فهرس الكتاب

الصفحة 3002 من 11127

1917 - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن محمَّد بن الحكم بن أبي مريم الجمحي، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي، عبد العزيز (عَنْ أَبِيهِ)

ج 9 ص 246

أبي حازم سلمة بن دينار (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون الهاء والعين، السَّاعدي (ح) للتحويل من سند إلى آخر.

(وحَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) المذكور سابقًا، قال (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ) بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة (مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ) بضم الميم وفتح المهملة وكسر الراء المشددة.

فعُلِم أنَّ شيخه يروي عن شيخين أحدهما ابن أبي حازم، والآخر أبو غسَّان، وأخرجه في التَّفسير عن أبي غسان وحده [خ¦4511] . وكذا أخرجه مسلم وابن أبي حاتم وأبو عَوانة والطَّحاوي في آخرين من طريق سعيد شيخ البخاري عن أبي غسان وحده، ولفظ المتن له.

(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو حَازِمٍ) سلمة بن دينار (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ أُنْزِلَتْ {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ} وَلَمْ يَنْزِلْ) قوله تعالى ( {مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة 187] ) (فَكَانَ) بالفاء، وفي رواية أبي الوقت بالواو (رِجَالٌ) قال الحافظ العسقلاني لم أقف على تسمية أحد منهم، ولا يحسن أن يفسَّر بعضهم بعديِّ بن حاتم؛ لأنَّ قصَّة عدي متأخِّرة عن ذلك كما سبق [خ¦1917] ويأتي.

(إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلَيْهِ) ويروى بالإفراد (الْخَيْطَ الأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ الأَسْوَدَ) وفي رواية فضيل بن سليمان عن أبي حازم عند مسلم (( لمَّا نزلت هذه الآية جعل الرَّجل يأخذ خيطًا أبيض وخيطًا أسود، فيضعهما تحت وسادته فينظر متى يستبينهما ) ). ولا منافاة بينهما؛ لاحتمال أن يكون بعضهم فعل هذا، وبعضهم فعل هذا، أو يكونوا يجعلونهما تحت الوسادة إلى السَّحر، فيربطونهما حينئذٍ في أرجلهم ليشاهدوهما.

(وَلَمْ يَزَلْ) وفي رواية (يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ) كذا في رواية الأكثرين من التَّبين من باب التفعل، وفي رواية الكشميهني من الاستبانة من باب الاستفعال (رُؤْيَتُهُمَا) بضم الراء وسكون الهمزة وفتح المثناة التحتية وضم المثناة الفوقية، وهو من رأى بالعين. يقال رأى رأيًا ورؤية وراءة مثل راعة فيتعدى إلى مفعول واحد. وفي رواية النسفي بكسر الراء وسكون الهمزة وضم الياء؛ أي منظرهما. ومنه قوله تعالى {أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا} [مريم 74] . وفي رواية مسلم (( زِيِّهما ) )بكسر الزاي وتشديد المثناة التحتية بلا همزة، ومعناه لونها. ويروى (( رئِيِّها ) )بفتح الراء وكسرها وكسر الهمزة وتشديد المثناة التحتية.

ج 9 ص 247

وقال القاضي عياض هذا غلطٌ؛ لأنَّ الرئي التَّابع من الجن؛ لترائيه بمن معه من الإنس، فلا معنى له هنا، فإن صحَّت به الرِّواية فيكون معناه مرئيهما.

(فَأَنْزَلَ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ (بَعْدُ) بضم الدال؛ أي بعد نزول {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} قوله ( {مِنَ الْفَجْرِ} ) .

قال القرطبي حديث عدي رضي الله عنه يقتضي أنَّ قوله {مِنَ الْفَجْرِ} ، نزل متَّصلًا بقوله {مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ} بخلاف حديث سهل فإنَّه ظاهر في أن قوله {مِنَ الْفَجْرِ} نزلَ بعد ذلك؛ لدفع ما وقع لهم من الإشكال. قال وقد قيل إنَّه كان بين نزولهما عامٌ كامل.

قال فأمَّا عديٌّ فحمل الخيط على حقيقته، وفهم من قوله {مِنَ الْفَجْرِ} من أجل الفجر، ففعل ما فعل. قال والجمع بينهما أنَّ حديث عديٍّ رضي الله عنه متأخِّر عن حديث سهل، فكأنَّ عديًّا لم يبلغْه ما جرى في حديث سهل، وإنَّما سمع الآية مجرَّدة ففهمها على ما وقع له، وعلى هذا فيكون {مِنَ الْفَجْرِ} متعلِّقًا بقوله {يَتَبَيَّنَ} ، فبيَّن له النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّ المراد بقوله {مِنَ الْفَجْرِ} ليس أن ينفصل أحدُ الخيطين عن الآخر، وأن قوله {مِنَ الْفَجْرِ} متعلِّق بقوله {يَتَبَيَّنَ} بل المراد بهما بياض النَّهار وسواد اللَّيل.

وقوله {مِنَ الْفَجْرِ} متعلِّق بمحذوف في موضع الحال. قال ويحتمل أن تكون القصَّتان في حالة واحدة، وأنَّ بعض الرُّواة عند مسلم؛ يعني في قصَّة عدي تلا الآية تامَّة كما ثبت في القرآن، وإن كان قد نزل قوله {مِنَ الْفَجْرِ} منفردًا كما في حديث سهل.

قال الحافظ العسقلاني وهذا الثَّاني ضعيفٌ؛ لأنَّ قصَّة عدي متأخِّرة لتأخُّر إسلامه. وقد روى ابن أبي حاتم من طريق أبي أسامة، عن مجالد في حديث عديٍّ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال له لمَّا أخبره بما صنع (( يا بن حاتم، ألم أقل لك {مِنَ الْفَجْرِ} ) ).

وللطَّبراني من وجه آخر عن مجالد وغيره فقال عديٌّ يا رسول الله! كل شيء أوصيتني قد حفظته غير الخيط الأبيض من الخيط الأسود، إنِّي بتُّ البارحة معي خيطان أنظر إلى هذا وإلى هذا، قال (( إنَّما هو الذي في السَّماء ) ). فتبيَّن أن قصَّة عدي مغايرة لقصَّة سهل.

فأما من ذُكِر في حديث سهل فحملوا الخيط على ظاهره، فلمَّا نزل {مِنَ الْفَجْرِ} علموا المراد، فلذلك قال سهل في حديثه

(فَعَلِمُوا) أي الرِّجال (أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي) بقوله الخيط الأبيض من الخيط الأسود (اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) وفي رواية ابن عساكر . وأمَّا عدي فكأنَّه لم يكن في لغة قومه استعارة الخيط للصُّبح، وحمل قوله {مِنَ الْفَجْرِ} على معنى السببيَّة،

ج 9 ص 248

وظنَّ أن الغاية تنتهي إلى أن يظهر تمييز أحدهما عن الآخر لضياء الفجر، أو نسي قوله {مِنَ الْفَجْرِ} حتَّى ذكَّره بها النَّبي صلى الله عليه وسلم.

فمعنى الآية حتَّى يظهر بياض النَّهار من سواد اللَّيل، وهذا البيان يحصل بطلوع الفجر الصَّادق، ففيه دلالة على أنَّ ما بعد الفجر من النَّهار.

وقال الطَّحاوي فلمَّا كان حكم هذه الآية قد أشكلَ على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى بيَّن الله لهم من ذلك ما بيَّن، وحتَّى أنزل {مِنَ الْفَجْرِ} بعد ما كان قد أنزل {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} ، فكان الحكم أن يأكلوا ويشربوا حتَّى يتبيَّن لهم، حتَّى نسخ الله عزَّ وجلَّ بقوله {مِنَ الْفَجْرِ} على ما بيَّنه سهل رضي الله عنه في حديثه. انتهى.

وقال الطَّحاوي والدَّاودي واستدلا على ذلك بما نقل عن حذيفة وغيره من جواز الأكل إلى الإسفار، قالا ثمَّ نسخ بعد ذلك بقوله {مِنَ الْفَجْرِ} . ويؤيِّده ما رواه عبد الرَّزَّاق بإسناد رجاله ثقات أنَّ بلالًا أتى النَّبي صلى الله عليه وسلم وهو يتسحَّر فقال الصَّلاة يا رسول الله قد والله أصبحت، فقال (( يرحم الله بلالًا، لولا بلال لرجونا أن يرخِّص لنا حتَّى تطلع الشَّمس ) ).

وقال القاضي عياض وتبعه النَّووي وليس المراد أن هذا كان حكم الشَّرع، ثمَّ نسخ بقوله {مِنَ الْفَجْرِ} كما أشار إليه الطَّحاوي والدَّاودي، وإنَّما المراد أن ذلك فعله، وتأوَّله من لم يكن ملازمًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو من الأعراب، ومن لا فقه عنده كالرِّجال الذين حكى عنهم سهل رضي الله عنه، أو لم يكن من لغته استعمال الخيط في اللَّيل والنَّهار كعديٍّ رضي الله عنه.

فإن قيل كيف جاز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو يشبه العبث؛ لأنَّه قبل نزول قوله {مِنَ الْفَجْرِ} لا يفهم منه إلَّا الحقيقة وهي غير مرادة؟.

فالجواب أنَّ البيان كان موجودًا فيه، لكن على وجه لا يدركه جميع النَّاس، وإنَّما كان على وجه يختصُّ به أكثرهم، أو بعضهم، وليس يلزم أن يكون البيان مكشوفًا في درجة يطَّلع عليه كلُّ أحد، ألا ترى أنَّه لم يقع فيه إلَّا عدي وأمثاله.

ويقال كان استعمالُ الخيطين في اللَّيل والنَّهار شائعًا غير محتاج إلى البيان، وكان ذلك اسمًا لسواد اللَّيل وبياض النَّهار في الجاهليَّة قبل الإسلام. قال أبو داود الإيادي

ج 9 ص 249

~وَلمَّا أَضَاءتْ لَنَا ظُلْمةٌ ولَاحَ مِن الصُّبحِ خَيطٌ أنَارَا

فاشتبه على بعضهم فحملوه على ظاهره.

وأجاب عنه الزَّمخشري بأنَّ من لا يجوز ذلك وهم أكثر الفقهاء والمتكلِّمين لم يصح عندهم حديث سهل، وأمَّا من يجوِّزه فيقول ليس بعبث؛ لأنَّ المخاطب يستفيد منه وجوب الخطاب، ويعزم على فعله إذا استوضح المراد به. انتهى.

ونَقْلُه نفيَ التَّجويز عن الأكثر فيه نظرٌ كما سيأتي، وجوابه عنهم بعدم صحَّة الحديث مردودٌ لم يقل به أحد من الفريقين؛ لأنَّه ممَّا اتَّفق عليه الشَّيخان على صحَّته، وتلقَّته الأمة بالقبول، وفي تأخير البيان عن وقت الحاجة خلافٌ مشهورٌ بين العلماء من المتكلِّمين وغيرهم.

وقد حكى ابن السَّمعاني في أصل المسألة عن الشَّافعية أربعة أوجه

الجواز مطلقًا عن ابن سريج والإصطخري وابن أبي هريرة وابن خيران.

والمنع مطلقًا عن أبي إسحاق المروزي والقاضي أبي حامد والصَّيرفي.

ثالثها جواز تأخير بيان المجمل دون العام.

رابعها عكسه، وكلاهما عن بعض الشَّافعية.

وقال ابن الحاجب تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع إلَّا عند مجوِّز تكليف ما لا يطاق، وهم الأشاعرة فيجوزونه، وأكثرهم يقولون لم يقع. قال شارحه والخطاب المحتاج إلى البيان ضربان

أحدهما ما له ظاهر، وقد استعمل في خلافه.

والثَّاني ما لا ظاهر له؛ فقال طائفة من الحنفيَّة والمالكيَّة وأكثر الشَّافعية يجوز تأخيره عن وقت الخطاب، واختاره الفخر الرَّازي وابن الحاجب، ومال بعض الحنفيَّة والحنابلة كلهم إلى امتناعه. وقال الكرخي ممتنع في غير المجمل، فليتأمَّل.

وقال القاضي عياض يستفاد من هذا الحديث وجوب التوقُّف عن الألفاظ المشتركة، وطلب بيان المراد منها، وأنَّها لا تحمل على أظهر وجوهها، وأكثر استعمالاتها إلَّا عند عدم البيان.

وقال ابن بزيزة في «شرح الأحكام» ليس هذا من باب تأخير بيان المجملات؛ لأنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم عملوا أولًا على ما سبق إلى أفهامهم بمقتضى اللِّسان، فعلى هذا فهو من باب تأخير ما له ظاهر أريد به خلاف ظاهره.

هذا؛ وكلامه هذا يقتضي أنَّ جميع الصَّحابة رضي الله عنهم فعلوا ما نقله سهل بن سعد رضي الله عنه، وفيه نظر. واستدلَّ بالآية والحديث على أنَّ غاية الأكل والشُّرب طلوع الفجر، فلو طلع الفجر وهو

ج 9 ص 250

يأكل، أو يشرب، فنزع تمَّ صومه، وفيه اختلاف بين العلماء.

ولو أكل ظانًّا أنَّ الفجر لم يطلع لم يفسدْ صومه عند الجمهور؛ لأنَّ الآية دلَّت على الإباحة إلى أن يحصل التبيُّن. وقد روى عبد الرَّزَّاق بإسنادٍ صحيح عن ابن عبَّاس رضي الله عنها قال أحلَّ الله لك الأكل والشُّرب ما شككت. ولابن أبي شيبة عن أبي بكر وابن عمر رضي الله عنهما نحوه.

وروى ابنُ أبي شيبة من طريق أبي الضُّحى قال سأل رجل ابن عبَّاس رضي الله عنهما عن السُّحور فقال له رجل من جلسائه كل حتَّى لا تشكَّ، فقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما إنَّ هذا لا يقول شيئًا كل ما شككت حتَّى لا تشك.

قال ابن المنذر وإلى هذا القول صار أكثر العلماء. وقال مالك يقضي. وقال ابن بزيزة في «شرح الأحكام» اختلفوا هل يحرم الأكل بطلوع الفجر أم لا، بناء على الخلاف المشهور في مقدمة الواجب. وسيأتي بقيَّة هذا البحث في الباب الذي يليه إن شاء الله تعالى. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف في التفسير أيضًا [خ¦4511] ، وكذا النَّسائي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت