1970 - (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بضم الميم في معاذ، وفتح الفاء في فضالة، وقد مرَّ في (( الحيض ) ) [خ¦323] ، قال (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائي (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثير (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن، وفي رواية مسلم (( حدَّثنا يحيى بن أبي كثير حدَّثنا أبو سلمة ) ).
(أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا حَدَّثَتْهُ) وعند النَّسائي من رواية يحيى بن سعيد وسالم بن أبي الجعد، عن أبي سلمة، عن أمِّ سلمة رضي الله عنها قالت ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شهرين متتابعين إلَّا شعبان ورمضان، أخرجها النَّسائي والتِّرمذي. وقال التِّرمذي عقيب طريق سالم
ج 9 ص 472
بن أبي الجعد هذا إسناد صحيح.
ويحتمل أن يكون أبو سلمة رواه عن كلِّ واحدٍ من عائشة وأمِّ سلمة رضي الله عنهما، ويؤيِّده أنَّ محمَّد بن إبراهيم التَّيمي رواه عن أبي سلمة، عن عائشة رضي الله عنها تارة، وعن أمِّ سلمة رضي الله عنها تارةً. أخرجهما النَّسائي.
(قَالَتْ لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ) وفي رواية ابن أبي لبيد، عن أبي سلمة، عن عائشة رضي الله عنها (( كان يصوم شعبان إلَّا قليلًا ) ). وفي رواية التِّرمذي عن أبي سلمة، عن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت (( ما رأيتُ النَّبي صلى الله عليه وسلم في شهر أكثر صيامًا منه في شعبان؛ كان يصومه إلَّا قليلًا، بل كان يصومه كله ) ).
وهذا وما قبله يبيِّن أنَّ المراد بقوله في حديث أمِّ سلمة رضي الله عنها عند أبي داود وغيره أنَّه كان لا يصوم من السنة شهرًا تامًّا إلَّا شعبان يصله برمضان. وكذا بقوله في حديث عائشة رضي الله عنها فإنَّه كان يصوم كله؛ أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يصوم معظمه.
نقل التِّرمذي عن ابن المبارك أنَّه قال جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشَّهر أن يقال صام الشَّهر كله، ويقال قام فلان ليله أجمع، ولعلَّه قد تعشَّى واشتغلَ ببعض أمره.
قال التِّرمذي كان ابن المبارك جمع بين الحديثين بذلك، وحاصله أنَّ الرِّواية الأولى مفسِّرة للثَّانية ومخصِّصة لها، وأنَّ المراد بالكلِّ الأكثرُ الغالب، وهو مجازٌ قليل الاستعمال.
واستبعده الطِّيبي أيضًا بأنَّ كلمة (( كل ) )تأكيد لإرادة الشمول، ودفع التجوُّز من احتمال البعض، فتفسيره بالبعض مناف لوضعها قال فيحمل على أنَّه كان يصوم شعبان كله تارةً، ويصوم معظمه أخرى لئلَّا يتوهَّم أنَّه واجب كله كرمضان. انتهى.
ويبعده أيضًا أنَّ في رواية التِّرمذي كلمة الإضراب، وهي تنافي أن يكون المراد الأكثر كما لا يخفى.
وقال الشَّيخ زين الدِّين العراقي إنَّ في حديث أمِّ سلمة رضي الله عنها عند التِّرمذي قالت ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شهرين متتابعين إلَّا شعبان ورمضان، فعطف رمضان على شعبان يبعد أن يكون المراد بشعبان أكثره؛ إذ لا جائز أن يكون المراد برمضان بعضه، والعطف يقتضي المشاركة فيما عطف عليه، وإن مشى ذلك، فإنَّما يمشي على رأي من يقول إنَّ اللَّفظ الواحد يحمل على حقيقته ومجازه، وفيه خلاف لأهل الأصول.
ج 9 ص 473
انتهى.
وقال العيني لا يمشي هنا ما قاله على رأي البعض أيضًا؛ لأنَّ من قال ذلك قال في اللَّفظ الواحد، وهنا لفظان شعبان ورمضان، انتهى.
وأمَّا قول الطِّيبي فيحمل على أنَّه كان يصوم شعبان كله تارة، ويصوم معظمه أخرى؛ ففيه أيضًا أنَّ قولها كان يصوم شعبان كله يقتضي تكرار الفعل، وأنَّ ذلك عادة له صلى الله عليه وسلم على ما هو المعروف في مثل هذه العبارة، لكن اختلف في دَلالة كان على التِّكرار. وصحَّح ابن الحاجب أنَّها تقتضيه قال وهذا استفدناه من قولهم كان حاتم يقوِّي الضَّعيف.
وصحَّح الإمام فخر الدِّين في «المحصول» أنَّها لا تقتضيه لا لغة ولا عرفًا، وقال النَّووي في «شرح مسلم» إنَّه المختار الذي عليه الأكثرون، والمحقِّقون من الأصوليين، وذكر ابنُ دقيق العيد أنَّها تقتضيه عرفًا. انتهى.
وقيل المراد بقولها (( كله ) )أنَّه كان يصوم من أوَّله تارة، ومن آخره أخرى، ومن أثنائه أخرى فلا يخلي منه شيئًا من صيام، ولا يخص بعضه بصيام دون بعض، وهذا يكون في أكثر من سنة.
وفيه أيضًا أنَّ أسماء الشُّهور إذا ذكرت غير مضاف إليها لفظ شهر كان العمل عامًّا لجميعها لا تقول سرت المحرم وقد سرتَ بعضًا منه، ولا تقول صمت رمضان وقد صمتَ بعضه، فأمَّا إذا أضيف الشَّهر إليه لم يلزم التَّعميم، وهذا مذهب سيبويه وتبعه عليه غير واحد، قال الصفَّار ولم يخالف في ذلك إلَّا الزجاج.
هذا وقال ابن التِّين إمَّا أن يكون في إحدى الرِّوايتين وهم، وإمَّا أن يكون فعل هذا وهذا، أو أطلق الكل على الأكثر مجازًا، وأنت خبير بما فيه فتذكَّر.
وقال الزَّين ابن المنيِّر إمَّا أن يحمل قول عائشة رضي الله عنها على المبالغة والمراد الأكثر، وإمَّا أن يجمع بأن قولها الثَّاني متأخِّر عن قولها الأوَّل، فأخبرت عن أوَّل أمره أنَّه كان يصوم أكثر شعبان، وأخبرت ثانيًا عن آخر أمره أنَّه كان يصومه كله. انتهى. ولا يخفى تكلُّفه.
ويمكن أن يقال إنَّ قولها ما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان، لا ينفي صيامه لجميعه، فإنَّ المراد أكثريَّة صيامه فيه على صيامه في غيره من الشُّهور التي لم يفرض فيها الصَّوم، وذلك صادق بصوم كله؛
ج 9 ص 474
لأنه إذا صامه جميعه صدق أن الصَّوم الذي أوقعه فيه أكثر من الصَّوم الذي أوقعه في غيره ضرورة أنَّه لم يصم غيره ممَّا عدا رمضان كاملًا.
وأمَّا قولها لم يستكمل صيام شهر إلَّا رمضان، فيحمل على الحذف؛ أي إلا رمضان وشعبان بدليل قولها في الطَّريق الأخرى فإنَّه كان يصوم شعبان كله [خ¦1970] ، وحذف المعطوف مع العاطف ليس بعزيز في كلامهم، ففي التنزيل {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} [الحديد 10] ؛ أي ومن أنفق من بعده، وفيه أيضًا {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل 81] أي والبرد، ويمكن الجمع أيضًا بطريق أخرى وهي أن يكون قولها وكان يصوم شعبان كله؛ محمولًا على حذف أداة الاستثناء والمستثنى؛ أي إلَّا قليلًا منه.
ويدلُّ عليه حديث عبد الرَّزَّاق بلفظ ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر صيامًا منه في شعبان، فإنَّه كان يصومه كله إلَّا قليلًا.
وقال الحافظ العسقلاني والأوَّل؛ يعني أنَّ كله بمعنى أكثره هو الصَّواب، ويؤيِّده رواية عبد الله بن شقيق، عن عائشة رضي الله عنها عند مسلم وسعد بن هشام عنها عند النَّسائي ولفظه (( ولا صام شهرًا كاملًا قط منذ قدم المدينة غير رمضان ) )والله أعلم.
هذا؛ وقد ذكر بعض العلماء أنَّه وقع منه صلى الله عليه وسلم وصل شعبان برمضان، وفصله منه، وذلك في سنتين فأكثر، أمَّا وصله ففي حديث التِّرمذي عن أبي سلمة، عن أمِّ سلمة رضي الله عنها قالت ما رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شهرين متتابعين إلَّا شعبان ورمضان. وروى الطَّبراني أيضًا من حديث أبي أمامة رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يصل شعبان برمضان. ورجال إسناده ثقاتٌ. وروي أيضًا من حديث أبي ثعلبة رضي الله عنه بلفظ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان ورمضان يصلهما. وفي إسناده الأحوص بن حكيم وهو مختلفٌ فيه. وروي أيضًا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ حديث أبي أمامة رضي الله عنه. وفي إسناده يوسف بن عطيَّة وهو ضعيفٌ.
وأمَّا فصله ففي حديث أبي داود من رواية عبد الله بن أبي قيس
ج 9 ص 475
عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفَّظ من هلال شعبان ما لم يتحفَّظ من غيره، ثمَّ يصوم لرمضان، فإن غمَّ عليه عدَّ ثلاثين يومًا ثمَّ صام. وأخرجه الدَّارقطني وقال هذا إسنادٌ صحيح، وأخرجه الحاكم في «المستدرك» وقال هذا صحيح على شرط الشَّيخين ولم يخرجاه.
وقال الغزالي في «الإحياء» فإن وصل برمضان فجائز، فَعَل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّة، وفصل مرارًا كثيرة. انتهى.
فإن قيل كيف التَّوفيق بين هذه الأحاديث وبين حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي رواه أصحاب السُّنن، فأبو داود من حديث الدَّراوردي، وكذا التِّرمذي والنَّسائي من رواية أبي العميس، وابن ماجه من رواية مسلم بن خالد كلُّهم عن العلاء بن عبد الرَّحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا ) )، هذا لفظ التِّرمذي. ولفظ أبي داود (( إذا انتصف شعبان فلا تصوموا ) )ولفظ النَّسائي (( فكفُّوا عن الصَّوم ) )، ولفظ ابن ماجه (( إذا كان النِّصف من شعبان فلا صوم ) ). وفي لفظ ابن حبَّان (( فأفطروا حتَّى يجيء رمضان ) )، وفي لفظ ابن عديٍّ (( إذا انتصف شعبان فأفطروا ) )، وفي لفظ البيهقي (( إذا مضى النِّصف من شعبان فأمسكوا عن الصِّيام حتَّى يدخل رمضان ) )؟
فالجواب من وجوه
أمَّا أولًا فقد اختلف في صحَّة هذا الحديث، فصحَّحه التِّرمذي وابن حبَّان وابن عساكر وابن حزم، وضعَّفه أحمد فيما حكاه البيهقي عن أبي داود قال قال أحمد هذا حديث منكر قال وكان عبد الرَّحمن لا يحدِّث به.
وأمَّا ثانيًا فقال قوم ممَّن لا يقول بحديث العلاء إنَّ أبا هريرة رضي الله عنه كان يصوم في النِّصف الثَّاني من شعبان، فدلَّ على أنَّ ما رواه منسوخ، فإنَّ العبرة بما رأى الرَّاوي لا بما روى.
وأمَّا ثالثًا فيحمل النَّهي على من لم يدخل تلك الأيَّام في صيام اعتاده، وكذا حديث النَّهي عن تقدُّم رمضان بصوم يوم أو يومين يحمل على ذلك هذا.
ففي هذين الحديثين المذكورين في هذا الباب [خ¦1969] [خ¦1970] دليل على فضل الصَّوم في شعبان، فإن قيل قد ورد في حديث مسلم أنَّ أفضل الصِّيام بعد رمضان شهر الله المحرَّم، فكيف أكثر صلى الله عليه وسلم منه في شعبان دون المحرم؟.
فالجواب أنَّه قال النَّووي يحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم لم يعلم فضل المحرم إلا في
ج 9 ص 476
آخر حياته، فلم يتمكَّن من كثرة الصَّوم في المحرم، ولعلَّه اتَّفق له فيه أعذار تمنع من إكثار الصَّوم فيه كالسَّفر والمرض وغير ذلك، والله أعلم.
(وَكَانَ) صلى الله عليه وسلم (يَقُولُ خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ) أي المداومة عليه بلا ضرر، واجتناب التعمُّق عام في جميع أنواع العبادات (فَإِنَّ اللَّهَ) عزَّ وجلَّ (لاَ يَمَلُّ) بفتح التحتية والميم. قال النَّووي الملل السآمة وهو بالمعنى المتعارف في حقِّنا محال في حقِّ الله تعالى فيجب تأويله.
فقال المحقِّقون معناه أنَّ الله تعالى لا يعاملكم معاملة الملل فيقطع عنكم ثوابه وفضله ورحمته.
(حَتَّى تَمَلُّوا) وتقطعوا أعمالكم، وقيل معناه لا تتكلَّفوا حتَّى تملوا، فإن الله جلَّ جلاله منزَّه عن الملالة، ولكنكم تملون قبول فيض الرَّحمة. وقال الهروي لا يمل أبدًا مللتُم أم لم تملُّوا، وقيل سمِّي مللًا للازدواج كقوله تعالى {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} [البقرة 194] فكأنَّه قال لا يقطع عنكم فضله حتَّى تملوا سؤاله. وقال الكرماني إطلاق الملل على الله تعالى إطلاق مجازي عن ترك الجزاء، وكلُّها متقاربة.
(وَأَحَبُّ الصَّلاَةِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية ابن عساكر (مَا دُووِمَ عَلَيْهِ) بواوين على صيغة مجهول دَاومَ، وفي بعض النسخ بواو واحدة وهو خطأ، ويروى على صيغة مجهول دام، وسيأتي بعد أبواب (( وكان عمله ديمة ) ) [خ¦1987] .
وقال النَّووي الديمة المطر الدَّائم في سكون، شبه عمله في دوامه مع الاقتصاد بديمة المطر، وأصله الواو فانقلبت ياء.
(وَإِنْ قَلَّتْ، وَكَانَ) صلى الله عليه وسلم (إِذَا صَلَّى صَلاَةً دَاوَمَ عَلَيْهَا) وفي المداومة على العبادة فوائد أعظمها تخلُّق النفس واعتيادها، ولله درُّ القائل
~هِيَ النَّفْسُ مَا عَوَّدْتَها تَتَعَوَّد
والمواظب يتعرَّض لنفحات الرَّحمة قال صلى الله عليه وسلم (( إنَّ لربكم في دهركُم نفحات ألا فتعرَّضوا لها ) ). وقد مرَّ الكلام في المداومة في باب أحب الدِّين إلى الله أدومه في آخر كتاب الإيمان [خ¦43] ، ومناسبة ذلك الكلام للحديث الإشارة إلى أنَّ صيامه صلى الله عليه وسلم لا ينبغي أن يتأسى فيه به صلى الله عليه وسلم إلَّا من أطاق ما كان يطيق وأين هو؟! وأنَّ من أجهد نفسه في شيء من العبادات خشي عليه أن يملَّ
ج 9 ص 477
فيفضي إلى تركه، والمداومة على العبادة وإن قلَّت أولى من جهد النَّفس في كثرتها إذا انقطعت، فالقليل الدَّائم أكثر من الكثير المنقطع غالبًا.
وحديث الباب أخرجه مسلم في الصَّوم، وكذا أبو داود والنَّسائي، وأخرجه التِّرمذي في «الشَّمائل» .