الحديث التَّسوية في الثَّواب بين الشَّهر الكامل، وبين الشَّهر الناقص بالنظر إلى جعل الثَّواب معلَّقًا بالشَّهر من حيث الجملة، لا من حيث تفصيل الأيَّام.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الصَّوم، وكذا أبو داود، والتِّرمذي، وابن ماجه كلهم من طريق خالد الحذاء.
تنبيه روى الطَّبراني حديث الباب من طريق هشيم عن خالد الحذَّاء بسنده هذا بلفظ (( كل شهر حرام لا ينقص ثلاثون يومًا وثلاثون ليلة ) )وهو بهذا اللَّفظ شاذ، والمحفوظ عن خالد ما تقدَّم، وهو الذي توارد عليه الحفَّاظ من أصحابه كشعبة وحمَّاد ويزيد بن زريع وبشر بن المفضَّل وغيرهم.
وقد ذكر الطَّحاوي أنَّ عبد الرَّحمن بن إسحاق روى هذا الحديث عن عبد الرَّحمن بن أبي بَكرة بنحو هذا اللَّفظ. قال الطَّحاوي وعبد الرَّحمن بن إسحاق لا يقاوم خالدًا الحذَّاء في الحفظ.
قال الحافظ العسقلاني فعلى هذا فقد دخل لهشيم حديث في حديث؛ لأنَّ اللَّفظ الذي أورده عن خالد هو لفظ عبد الرَّحمن. وقال ابنُ رشد إن صحَّ فمعناه في الأجر والثَّواب.