فهرس الكتاب

الصفحة 3059 من 11127

1953 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) أبو يحيى، هو الحافظُ المعروف بصاعقة لجودة حفظه، مات سنة خمس وخمسين ومائتين، قال (حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو) بن المهلَّب الأزدي، ويعرف بابن الكرماني من قدماء شيوخ البخاري، حدَّث عنه بغير واسطة في أواخر كتاب الجمعة [خ¦936] ، وحدَّث عنه هنا وفي الجهاد [خ¦2877] وفي الصَّلاة [خ¦719] بواسطة، وكان طلبُ معاوية المذكور للحديث وهو كبير، وإلَّا فلو كان طلبه على قدر سنِّه لكان من أعلى شيوخ البخاري، وقد مرَّ في باب إقبال الإمام على النَّاس [خ¦719] .

قال (حَدَّثَنَا زَائِدَةُ) هو ابن قدامة أبو الصَّلت الثَّقفي البكري المشهور، وقد لقيَ البخاري جماعة من أصحابه (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ مُسْلِمٍ) بلفظ اسم الفاعل من الإسلام (الْبَطِينِ) بفتح الموحدة وكسر الطاء المهملة وآخره نون على وزن فعيل، هو مسلم بن أبي عمران، ويقال ابن عمران، يُكنى أبا عبد الله.

وسيأتي أن الحديث جاء من رواية شعبة، عن الأعمش، عن مسلم المذكور، وشعبة لا يحدِّث عن شيوخه الذين ربَّما دلَّسوا إلَّا بما تحقق أنَّهم سمعوه.

(عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ) وفي رواية ابن عساكر (جَاءَ رَجُلٌ) لم يسمَّ الرَّجل. وكذا في رواية مسلم والنَّسائي من رواية زائدة عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما جاء رجل، إلى آخره. وزاد مسلم فقال (( لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟ فقال نعم ) ). وفي رواية أخرى لمسلم من رواية عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس أنَّ امرأة أتت النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال (( إنَّ أمِّي ماتت وعليها

ج 9 ص 418

صوم شهر )) الحديث.

وفي رواية أخرى لمسلم والنَّسائي من رواية عبيد الله بن عمر الرَّقي، عن زيد بن أبي أنيسة، عن الحكم، عن سعيد، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إنَّ أمي ماتت وعليها صوم نذر. الحديثَ.

وفي رواية التِّرمذي عن الأشج ثنا أبو خالد الأحمر، عن الأعمش، عن سلمة بن كهيل ومسلم البطين، عن سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال جاءت امرأة إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقالت إنَّ أختي ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين قال (( أرأيت لو كان على أختك دين أكنت تقضينه؟ ) )قالت نعم، قال (( فحقُّ الله أحق ) ).

(إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أُمِّي) خالف أبو خالد جميع من رواه فقال إنَّ أختي كما ذكر آنفًا. واختلف عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير فقال هشيم عنه ذات قرابة لها، وقال شعبة عنه إنَّ أختها؛ أخرجهما أحمد. وقال حمَّاد عنه ذات قرابة لها إمَّا أختها وإمَّا بنتها. وهذا يشعر بأنَّ التردد فيه من سعيد بن جبير.

(مَاتَتْ، وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ) كذا في أكثر الرِّوايات، وفي رواية ابن جرير (( خمسة عشر يومًا ) )، وفي رواية أبي خالد (( شهرين متتابعين ) ). وروايته هذه تقتضي أن لا يكون الذي عليها صوم شهر رمضان بخلاف رواية غيره، فإنَّها محتملة إلَّا رواية زيد بن أبي أنيسة. فقال إنَّ عليها صوم نذر، وهذا ظاهر في أنَّه غير رمضان، وبيَّن أبو بشر في روايته سبب النَّذر.

فروى أحمد من طريق شعبة عن أبي بشر أنَّ امرأة ركبت البحر فنذرتْ أن تصوم شهرًا، فماتت قبل أن تصومَ فأتت أختها إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، الحديثَ. ورواه أيضًا عن هشيم عن أبي بشر نحوه، وأخرجه البيهقي من حديث حمَّاد بن سلمة.

(فَاقْضِيهِ) بحذف همزة الاستفهام، وفي رواية ابن عساكر بذكرها (عَنْهَا، قَالَ) صلى الله عليه وسلم (نَعَمْ) اقضيه عنها (قَالَ) صلى الله عليه وسلم، وفي رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر سقط الثَّاني (فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى) على البناء للمفعول؛ يعني أنَّ حقَّ العبد يقضى فحقُّ الله أحق بالقضاء.

وهذا الحديث أخرجه مسلم في الصَّوم، وأبو داود في الأيمان

ج 9 ص 419

والنذور، والتِّرمذي في الصَّوم، وكذا النَّسائي وابن ماجه.

(قَالَ سُلَيْمَانُ) أي ابن مهران الأعمش بالإسناد السَّابق (فَقَالَ) وفي رواية أبي الوقت بغير فاء (الْحَكَمُ) بفتحتين، هو ابنُ عتيبة مصغرًا (وَسَلَمَةُ) بالفتحات، هو ابنُ كهيل، مصغر كَهْل، الحضرمي الكوفي.

(وَنَحْنُ جُلُوسٌ) جمع جالس، والجملة حاليَّة، والمراد ثلاثتهم سليمان والحكم وسلمة، والحاصل أنَّ هؤلاء الثلاثة كانوا حاضرين (حِينَ حَدَّثَ مُسْلِمٌ) البطين (بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالاَ) أي الحكم وسلمة (سَمِعْنَا مُجَاهِدًا) هو ابنُ جبير (يَذْكُرُ هَذَا) الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما؛ يعني أنَّ الأعمش سمع هذا الحديث من ثلاثة أنفس في مجلس واحدٍ من مسلم البطين أولًا عن سعيد بن جبير، ثم من الحكم وسلمة عن مجاهد.

- (وَيُذْكَرُ) على البناء للمفعول (عَنْ أَبِي خَالِدٍ) هو الأحمر ضدُّ الأبيض، واسمه سليمان بن حيَّان _ بتشديد التحتية وآخره نون _ أنَّه قال (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنِ الْحَكَمِ وَ) عن (مُسْلِمٍ الْبَطِينِ وَ) عن (سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٍ) هو ابنُ أبي رباح (وَمُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (قَالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أُخْتِي مَاتَتْ) ومحصِّله أنَّ أبا خالد جمع بين شيوخ الأعمش الثَّلاثة، فحدَّث به عنهم وهم الحكم ومسلم وسلمة، وجمع هؤلاء الثَّلاثة أيضًا بين الشُّيوخ الثلاثة وهم سعيد بن جُبير وعطاء بن أبي رباح ومجاهد بن جبر.

وقال الكرمانيُّ فإن قلت هؤلاء الثَّلاثة رووا عن الثَّلاثة وهو على سبيل التَّوزيع بأن يروي بعضُهم عن بعض. قلتُ المتبادر إلى الذِّهن رواية الكل، هذا؛ واختاره العيني أيضًا.

وقال الحافظ العسقلاني إنَّ أبا خالد جمع بين شيوخ الأعمش الثَّلاثة، فحدَّث به عنه عنهم شيوخ ثلاثة، وظاهره أنَّه عند كلٍّ منهم عن كلٍّ منهم. ويحتمل أن يكون أراد به اللَّف والنَّشر بغير ترتيب، فيكون شيخُ الحكم عطاءً، وشيخُ البطين سعيدَ بن جبير، وشيخُ سلمة مجاهدًا.

قال ويؤيِّده أن النَّسائي أخرجه من طريق عبد الرَّحمن بن مغراء، عن الأعمش مفصلًا هكذا، وهو ممَّا يقوِّي رواية أبي خالد، وقد وصلها مسلم لكن لم يسق المتن، بل أحالَ به على رواية زائدة التي رواها قبلها.

ووصلها أيضًا التِّرمذي حدَّثنا أبو سعيد الأشج ثنا أبو خالد الأحمر، عن الأعمش، عن سلمة بن كُهيل ومسلم البَطين، عن سعيد بن جُبير وعطاء ومجاهد، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال جاءت امرأة إلى النَّبي صلى الله

ج 9 ص 420

عليه وسلم فقالت إنَّ أختي ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين قال (( أرأيت لو كان على أختك دينٌ أكنت تقضيه؟ ) )قالت نعم قال (( فحقُّ الله أحقُّ ) )قال التِّرمذي حديث حسن صحيح.

ورواه النَّسائي وابن ماجه وابن خزيمة والدَّارقطني كذلك.

(وَقَالَ يَحْيَى) هو ابنُ سعيد (وَأَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازم، بالمعجمتين (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمٍ) البطين (عَنْ سَعِيدٍ) وفي رواية ابن عساكر فوافقا زائدة على أنَّ شيخ مسلم البطين فيه سعيد بن جبير، وأشار بإيرادِ هذا إليه.

(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، أنَّه قال (قَالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ) ورواه أبو داود في رواية أبي الحسن بن العبد من رواية يحيى وأبي معاوية كلاهما عن الأعمش، عن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما.

وكذلك رواه شعبة وعبد الله بن نمير وعبثر بن القاسم وعبيدة بن حميد وآخرون عن الأعمش، وطرقهم عند النَّسائي وأحمد وغيرهما.

(وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ) مصغرًا، هو ابنُ عَمرو الرَّقي (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ) بضم الهمزة وفتح النون وسكون التحتية (عَنِ الْحَكَمِ) بن عُتيبة المذكور (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) وسقط في رواية لفظ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، أنَّه قال (قَالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ) بالإضافة، وهذا التَّعليق وصله مسلم ولفظه قال جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله! إنَّ أمِّي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ قال (( أرأيتِ لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدَّى ذلك عنها ) )قالت نعم، قال فصومِي عن أمِّك.

وقد بيَّن أبو بشر في روايته سبب النَّذر عند أحمد كما سبق. ثمَّ إنَّ هذا مخالف لرواية عبد الرَّحمن بن مغراء من حيث إنَّ شيخ الحكم فيها عطاء، وفي هذه شيخه سعيد، ويحتمل أن يكون سمعه من كلٍّ منهما.

(وَقَالَ أَبُو حَرِيزٍ) بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وسكون التحتية وفي آخره زاي، هو عبدُ الله بن حسين قاضي سجستان، ضعَّفه أحمد وابن معين والنَّسائي وغيرهم.

(حَدَّثَنَا) بالجمع، وفي رواية أبي الوقت بالإفراد

ج 9 ص 421

(عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما قال (قَالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَتْ أُمِّي وَعَلَيْهَا صَوْمُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) وهذا التَّعليق وصله البيهقي عن أبي عبد الله الحافظ أخبرني أبو بكر بن عبد الله أنبا الحسن بن سفيان نا محمَّد بن عبد الله الأعلى ثنا المعتمر قال قرأت على الفضيل، عن أبي حريز قال حدَّثني عكرمة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما به، وفيه امرأة من خثعم.

قال الحافظ العسقلاني وقد ادَّعى بعضهم أنَّ هذا الحديث اضطرب فيه الرُّواة عن سعيد بن جبير، فمنهم من قال أنَّ السَّائل امرأة، ومنهم من قال رجل، ومنهم من قال أنَّ السُّؤال وقع عن نذر، فمنهم من فسَّره بالصَّوم، ومنهم من فسَّره بالحجِّ كما تقدَّم في أواخر الحج.

والذي يظهر أنَّهما قضيتان؛ ويؤيِّده أنَّ السَّائلة في نذر الصَّوم خثعمية كما في رواية ابن حريز المعلَّقة، والسَّائلة عن نذر الحجِّ جهنية، كما تقدَّم في موضعه [خ¦1852] . وقد سبق في أواخر الحج أنَّ مسلمًا روى من حديث بريرة أنَّ امرأة سألت عن الحجِّ وعن الصَّوم معًا [خ¦1852] .

وأمَّا الاختلاف في كون السَّائل رجلًا أو امرأة، والمسؤول عنه أختًا أو أمًا، وكون الصَّوم شهرًا أو شهرين أو خمسة عشر يومًا فلا يقدح في موضع الاستدلال من الحديث؛ لأنَّ الغرض منه مشروعيَّة الصَّوم عن الميِّت.

هذا؛ وتعقَّبه العيني بأنَّه كيف لا يقدح، والحال أنَّ الاضطراب لا يكون إلَّا من الوهم وهو ممَّا يضعف الحديث؟!

أقول نعم؛ لو حمل ذلك الاختلاف على اختلاف وقائع، لكن له وجه فافهم، ثمَّ إنَّ حديث بريدة رضي الله عنه أخرجه مسلم وأبو داود والتِّرمذي وابن ماجه من رواية عبد الله بن عطاء عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال بينا أنا جالسٌ عند النَّبي صلى الله عليه وسلم إذ أتته امرأة فقالت إنِّي تصدَّقت على أمِّي بجارية وإنَّها ماتت فقال (( وجبَ أجرك، وردَّها عليك الميراث ) )قالت يا رسول الله! إنَّه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال (( صُومي عنها ) )قالت إنَّها لم تحج قط أفأحجَّ عنها؟ قال (( حجِّي عنها ) )هذا لفظ مسلم.

تنبيه قال القرطبي إنَّما لم يقل مالك بحديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما لأمور

أحدها أنَّه لم يجد عليه عمل

ج 9 ص 422

أهل المدينة.

الثَّاني أنَّه حديث اختلف فيه إسناده ومتنه.

الثَّالث أنَّه رواه البزَّار وقال في آخره إن شاء، وهذا يرفع الوجوب الذي قالوا به.

الرَّابع أنَّه معارض لقوله تعالى {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا} [الأنعام 164] وقوله تعالى {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الإسراء 15] وقوله تعالى {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم 39] .

الخامس أنَّه معارض لما أخرجه النَّسائي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال (( لا يصلِّي أحدٌ عن أحد، ولا يصوم أحدٌ عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدًّا من حنطة ) ).

السَّادس أنَّه معارض للقياس الجلي، وهو أنَّه عبادة بدنيَّة، فلا مدخل للمال فيها، ولا يفعل عمَّن وجبت عليه كالصَّلاة، ولا ينقض هذا بالحجِّ؛ لأنَّ للمال فيه مدخلًا. انتهى.

واعترض على بعض هذه الوجوه؛ منها قوله اختلف في إسناده ومتنه، قيل هذا لا يضرُّه، فإنَّ من أَسْنَده أئمَّة ثقات.

وأجيب بأنَّ الكلام ليس في الرُّواة، وإنَّما الكلام في اختلاف المتن فإنَّه يورث الوهن ومنها قوله رواه البزار. .. إلى آخره، قيل الذي زاده البزَّار من طريق ابن لهيعة ويحيى بن أيُّوب، وحالُهما عند المحدِّثين معلوم.

وأجيب بأنَّ ابن لهيعة حدَّث عنه أحمد بأحاديث كثيرة، وعنه مَنْ كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه.

وروى عنه مثل سفيان الثَّوري وشعبة وعبد الله بن المبارك واللَّيث بن سعد وهو من أقرانه، وروى له مسلم مقرونًا بعمرو بن الحارث وأبو داود والتِّرمذي وابن ماجه، وأمَّا يحيى بن أيُّوب الغافقي المصري فإنَّ الجماعة رووا له.

نعم؛ في قوله وهذا يرفع الوجوب الذي قالوا به، نظر فإنَّ الذي قالوا به هم أهل الظَّاهر لا أهل الحديث كما مرَّ [خ¦1952] .

ومنها قوله إنَّه معارض للآيات الثَّلاث، قيل هذه في قوم إبراهيم وموسى عليهما السَّلام، وأُجيب بأنَّ العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب.

ومنها قوله أنَّه معارض لما أخرجه النَّسائي، قيل ما في الصَّحيح هو العمدة.

وأجيب بأنَّ ما رواه النَّسائي أيضًا صحيح فيدلُّ على نسخ ذلك كما مرَّ [خ¦1952] .

وممَّا يستفاد من الحديث المذكور أنَّ قوله صلى الله عليه وسلم

ج 9 ص 423

(( لو كان على أمِّك دين أكنت قاضية ) )يشعر بأنَّ ذلك على النَّدب إن أطاعت به نفسه؛ لأنَّه لا يجب على ولي الميِّت أن يؤدِّي من ماله عن الميِّت دينًا بالاتفاق، لكن من تبرَّع به انتفع به الميِّت وبرئت ذمَّته.

وقال ابن حزم من مات وعليه صوم فَرْضٍ من قضاء رمضان أو نذر أو كفَّارة واجبة، ففرض على أوليائه أن يصوموه عنه هم أو بعضهم، ولا إطعام في ذلك أصلًا أوصى بذلك أو لم يوص به، ويبدأ به على ديون النَّاس.

هذا؟ وفيه صحَّة القياس.

وفيه قضاء الدِّين عن الميِّت، وقد أجمعت الأئمَّة عليه؛ فإن مات وعليه دين لله، ودين لآدمي قدم دين الله؛ لقوله (( فدين الله أحق ) ). وفيه ثلاثة أقوال للشَّافعي أصحُّها تقديم دين الله تعالى. الثَّاني تقديم دين الآدمي، وهو مذهبنا فإنَّ الآدمي محتاج، والله هو الغني. الثَّالث هما سواء فيقسم بينهما، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت