1969 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي النَّضْرِ) بفتح النون وسكون المعجمة، سالم بن أبي أميَّة، وقد مرَّ في باب المسح على الخفين [خ¦202] (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) هو ابن عبد الرَّحمن (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) أنَّها (قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لاَ يُفْطِرُ) أي ينتهي صومه إلى غاية نقول إنَّه لا يفطر (وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لاَ يَصُومُ) أي ينتهي إفطاره كذلك إلى غاية نقول لا يصوم، وذلك لأنَّ الأعمال التي يتطوَّع بها ليست منوطة بأوقات معلومة، وإنَّما هي على قدرِ الإرادة لها والنشاط فيها.
(فَمَا) وفي رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت وابن عساكر بالواو (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلاَّ رَمَضَانَ) وإنَّما لم يستكمل شهرًا غير رمضان لئلَّا يظن وجوبه (وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ) كذا لأكثر الرُّواة بنصب صيامًا.
قال السُّهيلي إنَّه روي بالخفض وهو وهم، ولعلَّ بعض النُّساخ كتب (( صيام ) )بغير ألف على رأي من يقف على المنصوب بغير ألف، فتوهم مخفوضًا، أو
ج 9 ص 470
ظنَّ بعض الرُّواة أنه مضاف إليه؛ لأنَّ صيغة أفعل تضاف كثيرًا فتوهمها مضافة، ولكن الإضافة هنا ممتنعة قطعًا.
وأمَّا لفظ (( أكثر ) )بالنصب فهو مفعول ثان لقوله وما رأيته، وقوله (( في شعبان ) )متعلِّق بـ (( صيامًا ) )، والمعنى كان يصوم في شعبان وغيره، وكان صيامه في شعبان أكثر من صيامه في غيره.
واختلف في حكمة تخصيص شعبان بكثرة الصِّيام فقيل كان يشتغل عن صيام الثَّلاثة من كلِّ شهر، وكان يصومها فيتركها بسفر أو غيره، فتجتمع فيقضيها في شعبان، أشار إلى ذلك ابن بطَّال، وفيه حديث ضعيف أخرجه الطَّبراني في «الأوسط» من طريق ابن أبي ليلى عن أخيه عيسى، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيَّام من كل شهر، فربَّما أخَّر ذلك حتَّى يجتمع عليه صوم السَّنة فيصوم شعبان، وابن أبي ليلى ضعيف. وحديث الباب والذي بعده [خ¦1970] دالٌّ على ضعف ما رواه.
وقيل كان يصنع ذلك لتعظيم رمضان. وورد فيه حديث آخر أخرجه التِّرمذي من طريق صدقة بن موسى، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه قال سئل النَّبي صلى الله عليه وسلم أي الصَّوم أفضل بعد رمضان؟ قال (( شعبان؛ لتعظيم رمضان ) )، وسئل أي الصَّدقة أفضل؟ قال (( صدقة في رمضان ) )قال التِّرمذي حديث غريبٌ، وصدقة عندهم ليس بذاك القوي.
وقال الحافظ العسقلاني ويعارضه ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا (( أفضل الصَّوم بعد رمضان صوم المحرَّم ) ).
وقيل الحكمة في إكثاره من الصِّيام في شعبان أنَّ نساءه كنَّ يقضين ما عليهنَّ من رمضان في شعبان، وهذا عكس ما تقدَّم في الحكمة في كونهنَّ يؤخِّرن قضاء رمضان إلى شعبان؛ لأنَّه ورد فيه أنَّ ذلك لكونهنَّ كنَّ يشتغلنَ معه صلى الله عليه وسلم عن الصَّوم [خ¦1950] .
وقيل الحكمة في ذلك أنَّه يعقبه رمضان وصومه مفترض، فكان يكثر من الصَّوم في شعبان قدر ما يصومُ في شهرين غيره؛ لئلا يفوته من التطوُّع بذلك في أيَّام رمضان.
والأولى في ذلك ما جاء في حديث أصح ممَّا مضى أخرجه النَّسائي وأبو داود وصحَّحه ابن خزيمة، عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال قلت يا رسول الله! لَمْ أرك تصوم من شهر من الشُّهور ما تصوم من شعبان؟!
ج 9 ص 471
قال ذاك شهر يغفلُ النَّاس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى ربِّ العالمين، فأحبُّ أن يرفع عملي وأنا صائم.
فبيَّن صلى الله عليه وسلم وجه صيامه في شعبان دون غيره من الشُّهور بقوله (( إنَّه شهر يغفل النَّاس عنه بين رجب ورمضان ) )يشير إلى أنَّه لمَّا اكتنفه شهران عظيمان؛ الشَّهر الحرام وشهر الصِّيام اشتغل النَّاس بهما فصار معولًا عنه، وكثير من النَّاس يظنُّ أنَّ صيام رجب أفضل من صيامه؛ لأنه شهر حرام وليس كذلك، ونحو حديث أسامة رضي الله عنه حديث عائشة رضي الله عنها عند أبي يعلى، لكن قال فيه (( إنَّ الله تعالى يكتب كل نفس ميِّتة تلك السنة فأحبُّ أن يأتيني أجلي وأنا صائم ) ).
وروي عن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما لي أراك تكثرُ صيامك فيه؟ قال (( يا عائشة! إنَّه شهر ينسخ فيه ملك الموت من يقبض، وأنا أحبُّ أن لا ينسخ اسمي إلَّا وأنا صائم ) ).
قال المحبُّ الطَّبري غريب من حديث هشام بن عروة بهذا اللَّفظ رواه ابن أبي الفوارس في الأصول، عن أبي الحسن الحماسي عن شيوخه، وعن حاتم بن إسماعيل، عن نضر بن كثير، عن يحيى بن سعيد، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت لمَّا كانت ليلة النِّصف من شعبان انسلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم من مرطي، الحديثَ. وفي آخره (( هل تدري ما في هذه اللَّيلة؟ ) )قالت ما فيها يا رسول الله؟ قال (( فيها أن يكتب كلُّ مولودٍ من بني آدم في هذه السنة، وفيها أن يكتب كلُّ هالك من بني آدم في هذه السنة، وفيها ترفع أعمالهم وفيها تنزل أرزاقهم ) )رواه البيهقي في كتاب «الأدعية» وقال فيه بعض من يجهل.
والحديث أخرجه مسلم وأبو داود والنَّسائي في الصِّيام.