1916 - (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ) على وزن فعَّال بالتشديد (ابْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم وسكون النون، السُّلمي مولاهم الأنماطي، وفي رواية ابن عساكر ، قال (حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بضم الهاء
ج 9 ص 243
وفتح المعجمة، هو ابن بُشَير _ بضم الموحدة وفتح المعجمة _ السُّلمي مولاهم أبو معاوية (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، السلمي أيضًا يُكنى أبا هذيل (عَنِ الشَّعْبِيِّ) بفتح المعجمة وسكون العين، عامر بن شراحيل (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) الصَّحابي (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وفي رواية التِّرمذي (( أخبرني عديُّ بن حاتم ) )وكذا أخرجه ابن خُزيمة عن أحمد بن منيع، وكذا أورده أبو عَوانة من طريق أبي عبد الله عن هشيم عن حصين.
(قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ} عَمَدْتُ) بفتح الميم، ظاهره أنَّ عديًّا كان حاضرًا لمَّا نزلت هذه الآية، وهو يقتضي تقدُّم إسلامه، وليس كذلك؛ لأنَّ نزول فرض الصَّوم كان متقدِّمًا في أوائل الهجرة، وإسلام عديٍّ كان في التاسعة أو العاشرة، كما ذكره ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي.
فإمَّا أن يقال إنَّ الآية التي في حديث الباب تأخَّر نزولها عن نزول فرض الصَّوم، وهو بعيد جدًا، وإمَّا أن يؤول قول عديٍّ هذا على أنَّ المراد بقوله لمَّا نزلت؛ أي لما تليت علي عند إسلامي، أو لمَّا بلغني نزول الآية. أو في السِّياق حذفٌ تقديرُه لمَّا نزلت الآية، ثمَّ قدمت فأسلمت وتعلَّمت الشَّرائع عمدت، وهذا أحسن الوجوه.
ويؤيِّده ما رواه أحمد من طريق مجالد بلفظ علَّمني رسول الله صلى الله عليه وسلم الصَّلاة والصِّيام، فقال (( صلِّ كذا، وصم كذا، فإذا غابت الشَّمس فكل حتَّى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود ) )قال فأخذت خيطين. الحديثَ.
(إِلَى عِقَالٍ) بكسر العين المهملة وبالقاف، وهو الحبلُ الذي يعقلُ به البعير، والجمع عقل، وفي رواية مجالد (( وجدت خيطين من شعر ) ) (أَسْوَدَ وَإِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي) الوساد والوسادة المخدَّة، والجمع وسائد ووسد.
(فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ) أي إليهما (فِي اللَّيْلِ فَلاَ يَسْتَبِينُ لِي) أي فلا يظهر لي، وفي رواية مجالد (( فلا أستبين الأبيض من الأسود ) ).
(فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ) وفي رواية (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِنَّمَا ذَلِكَ) أي المذكور من قوله {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ}
ج 9 ص 244
(سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ) وفي رواية البخاري في التفسير [خ¦4509] قال أخذ عديٌّ عقالًا أبيض وعقالًا أسود حتَّى إذا كان بعض اللَّيل نظر فلم يَسْتبِينا، فلمَّا أصبح قال يا رسول الله! ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود أهما الخيطان؟ قال (( إنَّك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين، ثمَّ قال لا، بل هو سواد اللَّيل وبياض النَّهار ) ). وفي رواية مسلم قال يا رسول الله! إنِّي جعلت تحت وسادتي عقالين؛ عقالًا أبيض وعقالًا أسود أعرف اللَّيل من النَّهار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إن وسادك لعريض، إنَّما هو سواد اللَّيل وبياض النَّهار ) ). وفي رواية أبي داود قال أخذت عقالًا أبيض وعقالًا أسود، فوضعتها تحتَ وسادتي، فنظرتُ فلم أتبيَّن، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك وقال (( إنَّ وسادك إذًا لعريض طويل، بل إنَّما هو اللَّيل والنَّهار ) ). وفي لفظ (( إنَّما هما سواد اللَّيل وبياض النَّهار ) ). وفي رواية أبي عَوانة من طريق إبراهيم بن طهمان عن مطرف فضحك وقال (( لا يا عريضَ القفا ) ).
قال الخطَّابي في «المعالم» في قوله (( إنَّ وسادك لعريض ) )قولان أحدهما يريد إنَّ نومك لكبير، وكنَّى بالوساد عن النَّوم؛ لأنَّ النَّائم يتوسَّد، أو أراد إنَّ ليلك لطويل إذا كنت لا تمسك عن الأكل حتَّى يتبيَّن لك العقال.
والقول الآخر أنَّه كنَّى بالوساد عن الموضع الذي يضعه من رأسه وعنقه على الوسادة إذا نام. ويشهد له الرِّواية التي فيها (( إنَّك لعريض القفا ) ) [خ¦4510] فإن عرض القفا كناية عن السِّمن، ويكنَّى عن الأبله بعريض القفا، فإن عرض القفا وعظم الرَّأس إذا أفرطا قيل إنَّه دليل الغباوة والحماقة، تقول العرب فلان عريض القفا، إذا كانت فيه غباوة وغفلة. وهذا كما أنَّ استواءه دليل علو الهمَّة وحسن الفهم، فهذا من قبيل الكناية، أو المجاز على المذهبين.
هذا؛ وجزم الزَّمخشري بالتَّأويل الثاني حيث قال إنَّما عرض النَّبي صلى الله عليه وسلم قفا عدي رضي الله عنه؛ لأنَّه غفل عن البيان، وتعريض القفا ممَّا يستدلُّ به على قلَّة الفطنة، وأنشد في ذلك شعرًا قال وأنشدتني بعض البدويات لبدوي
~عَرِيضُ القَفَا مِيزَانُهُ فِي شِمَالهِ قدِ انحَصَّ مِن حسْبِ القَرَارِيطِ شَاربُهْ
ج 9 ص 245
وقد أنكر ذلك غير واحد، منهم القرطبي فقال حمله بعض النَّاس على الذَّم له على ذلك الفهم، وكأنَّهم فهموا أنَّه نسبه إلى الجهل والجفا وعدم الفقه، وعضدوا ذلك بقوله (( إنَّك لعريض القفا ) )وليس الأمر على ما قالوه؛ لأنَّ من حمل اللَّفظ على حقيقته اللِّسانيَّة التي هي الأصل، إذا لم يتبيَّن له دليل التَّجوُّز لم يستحق ذمًا ولا يُنسب إلى جهل.
وإنَّما عنى _ والله أعلم _ إنَّ وسادك إن كان يغطي الخيطين اللَّذين أراد الله تعالى فهو إذًا عريضٌ واسع، ولهذه قال في إثر ذلك (( إنَّما هو سواد اللَّيل وبياض النَّهار ) )فكأنَّه قال فكيف يدخلان تحت وسادتك؟.
وقوله إنَّك لعريض القفا؛ أي إنَّ الوساد الذي يغطِّي اللَّيل والنَّهار لا يرقد عليه إلَّا قفًا عريضٌ للمناسبة. وقد ترجم ابن حبَّان عليه ذِكْرُ البيانِ بأنَّ العرب تتفاوت لغاتها.
وأشار بذلك أنَّ عديًّا رضي الله عنه لم يعرف في لغته أنَّ سواد اللَّيل وبياض النَّهار يعبَّر عنهما بالخيط الأسود والخيط الأبيض، وساق هذا الحديث.
وقال ابن المنيِّر في «الحاشية» في حديث عديٍّ جوازُ التَّوبيخ بالكلام النَّادر الذي يسير، فيصير مثلًا بشرط صحة القصد، ووجود الشَّرط عند أمن الغلو في ذلك فإنَّه مزلة قدم إلَّا من عصمه الله تعالى.
فإن قيل قوله تعالى {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} [البقرة 187] من باب الاستعارة أم من باب التَّشبيه؟.
فالجواب أنَّ قوله {مِنَ الْفَجْرِ} أخرجه من باب الاستعارة كما مرَّ نقلًا عن الزَّمخشري.
فإن قيل الاستعارة أبلغ فلم عدل إلى التَّشبيه؟.
فالجواب أنَّ التَّشبيه الكامل أولى من الاستعارة النَّاقصة، وهي ناقصة لفوات شرط حسنها، وهو أن يكون التَّشبيه بين المستعار له، والمستعار منه جليًا بنفسه معروفًا بين سائر الأقوام، وهذا قد كان مشتبهًا على بعضهم كما عرفت.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف في التفسير أيضًا [خ¦4511] ، وأخرجه مسلم في الصَّوم، وكذا أبو داود، والتِّرمذي وقال حسن صحيح.