168 - (حَدَّثَنَا حَفْصُ) بالحاء والصاد المهملتين (ابْنُ عُمَرَ) ابن الحارث بن سَخْبَرة _ بفتح المهملة وسكون المعجمة وفتح الموحدة وبالراء _، أبو عمرو الأزدي الحوضي البصري، كان أبيض الرأس واللحية.
قال أحمد هو ثبت متقن لا يؤخذ عليه حرف، مات بالبصرة سنة خمس وعشرين ومائتين، وليس في البخاري حفص بن عمر غيره.
(قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ابن الحجاج (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَشْعَثُ) بفتح الهمزة وسكون المعجمة وفتح المهملة آخره ثاء مثلثة (ابْنُ سُلَيْمٍ) بالتصغير، هو من ثقات شيوخ الكوفيين، مات سنة خمس وعشرين ومئة.
(قَالَ سَمِعْتُ أَبِي) يعني سليم بن الأسود المُحاربي _ بضم الميم _، الكوفي أبو الشعثاء، وشهرته بكنيته أكثر من اسمه، هو تابعي كبير، سُئِل عنه أبو حاتم فقال هو لا يُسأل عنه؛ أي لشهرة ثقته، مات سنة اثنتين وثمانين بعد الجماجم.
(عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع الكوفي أبو عائشة، أسلم قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وأدرك الصدر الأول من الصحابة، وكانت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قد تبنَّت مسروقًا فسمى ابنته عائشة فكني بأبي عائشة، وقد مرَّ في باب علامات المنافق [خ¦34] (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها.
ورجال هذا الإسناد ما بين بصري وكوفي، وفيه رواية الابن عن الأب، وفيه كبيران قرينان من أتباع التابعين وهما أشعث وشعبة، وكبيران قرينان من كبار التابعين وهما سليم ومسروق، وقد أخرج متنه المؤلِّف في الصلاة [خ¦426] ، وفي اللباس [خ¦5926] ، وفي الأطعمة أيضًا [خ¦5380] ، وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه في الطهارة، وأخرجه أبو داود في اللباس، والترمذي في آخر الصلاة.
(قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبُهُ) بضم الباء، من الإعجاب، يقال أعجبني هذا الشيء لحسنه، والعجيب الأمر الذي يُتعجب منه، وكذلك العُجَّاب بالضم والتخفيف، وبالتشديد أكثر منه، وكذلك الأعجوبة وعجبت من كذا
ج 2 ص 122
وتعجبت منه، واستعجبت بمعنى، والمصدر العَجَب بفتحتين، وأما العُجْب _ بضم العين وسكون الجيم _ فهو اسم من أعجب فلان بنفسه فهو مُعجب، وأما العَجْب _ بفتح العين وسكون الجيم _ فهو أصل الذَنَب.
(التَّيَمُّنُ) وهو لفظ مشترك بين الابتداء باليمين وبين تعاطي الشيء باليمين، وبين التبرك وبين قصد اليمين كما مرَّ، ولكن القرينة دلت على أن المراد هنا المعنى الأول، قيل وإنما كان يعجبه ذلك؛ لأنه كان يُحب الفَأْل الحَسَن إذ أصحاب اليمين أهل الجنة (فِي تَنَعُّلِهِ) أي في لبس نعله، وهو بفتح المثناة الفوقية والنون وتشديد العين المهملة.
وهكذا ذكره الحميدي والحافظ عبد الحق في كتابيهما (( الجمع بين الصحيحين ) )، وفي رواية مسلم «في نعله» على إفراد النعل، وفي بعض الروايات «في نعليه» بالتثنية، وقال النووي وهما صحيحان ولم يُرَ في شيء من نسخ بلادنا غير هذين الوجهين، وقال محمود العيني الروايات كلها صحيحة.
(وَ) في (تَرَجُّلِهِ) أي تمشيطه الشَّعْر وهو تسرِيحُه أعم من أن يكون في الرأس أو في اللحية، وقال الحافظ العسقلاني هو تسريحه ودَهْنُه، وقال محمود العيني اللفظ لا يدل على الدُّهن، فهذا التفسير من عنده ولم يفسره أهل اللغة بذلك.
وفي (( المُغْرِب ) )للمُطرِّزي رَجَّلَ شَعْرَه أرسله بالمِرْجَل وهو المشط، وكذا المِسرح _ بكسر الميم فيهما _، وترجَّل فعل ذلك بنفسه، ويقال شعر رَجَل _ بفتحتين _، ورَجِل _ بفتحة فكسرة _، ورَجْل _ بفتحة فسكون _ وهو السُبُوطَة والجُعُودة.
(و) في (طُهُورِهِ) بضم الطاء ويجوز فتحها، وهو بالضم والفتح مشترك بين المعنيين الفعل المصدري والماء الذي يتطهر به، والمراد هنا هو الأول؛ أي في غسله ووضوئه فيبتدئ بالشق الأيمن وباليمنى من اليدين والرجلين.
وفي (( سنن أبي داود ) )من حديث أبي هريرة مرفوعًا «إذا توضأتم فابدؤوا بميامنكم» ، وفي رواية المؤلِّف في الصلاة [خ¦426] عن سليمان بن حرب عن شعبة «ما استطاع» ، وفي رواية لأبي داود «كان يحب التيامن ما استطاع في شأنه» فنبَّه على المحافظة على ذلك ما لم يمنع مانع، وفي رواية ابن حبان «كان يحب التيامن في كل شيء حتى في التَّرَجل والانتعال» ، وفي رواية ابن منده «كان يحب
ج 2 ص 123
التيامن في الوضوء والانتعال».
(فِي شَأْنِهِ [1] كُلِّهِ) بدل من الثلاثة المذكورة قبله بَدَلَ الاشتمال، والشرط في بدل الاشتمال أن يكون المبدل منه مشتملًا على الثاني أو متقاضيًا له بوجهٍ ما، وهاهنا كذلك على ما لا يخفى، وإذا لم يكن المُبْدل منه مشتملًا على الثاني يكون بَدَلَ الغَلط.
وإنما قيل لهذا بدل الاشتمال من حيث اشتمال المتبوع على التابع لا كاشتمال الظرف على المظروف بل من حيث كونُه دالًا عليه إجمالًا ومتقاضيًا له بوجه ما.
قال محمود العيني والعَجَب من الكِرماني حيث ينفي [2] كونه بدل الاشتمال لكون الشرط أن يكون بينهما ملابسة بغير الجزئية والكلية، وذلك الشرط هاهنا [3] مُنْتَفٍ، ثمَّ يقول إنَّه بدل الاشتمال، والملابسة بغير الجزئية والكلية موجودة هنا؛ إذ المراد بانتفاء الجزئية والكلية بينهما أن لا يكون الثاني عين الأول ولا بعضًا منه كما في بدل الكل وبدل البعض، وهذا بعكس ذلك؛ إذ الأول بعض الثاني، ومع هذا قوله لكون الشرط ... إلى آخره ليس على الإطلاق؛ لأنه يدخل فيه بعض بدل [4] الغلط نحو جاءني زيدٌ غُلامه، أو حماره، ولقيت زيدًا أخاه، ولا شك في كون كلِّ منهما بدل الغلط هذا.
قال العيني ومن العَجَبِ أيضًا أنه قال ولا يجوز أن يكون بدل الغلط؛ لأنه لا يقع في فصيح الكلام ثمَّ قال أو هو بدل الغلط، وقد يقع في فصيح الكلام قليلًا ولا منافاة بين الغلط والبلاغة قلتُ نعم لا يقع بدل الغلط الصرف ولا بدل النسيان في كلام البلغاء، وإنما يقع بدل البَدَاء في كلام الشعراء للمبالغة والتفنن وهو؛ أي بدل البَدَاء أن يذكر المُبدل منه عن قصد وتعمد، ثمَّ يتدارك بالثاني، وأما بدل الغلط الصَرْف فهو بدل غلط صريح كما إذا أردت أن تقول جاءني حمار فسبقك لسانك إلى رجل، ثمَّ تداركت الغلط فقلت حمار، وبدل النسيان أن تتعمد ذكر ما هو غلط ولا يسبقك لسانك إلى ذكره، لكن تنسى المقصود، ثمَّ بعد ذلك تتداركه بذكر المقصود.
فمن هذا عرفت أن أنواع بدل الغلط ثلاثة، هذا، وأنت خبير بأن الكِرماني إنما نفى كونه بدل الاشتمال، وكذا كونه بدل الغلط أولًا على وجه الاستشكال، ثمَّ أثبت [5] كونه كذلك على وجه إزالة الإشكال، وكذا نفى أولًا كونه بدل الكل من الكل،
ج 2 ص 124
ثمَّ أثبت كونه كذلك حيث قال فيه غموض؛ لأن ظاهره البدل بإعادة العامل، ولا يصح أن يكون بدل الكل من الكل؛ لأن الشأن أعم من هذه الثلاثة، ولا بدل البعض؛ لأنه ليس بعضًا من المتقدم، ولا بدل الاشتمال؛ إذ يشترط أن يكون بينهما ملابسة بغير الجزئية والكلية، وهاهنا الشرط مُنْتَفٍ، ولا بدل الغلط؛ لأنه لا يقع في فصيح الكلام.
فإن قلت فما قولك فيه؟ قلت هو بدل الاشتمال، ومرادهم بانتفاء الجزئية والكلية بينهما هما المذكورتان في بدل الكل وبدل البعض وهو أن لا يكون الثاني عين الأول ولا بعض الأول.
ثمَّ قال أو هو بدل الكل من الكل إذ الطهور مفتاح أبواب العبادات كلها، والتَّرجل يتعلق بالرأس والتنعل بالرِجل، فكأنه نبَّه على جميع الأعضاء من الرأس إلى القدم، فيكون كبدل الكل من الكل، أو هو قسم آخر خامس كما أثبَتَه بعضُ النحاة وسمّوه ببدل الكل من البعض وتمسكوا في ذلك بقولهم نظرت إلى القمر فَلَكِهِ، وبقول الشاعر
~نَضَّر اللَّه أَعظُمًا دَفَنُوها بِسجِسْتانَ طَلحَة الطَّلحَاتِ
وإن أمكن الجواب عنهما. هذا، ويمكن أن يُقَدَّر لفظ (يعجبه التيمن) قبل لفظ (في شأنه) فتكون الجملة بدلًا من الجملة، ويقال أيضًا هو عطف على ما تقدم بتقدير الواو من عطف العام على الخاص، وقد جوَّز بعض النحاة تقدير الواو العاطفة إذا قامت قرينة عليه.
ويؤيده رواية أبي الوقت بالواو وهي التي اعتمدها صاحب (( العمدة ) )، أو يقال إنَّ قوله (في شأنه) متعلق بيعجبه، لا بالتيمن؛ أي يعجبه في شأنه كله التيمن في تنعُّلِه إلى آخره؛ أي لا يترك ذلك في سفر ولا في حضر ولا في فراغه ولا شغله ونحو ذلك، قاله الحافظ العسقلاني كالِكرماني.
وتعقَّبه محمود العيني بأنه يلزم منه أن يكون إعجابه التيمن في هذه الثلاثة المخصوصة في حالاته كلها، وليس كذلك، بل كان يعجبه التيمن في كل الأشياء في جميع الحالات، ألا ترى أنه أكد الشأن بمؤكد، والشأن بمعنى الحال والمعنى في جميع حالاته.
ثمَّ إن هذا التأكيد يدل على التعميم، لكن هذا الحكم عامٌ مخصوص بالأدلة الخارجية؛ إذ ما من عام إلا وقد خُصَّ إلا قوله تعالى {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة 282] فيدخل فيه لبس الثوب والسراويل والخُف، ودخول المسجد، والسواك، والصلاة على ميمنة الإمام وميمنة المسجد، والأكل، والشرب، والاكتحال، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، ونتف الإبط، وحلق الرأس، وترجيل الشعر، والسلام من الصلاة، وغسل أعضاء الطهارة، والخروج من الخلاء، والمصافحة، واستلام الحجر الأسود وغير ذلك مما في معناه فيستحب التيامن فيه، ويخرج عنه ما خُصَّ بدليل خارجي
ج 2 ص 125
كدخول الخلاء، والخروج من المسجد، والامتخاط، والاستنجاء، وخلع الثوب والسراويل، والخُفِّ وما أشبه ذلك، فيستحب فيه التياسر؛ لأنه من باب الإزالة، والقاعدة المستمرة في الشرع أنَّ كلَّ ما كان من باب التكريم والتزيين فهو باليمين، وما كان بضده فهو باليسار.
لا يقال حَلْقُ الرأس من باب الإزالة فينبغي أن يبدأ فيه باليسار؛ لأنه من باب التزيين، وقد ثَبَتَ فيه الابتداء باليمين كما سيأتي إن شاء الله تعالى [خ¦171] ، هذا ويمكن أن يقال حقيقة الشأن ما كان مقصودًا وما يستحب فيه التياسر ليس من الأفعال المقصودة، بل هي إما تُرُوكٌ وإما غير مقصودة.
ففي الحديث شرف اليمين، وقد مر في معنى الحديث السابق [خ¦167] ، وقد قال صلى الله عليه وسلم «لا يبصق أحد في المسجد عن يمينه» ، وفيه استحباب البداية باليمنى في الوضوء، قال النووي وأجمع العلماء على أن تقديم اليمين في الوضوء سنة، من خالفها فاته الفضل وتم وضوءه. انتهى.
ومراده بالعلماء أهل السنة، وإلا فمذهب الشيعة الوجوب، وغَلِطَ المرتضى الشيعي فنَسَبَه إلى الشافعي، وكأنه ظن أن ذلك لازم من قوله بوجوب الترتيب لكنه لم يَقُل بذلك في اليدين ولا في الرجلين؛ لأنهما بمنزلة العضو الواحد، ولأنهما جُمِعَا في لفظ القرآن لكن يُشْكِل على أصحابه حُكْمُهم على الماء بالاستعمال إذا انتقل من يد إلى يد مع قولهم بأن الماء ما دام مترددًا على العضو لا يُسمى مستعملًا.
وقد صحَّف العُمْرَاني في (( البيان ) )والبَنْدَنِيجي في (( التجريد ) )الشيعة بالشين المعجمة بالسبعة بالمهملة من العدد فنسبا القول بالوجوب إلى الفقهاء السبعة، وفي كلام الرافعي أيضًا ما يُوهِم أن أحمد قال بوجوبه، ولا يعرف ذلك منه.
بل قال الشيخ الموفق في (( المغني ) )لا نعلم في عدم الوجوب خلافًا، وقال ابن المنذر أجمعوا على أن لا إعادة على من بدأ بيساره في وضوئه قبل يمينه، وروينا عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما أنهما قالا «لا تبالي بأيٍّ بدأت» ، وزاد الدارقطني أبا هريرة رضي الله عنه، وأما ما رواه أبو داود والترمذي بإسناد جيد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال «إذا توضأتم فابدؤوا بميامنكم» ، وفي أكثر طرقه «بأيامِنِكم» جمع أيمن إذا لبستم، وإذا توضأتم، فالأمر فيه للاستحباب [6] .
ج 2 ص 126
وقال النووي واعلم أن الابتداء باليسار وإن كان مُجْزِئًا فهو مكروه، نصَّ عليه الشافعي في (( الأم ) )، وقال أيضًا ثمَّ اعلم أن من أعضاء الوضوء ما لا يُستحب فيه التيامن وهو الأُذُنان والكفان والخَدَّان، بل يطهران دفعة واحدة، فإن تعذر ذلك كما في حق الأقطع قَدَّم اليمين، ومما روي في هذا الباب أن [7] ابن عمر رضي الله عنهما قال «خير المسجد المَقَام ثمَّ ميامن المسجد» ، وكان سعيد بن المسيَّب يصلي في الشق الأيمن من المسجد، وكان إبراهيم يعجبه أن يقوم عن يمين الإمام، وكان أنس رضي الله عنه يصلي في الشق الأيمن، وكذا عن الحسن وابن سيرين.
[1] في هامش الأصل والشأن الحال، وأصله الشأن بالهمزة الساكنة في وسطه ولكنها سُهِّلت بقلبها ألفًا لكثرة استعماله والشأن أيضًا واحد الشؤون وهي مواصل قبائل الرأس وملتقاها ومنها تجيء الدموع، منه.
[2] في (( خ ) )نفى.
[3] في الأصول بدل (هاهنا) (هنا الشرط) .
[4] بدل ليست في (( خ ) ).
[5] أثبت ليست في (( خ ) ).
[6] في (( خ ) )الاستحباب.
[7] في (( خ ) ) (( عن ) ).