فهرس الكتاب

الصفحة 3079 من 11127

1966 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى) وقع هكذا غير منسوب في رواية الأكثرين، ووقع في رواية أبي ذرٍّ هو ابن عبد الله بن سالم، أبو زكريا السَّختياني الحدَّاني البلخي يقال له خَتٌّ. قال البخاري مات سنة أربعين ومائتين، وترديد الكرماني بقوله هو إما يحيى بن موسى البلخي، وإما يحيى بن جعفر البخاري ليس على ما ينبغي.

قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام الصَّنعاني (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابن راشد (عَنْ هَمَّامٍ) بن منبه الصَّنعاني (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ) نصب على التَّحذير؛ أي احذروا الوصال (مَرَّتَيْنِ) وفي رواية أحمد عن عبد الرَّزَّاق بهذا الإسناد (( إيَّاكم والوصال، إيَّاكم والوصال ) ).

فقوله (( مرتين ) )اختصار من البخاري أو من شيخه، وأخرجه مالك عن أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه كما قال أحمد، ورواه ابنُ أبي شيبة من طريق أبي زرعة، عن أبي هريرة رضي الله عنه

ج 9 ص 449

بلفظ (( إيَّاكم والوصال ) )ثلاث مرَّات. وإسناده صحيح.

وأخرجه مسلم من هذا الوجه بدون قوله (( ثلاث مرات ) ).

(قِيلَ إِنَّكَ تُوَاصِلُ، قَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِنِّي أَبِيتُ) كذا في الطَّريقين عن أبي هريرة رضي الله عنه في هذا الباب [خ¦1966] ، وقد تقدَّم في رواية أنس رضي الله عنه بلفظ (( أظل ) ) [خ¦1961] ، وكذا في حديث عائشة رضي الله عنها عند الإسماعيلي، وهي محمولة على مطلق الكون لا على حقيقة اللَّفظ؛ لأنَّ المتحدِّث عنه هو الإمساك باللَّيل لا بالنَّهار، وأكثر الرِّوايات بلفظ (( أبيت ) )، وكأنَّ بعض الرُّواة عبر عن (( أبيت ) )بلفظ (( أظلُّ ) )نظرًا إلى اشتراكهما في مطلق الكون.

ألا ترى أنَّه يقال أضحى فلان كذا مثلًا، ولا يراد به تخصيص ذلك بوقت الضُّحى، ومنه قوله تعالى {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا} [النحل 58] فإنَّ المراد به مطلق الوقت، ولا اختصاص لذلك بنهار دون ليل.

(يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ، فَاكْلَفُوا) بفتح اللام؛ لأنه من كلفت بهذا الأمر أكلفُ به، من باب علم يعلم؛ أي أولعت به. وحكى القاضي عياض أنَّ بعضهم قال بهمزة قطع وكسر اللام قال ولا يصحُّ لغة؛ أي تكلفوا (مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ) أي تطيقونه فحذف العائد؛ أي الذي تقدرون عليه، ولا تتكلَّفوا فوق ما تطيقونه فتعجزوا عنه.

تكميل قد روى أحمد وسعيدُ بن منصور وابن أبي شيبة كلهم عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ (( إنِّي أظلُّ عندَ ربِّي فيُطعمني ويَسْقيني ) ).

وكذلك رواه أحمدُ عن ابن نمير وأبو نُعيم في «المستخرج» من طريق إبراهيم بن سعيد، عن ابن نُمير، عن الأعمش. وأخرجه أبو عَوَانة عن علي بن حرب عن أبي يعقوب كذلك. وأخرجه هو وابن خزيمة من طريق عبيدة بن حميد عن الأعمش كذلك.

ووقع لمسلم فيه شيءٌ غريب فإنَّه أخرجه عن ابن نمير عن أبيه فقال بمثل حديث عمارة عن أبي زرعة، ولفظ عمارة المذكور عنده (( إنِّي أبيتُ يُطعمني ربي ويَسقين ) )وقد عرفت أنَّ رواية ابن نمير عند أحمد فيها (( عند ربي ) ). وليس ذلك في شيء من الطُّرق عن أبي هريرة رضي الله عنه إلَّا في رواية أبي صالح، ولم ينفرد بها الأعمش، فقد أخرجها أحمد أيضًا من طريق عاصم بن أبي النَّجود عن أبي صالح.

ووقعت في حديث غير أبي هريرة رضي الله عنه؛ فأخرجها الإسماعيلي في حديث عائشة رضي الله عنها أيضًا عن الحسن بن سفيان، عن عثمان بن أبي شيبة بسنده الماضي

ج 9 ص 450

في الباب الذي قبل هذا [خ¦1964] بلفظ (( أظلُّ عند الله يُطعمني ويَسقيني ) ).

وعن عمران بن موسى عن عثمان بلفظ (( عند ربي ) )ووقعت أيضًا كذلك عند سعيد بن منصور وابن أبي شيبة من مرسل الحسن بلفظ (( إنِّي أبيتُ عند ربي ) ).

ثمَّ إنَّه قد اختلف في معنى قوله صلى الله عليه وسلم (( يطعمني ربي ويسقيني ) )كما سبق [خ¦1961] فقيل هو على حقيقته، وأنَّه صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بطعام ٍوشرابٍ من عند الله كرامةً له صلى الله عليه وسلم في ليالي صومه.

وتعقَّبه ابن بطَّال ومن تبعه بأنَّه لو كان كذلك لم يكن مواصلًا، وبأن قوله أظلُّ، يدل على وقوع ذلك بالنَّهار، فلو كان الأكل والشُّرب حقيقة لم يكن صائمًا.

وأُجيب بأنَّ الرَّاجح من الرِّوايات لفظ (( أبيتُ ) )دون (( أظل ) ). وعلى تقدير الثُّبوت فليس حمل الطَّعام والشَّراب على المجاز بأولى من حمل لفظ (( أظل ) )على المجاز وعلى التنزُّل فلا يضر شيء من ذلك؛ لأنَّ ما يؤتى به الرسول صلى الله عليه وسلم على سبيل الكرامة من طعام الجنَّة وشرابها لا يجري عليه أحكام المكلَّفين فيه. وهذا كما غسل صدره صلى الله عليه وسلم في طست الذَّهب مع أنَّ استعمال أواني الذَّهب الدُّنيوية حرام.

وقال ابن المنيِّر في «الحاشية» الذي يفطِّر شرعًا إنَّما هو الطَّعام المعتاد، وأمَّا الخارق العادة كالمحضر من الجنَّة، فعلى غير هذا المعنى، وليس تعاطيه من جنس الأعمال، وإنما هو من جنس الثَّواب؛ كأكل أهل الجنَّة في الجنَّة، والكرامة لا تبطل العبادة.

وقال غيره لا مانع من حمل الطَّعام والشَّراب على حقيقتها، ولا يلزم شيء ممَّا تقدم ذكره، بل الرِّواية الصَّحيحة (( أبيت ) )وأكلُه وشربه في اللَّيل ممَّا يؤتى به من الجنَّة لا يقطع وصاله خصوصيَّة له بذلك، فكأنَّه قال لما قيل له إنَّك تواصل قال (( إنِّي لست في ذلك كهيئتكُم ) )؛ أي على صفتكُم في أنَّ من أكل منكم أو شرب انقطع وصاله، بل إنَّما يُطعمني ربي ويَسقيني، ولا ينقطع بذلك مواصلتي، فطعامِي وشرابي على غير طعامكم وشرابكم صورةً ومعنىً.

وقال الزَّين ابن المنيِّر هو محمولٌ على أنَّ أكله وشربه في تلك الحالة كحال النَّائم الذي يحصل له الشبع والرِّي بالأكل والشُّرب، ويستمر له ذلك حتَّى يستيقظَ، ولا يبطلُ بذلك صومه

ج 9 ص 451

ولا ينقص أجره.

وحاصله أن يحمل ذلك على حالة استغراقه صلى الله عليه وسلم في أحواله الشَّريفة حتَّى لا يؤثر حينئذٍ شيء من الأحوال البشريَّة.

وقال الجمهور هو مجاز عن لازم الطَّعام والشَّراب وهو القوة فكأنَّه قال يعطيني قوة الآكل الشَّارب، ويفيض عليَّ ما يسد مسدَّ الطَّعام والشَّراب، ويقوِّي على أنواع الطَّاعات من غير ضعف في القوَّة ولا كلال في الإحساس.

أو المعنى أنَّ الله تعالى يخلق فيه من الشبع والري ما يغنيه عن الطَّعام والشَّراب، فلا يحس بجوع ولا عطش، والفرق بينه وبين الأوَّل أنَّه على الأوَّل يعطى القوة من غير شبع ولا ري، بل مع الجوع والظَّمأ، وعلى الثَّاني يعطى القوة مع الشبع والري، ورُجِّح الأوَّل بأنَّ الثَّاني ينافي حال الصَّائم ويفوت المقصود من الصِّيام والوصال؛ لأنَّ الجوع هو روح هذه العبادة بخصوصها.

قال القرطبي في «المفهم» ويبعده أيضًا النَّظر إلى حاله صلى الله عليه وسلم، فإنَّه كان يجوع أكثر ممَّا يشبع، ويربط على بطنه الحجارة من الجوع. انتهى.

وقد تمسَّك ابن حبَّان بظاهر الحال، فاستدلَّ بهذا الحديث على تضعيف الأحاديث الواردة بأنَّه صلى الله عليه وسلم كان يجوع ويشد الحجر على بطنه من الجوع. قال لأنَّ الله تعالى كان يطعم رسوله ويسقيه إذا واصل، فكيف يتركه جائعًا حتَّى يحتاج إلى شدِّ الحجر على بطنه الشَّريف. ثمَّ قال وماذا يغني الحجر من الجوع؟!

ثمَّ ادعى أن ذلك تصحيفٌ ممَّن رواه، وإنَّما هي الحجز _ بالزاي _ جمع حجزة، وقد أكثر النَّاس من الردِّ عليه في ذلك. وأبلغ ما يردُّ عليه أنَّه أخرج في «صحيحه» من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال خرج النَّبي صلى الله عليه وسلم بالهاجرة، فرأى أبا بكر وعمر رضي الله عنهما فقال ما أخرجكما؟ قالا ما أخرجنا إلَّا الجوع، فقال وأنا والذي نفسي بيده ما أخرجني إلَّا الجوع. الحديثَ. فهذا الحديث يردُّ ما تمسَّك به.

وأمَّا قوله وما يغني الحجر من الجوع؟ فجوابه أنَّه يقيم الصلب؛ لأنَّ البطن إذا خلا ربما ضعف صاحبه عن القيام لانثناء بطنه، فإذا ربط عليه الحجر اشتدَّ وقوي صاحبه على القيام، حتَّى قال بعض من وقع له

ج 9 ص 452

ذلك كنت أظنُّ الرِّجلين تحملان البطن، فإذا البطن يحمل الرِّجلين.

ويحتمل أن يكون المراد بقوله (( يطعمني ويسقيني ) )؛ أي يشغلني التفكُّر في عظمته والتملِّي بمشاهدته والتغذِّي بمعارفه وقرَّة عيني بمحبَّته، والاستغراق في مناجاته، والإقبال عليه عن الطَّعام والشَّراب.

وإلى هذا جنح ابن القيم وقال قد يكون هذا الغذاء أعظم من غذاء الأجساد، ومن له أدنى ذوق وتجربة يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الجسماني، ولا سيَّما الفَرِحُ المسرورُ بمطلوبه الذي قرَّت عينه بمحبوبه، وكلٌّ من هذه الأوجه المذكورة وإن سبق فيما سبق لكنَّا ذكرناه هنا [خ¦1961] [خ¦1962] أيضًا لما فيه من الفوائد، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت