1928 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) العنزي البصري الزَّمِن، قال (حَدَّثَنَا) وفي رواية بالإفراد (يَحْيَى) هو ابنُ سعيد القطَّان (عَنْ هِشَامٍ) هو ابنُ عروة (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ح) للتَّحويل من سند إلى آخر.
(وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبي (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ إِنْ كَانَ) كلمة (( إن ) )مخففة من الثقيلة، فتدخل على الجملتين، فإن دخلت على الاسميَّة جاز إعمالها خلافًا للكوفيين، وإذا دخلت على الفعليَّة وجب إهمالها، والأكثر كون الفعل ماضيًا.
(رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُقَبِّلُ) بفتح اللام للتأكيد (بَعْضَ أَزْوَاجِهِ) أرادت نفسها وأمَّ سلمة رضي الله عنهما (وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ ضَحِكَتْ) قال القاضي عياض يحتمل ضحكها التعجُّبَ ممَّن خالف في هذا، أو من نفسها؛ إذ تحدَّثت بمثل هذا الحديث الذي يستحيى من ذكره، لاسيَّما حديث المرأة عن نفسها للرِّجال، ولكنَّها ألجأتها الضَّرورة في تبليغِ العلم إلى ذكرٍ، فتعجب من ضرورة الحال المضطرة لها إلى ذلك، وقد يكون الضَّحك خجلًا لإخبارها عن نفسها بذلك، أو تنبيهًا على أنَّها صاحبة القصَّة؛ ليكون أبلغ في الثِّقة بها، أو مرورًا بمكانها من النَّبي صلى الله عليه وسلم، وبمنزلتها منه، ومحبَّته لها.
وقد روى ابن أبي شيبة، عن شريك، عن هشام فضحكتْ، وظننَّا أنَّها هي. وروى النَّسائي من طريق طلحة بن عبد الله التَّيمي، عن عائشة رضي الله عنها قالت (( أهوى إليَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم ليقبِّلني فقلت إنِّي صائمة، فقال وأنا صائم، فقبَّلني ) ).
وهذا
ج 9 ص 291
يؤيِّد ما مرَّ من أنَّ العبرة في ذلك بالتأثُّر بالمباشرة والتَّقبيل، لا بالتَّفرقة بين الشَّاب والشَّيخ؛ لأنَّ عائشة رضي الله عنها كانت حينئذٍ شابة.
نعم؛ لمَّا كان الشَّباب مظنَّة لهيجان الشَّهوة فرَّق من فرق.
وقال المازريُّ ينبغي أن يعتبرَ حال المقبل، فإن أثارت القبلة منه الإنزال حرمت عليه؛ لأنَّ الإنزال يمنع منه الصَّائم، فكذلك ما أدَّى إليه، وإن كان عنها المذي؛ فمَن رأى القضاء منه قال يحرم في حقِّه، ومن رأى أن لا قضاء قال يُكره، وإن لم تؤدِّ القبلة إلى شيء منها، فلا معنى للمنع منها إلَّا على القول بسدِّ الذَّريعة.
ومن بديع ما روي في ذلك حديث عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أنَّه قال هششتُ فقبَّلت وأنا صائم، فقلت يا رسولَ الله! صنعتُ اليوم أمرًا عظيمًا؛ قبَّلتُ وأنا صائم، قال (( أرأيت لو مضمضت من الماء، وأنت صائم؟ ) )قلت لا بأس، قال (( فمه ) ). رواه أبو داود، والنَّسائي، قال النَّسائي منكر. وصحَّحه ابن خزيمة، وابن حبَّان، والحاكم في «مستدركه» وقال صحيح على شرط الشَّيخين، ولم يخرِّجاه.
قال المازري فأشار إلى فقه بديع، وذلك أنَّ المضمضة لا تنقض الصَّوم، وهي أوَّل الشُّرب ومفتاحه كما أنَّ القبلة من دواعي الجماع ومفتاحه. والشُّرب يفسد الصَّوم كما يفسده الجماع، فكما ثبت عندهم أنَّ أوائل الشُّرب لا يفسد الصِّيام، فكذلك أوائل الجماع.