1964 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي الوقت بالإفراد، وفي نسخة (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) أخو أبي بكر بن أبي شيبة، وكلاهما من مشايخ البخاري (وَمُحَمَّدٌ) هو ابن سلام (قَالاَ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ) بالعين المهملة، هو ابن سليمان.
(عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ) نصب على التعليل، وفيه إشارة إلى بيان السَّبب في نهيهم عن الوصال (فَقَالُوا إِنَّكَ تُوَاصِلُ، قَالَ إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ) بحذف الياء وإثباتها كما مرَّ [خ¦1963] ، والياء في (( يُطعمني ) )بالضم، وفي (( يَسقين ) )بالفتح في الموضعين، كما في التنزيل، وآثر اسم الرب على اسم الذَّات المقدَّسة؛ لأنَّ التجلي باسم الربوبيَّة أقرب إلى العباد من الألوهية؛ لأنها تجلي عظمة لا طاقة للبشر بها، وتجلِّي الربوبية تجلي رحمة وشفقة فهي أليق بهذا المقام، والله أعلم.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) يريد به البخاري نفسه، وسقط هذا في رواية غير أبي ذرٍّ وأبي الوقت (لَمْ يَذْكُرْ عُثْمَانُ) بن أبي شيبة في الحديث المذكور قوله (رَحْمَةً لَهُمْ) فدلَّ على أنَّها من رواية محمَّد بن سلام وحده، وقد أخرجه مسلم عن إسحاق بن راهويه وعثمان بن أبي شيبة جميعًا وفيه رحمة لهم، ولم يبيِّن أنَّها ليست في رواية عثمان. وقد أخرجه أبو يعلى والحسن بن سفيان في «مسنديهما» عن عثمان، وليس فيه رحمة لهم، وأخرجه الإسماعيلي عنهما كذلك.
وأخرجه الجوزقي من طريق محمَّد بن حاتم عن عثمان وفيه رحمة لهم، فيحتمل أن يكون عثمان تارة يذكرها وتارة يحذفها. وقد رواها الإسماعيلي عن جعفر الفريابي عن عثمان، فجعل ذلك من قول النَّبي صلى الله عليه وسلم ولفظه (( قالوا إنَّك تواصل، قال إنَّما هي رحمة رحمكم الله بها إنِّي لست كهيئتكم ) )
ج 9 ص 445
الحديث.
ثمَّ هذا الحديث أخرجه المؤلِّف في الإيمان أيضًا [خ¦20] ، وأخرجه مسلم في الصَّوم وكذا النَّسائي.
وهذا كما رأيت أنَّ البخاري قد أخرج حديث الوصال عن خمسة من الصَّحابة رضي الله عنهم وهم أنس [خ¦1961] وعبد الله بن [خ¦1962] عمر وأبو سعيد [خ¦1963] الخدري وعائشة [خ¦1964] وأبو هريرة [خ¦1965] رضي الله عنهم.
وفي الباب عن عليٍّ وجابر وبشير بن الخصاصيَّة وعبد الله بن ذر رضي الله عنهم. فحديث علي رضي الله عنه رواه عبد الرَّزَّاق عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا مواصلة ) )، ورواه أحمد عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يواصل من السَّحر إلى السَّحر.
وحديث جابر رضي الله عنه رواه عبد الرَّزَّاق عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( لا مواصلة في الصِّيام ) )وإسناده ضعيف.
وحديث بشير قد مرَّ في أوائل الباب بلفظ ابن أبي حاتم [خ¦1961 قبل] ، وقد رواه الطَّبراني عن امرأة بشير قالت كنت أصوم فأواصل فنهاني بشير وقال إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاني عن هذا قال (( إنَّما يفعل ذلك النَّصارى، ولكن صومي كما أمر الله عزَّ وجلَّ، ثم أتمِّي الصِّيام إلى اللَّيل، فإذا كان اللَّيل فأفطري ) ).
وحديث عبد الله بن ذرٍّ رواه البغوي وابن قانع في «معجميهما» عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم واصل يومين وليلة، فأتاه جبريل عليه السَّلام فقال (( قبلت مواصلتك ولا تحل لأمَّتك ) )فهذه الأحاديث كلها تدلُّ على أن الوصال من خصائص النَّبي صلى الله عليه وسلم، وعلى أنَّ غيره ممنوع منه إلَّا ما وقع فيه التَّرخيص من الإذن فيه إلى السَّحر.
وقد مرَّ الكلام في هذا المنع هل هو على سبيل التَّحريم [خ¦1961] ، أو على سبيل الكراهة، أو يحرم على من يشقُّ عليه ويباح لمن لم يشق عليه، وقد نقل التَّفصيل عن عبد الله بن الزُّبير؛ روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه أنَّه كان يواصل خمسة عشر يومًا.
وذهب إليه من الصَّحابة أيضًا أخت أبي سعيد رضي الله عنهما، ومن التَّابعين عبد الرَّحمن بن أبي نُعْم وعامر بن عبد الله بن الزُّبير وإبراهيم بن يزيد التَّيمي وأبو الجوزاء كما نقله أبو نُعيم في ترجمته في «الحلية» وغيرهم، رواه الطَّبراني وغيره.
وممَّا يدل على أنَّه ليس بحرام ما روى البزار والطَّبراني من حديث سمرة رضي الله عنه نهى النَّبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال وليس بالعزيمة.
وأمَّا ما رواه البزار، والطَّبراني في «الأوسط» من حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه أنَّ جبريل عليه السلام قال للنَّبي صلى الله عليه وسلم (( إنَّ الله تعالى قد قبل وصالك، ولا يحلُّ لأحد بعدك ) )فليس إسناده بصحيح فلا حجَّة، قاله الحافظ العسقلاني.
وقال أيضًا ومن أدلَّة الجواز إقدام
ج 9 ص 446
الصَّحابة رضي الله عنهم على الوصال بعد النَّهي، فإنَّهم لما أقدموا عليه دلَّ ذلك على أنَّهم فهموا أنَّ النَّهي للتنزيه لا للتَّحريم، وإلَّا لما أقدموا عليه، ويؤيِّد أنَّه ليس بمحرَّم أيضًا أنَّه صلى الله عليه وسلم في حديث بشير سوَّى بين النَّهي عن الوصال وبين تأخير الفطر في العلَّة حيث قال فيهما (( إنَّه فعل أهل الكتاب ) )ولم يقل أحدٌ بتحريم تأخير الفطر سوى بعض من لا يعتدُّ به من أهل الظَّاهر، ويؤيِّده أيضًا من حيث المعنى ما فيه من فطم النَّفس عن شهواتها وقمعها عن ملذوذاتها، والله أعلم.
ثمَّ في أحاديث الباب من الفوائد غير ما ذكر معارضة المفتي فيما أفتى به إذا كان بخلاف حاله ولم يعلم المستفتي. ومنها جواز الاستكشاف عن حكمة النَّهي. ومنها ثبوت خصائصه صلى الله عليه وسلم، وأن عموم قوله {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب 21] مخصوص.
ومنها أنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم كانوا يرجعون إلى فعله المعلوم صفته، ويبادرون إلى الايتساء به إلا فيما نهاهم عنه.
ثمَّ إنَّ خصائصه صلى الله عليه وسلم لا يتأسَّى به في جميعها، وقد توقف في ذلك إمام الحرمين.
وقال أبو أسامة ليس لأحد التشبُّه به في المباح له كالزِّيادة على أربع نسوة، ويستحبُّ التنزه عن المحرم عليه، والتشبُّه به في الواجب عليه كالضُّحى. وأمَّا المستحب له فلم يتعرَّض له والوصال منه فيحتمل أن يقال إن لم ينه عليه لم يمنع الايتساء به فيه، والله أعلم.
ومنها بيان قدرة الله تعالى على إيجاد المسبِّبات العاديات من غير أسباب ظاهرة كما سيأتي تفصيله في الباب التالي إن شاء الله تعالى [خ¦1966] .