فهرس الكتاب

الصفحة 3010 من 11127

1922 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكي، قال (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) تصغير جارية، وهو جويرية بن أسماء الضَّبعي البصري، وهو من الأسماء المشتركة بين الذُّكور والإناث (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) هو ابن عمر (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وعن أبيه (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاصَلَ) بين الصَّومين من غير إفطار باللَّيل بينهما (فَوَاصَلَ النَّاسُ) أيضًا تبعًا له صلى الله عليه وسلم (فَشَقَّ عَلَيْهِمْ) ذلك الوصال لمشقَّة الجوع والعطش (فَنَهَاهُمْ) عن الوصال؛ لما رأى من المشقَّة عليهم نهي إرشاد، أو نهيَ تحريم، كما سيجيء تفصيله إن شاء الله تعالى [خ¦1922] (قَالُوا إِنَّكَ تُوَاصِلُ) وفي رواية ابن عساكر (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ) أي ليست حالي مثل حالكم، ويقال لفظ الهيئة زائد؛ أي لست كأحدكم (إِنِّي أَظَلُّ) بفتح الهمزة والظاء المعجمة المشالة؛ أي القائمة، من ظلَّ يظلُّ، يقال ظللت أعمل كذا بالكسر ظلولًا إذا عملتَه بالنَّهار دون اللَّيل.

فإن قيل إذا كان لفظ ظلَّ لا يكون إلَّا بالنَّهار، فكيف يكون المعنى هنا؟.

فالجواب أنَّه هنا بمعنى صار، قال تعالى {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا} [النحل 58] . ويجوز أيضًا إرادة الوقت المطلق لا المقيَّد بالنَّهار، ويؤيِّده ما جاء في الرِّواية الأخرى لفظ (( أبيت ) ) [خ¦1961] ، ويجوز أن يكون ظلَّ على بابه، ويكون المعنى إنِّي أظلُّ.

(أُطْعَمُ وَأُسْقَى) أي أعطى قوَّة الطَّاعم والشَّارب، وذلك لأنَّ الله تعالى يفيضُ عليه ما يسدُّ مسدَّ طعامه وشرابهِ من حيث إنَّه يشغله عن إحساس الجوع والعطش، ويقويِّه على الطَّاعة، ويحرسُه عن تحليلِ يفضي إلى ضعفِ القوى، وكلال الحواس، فهو مجازٌ عن لازم الطَّعام والشَّراب وهو القوَّة، أو هو حقيقة، ومحمولٌ على ظاهره بأن يرزقَهُ الله طعامًا وشرابًا من الجنَّة ليالي صيامه كرامةً له صلى الله عليه وسلم.

قال النَّووي والصَّحيح هو الأوَّل؛ لأنَّه لو أكلَ حقيقةً لم يكن مواصلًا.

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ طعام الجنَّة وشرابها ليس كطعام الدُّنيا وشرابها، فلا يقطعُ الوصال. وقال الكرماني أيضًا والثَّاني أيضًا صحيحٌ، وكأنَّه قال إنِّي أيضًا لست بمواصل، لكن لا على صورة طعامكم وسقيكم، لكنَّه على هذا لا يكون ظلَّ على بابه، فافهم.

ثمَّ الحكمة في النَّهي عن

ج 9 ص 261

الوصال أنَّه يورث الضَّعف والعجز عن المواظبة على كثيرٍ من وظائفِ العبادات والقيام بحقوقها. وللعلماء فيه اختلاف في أنَّه نهي تحريمٍ أو تنزيه، والظَّاهر هو الأوَّل.

فإن قيل جاء الوصالُ عن جماعة من الصَّحابة رضي الله عنهم وعن غيرهم، ففي كتاب «الأوائل» للعسكري كان ابن الزُّبير رضي الله عنهما يواصلُ خمسة عشر يومًا حتَّى تيبسَ أمعاؤه، فإذا كان يوم فطرهِ أتي بسمنٍ وصبر، فتحسَّاه حتَّى لا تتفتَّق الأمعاء.

وعن عامر بن عبد الله بن الزُّبير أنَّه كان يواصل ليلة ست عشرة، وليلة سبعة عشر من رمضان لا يفرق بينهما، ويفطر على السَّمن، فقيل له فقال السَّمن يبلُّ عروقي، والماء يخرجُ من جسدي.

فالجواب أنَّه قال ابنُ عبد البر أجمع العلماء على أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال. واختلفوا في تأويله فقيل نهى عنه رفقًا بهم، فمن قدر على الوصال، فلا حرجَ عليه؛ لأنَّه لله عزَّ وجلَّ يدع طعامه وشرابه. وكان عبد الله بن الزُّبير وجماعة يواصلون الأيَّام، وكان أحمد وإسحاق لا يكرهان الوصال من سحرٍ إلى سحرٍ لا غير.

وكره أبو حنيفة ومالك والشَّافعي وجماعة من أهل الأثر الوصال على كلِّ حالٍ لمن قوي عليه ولغيره، ولم يجيزوا الوصال لأحدٍ لحديث الباب.

وقال الخطَّابي الوصالُ من خصائصِ النَّبي صلى الله عليه وسلم، ومحظور على أمَّته. وذهب أهل الظَّاهر إلى تحريمه.

وفي «شرح المهذَّب» أنَّه مكروه كراهة تحريم، وقيل كراهة تنزيه، كما مرَّ.

وقال الطَّبري روي عن بعض الصَّحابة رضي الله عنهم وغيرهم ترك الأكل أيَّامًا ذوات عدد، وكان ذلك منهم على أنحاء شتَّى. فمنهم من كان ذلك منه لقدرته عليه، فيصرف فطره إلى أهل الفقر والحاجة. ومنهم من كان يفعله استغناء عنه، أو كانت نفسه قد اعتادته، كما روى الأعمش عن التَّيمي أنَّه قال ربَّما ألبث ثلاثين يومًا ما أطعم من غير صوم، وما يمنعني ذلك من حوائجي.

وقال الأعمش كان إبراهيم التَّيمي يمكث شهرين لا يأكل، ولكنَّه يشرب شربة من نبيذ. ومنهم من كان يفعله منعًا لنفسه شهوتها ما لم تدعه إليه الضَّرورة، ولا يخاف العجز عن أداء واجب عليه إرادة قهرها، وحملها على الأفضل، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت