17 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسي؛ نسبة لبيع الطَّيالسة، البصري مولى باهلة، سمع مالكًا وشعبة والحمَّادين وسفيان بن عيينة وآخرين، وروى عنه أبو زُرعة وأبو حاتم وإسحاق بن راهويه ومحمد بن يحيى ومحمد بن مسلم.
وقال أحمدُ بن حنبل متقن. وقال أبو زُرعة أدرك نصف الإسلام وكان إمامًا في زمانه جليلًا عند الناس. وقال أحمد بن عبد الله هو ثقة في الحديث، يروي عن سبعين امرأة، وكانت الرحلة ببغداد بعد أبي داود الطَّيالسي إليه. وقال أبو حاتم كان ثقة إمامًا فقيهًا عاقلًا حافظًا، ولد سنة ست وثلاثين ومائة، ومات سنة سبع وعشرين ومائتين، روى عنه البخاري وأبو داود، والباقون عن رجل عنه.
(قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، المار ذكره (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بلفظ المكبر فيهما (بْنِ جَبْرٍ) بفتح الجيم وسكون الموحدة وفي آخره راء، ابن عتيك الأنصاري المدني وأهل المدينة يقولون جابر والعراقيُّون جبر، سمع عمر وأنسًا رضي الله عنهما، وروى عنه مالك ومسعر وشعبة وروى له البخاري ومسلم والترمذي والنَّسائي.
ولم نظفر بتاريخ وفاته.
(قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا) أي ابن مالك، كما في رواية (رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلم) ومن لطائف هذا الإسناد أنَّه من رباعيَّات البخاري فوقع عاليًا، ووقع لمسلم خماسيًا. ومنها أنَّ فيه التحديث والإخبار بالجمع والإفراد والسماع، ومنها أنَّ فيه راويًا وافق اسم اسمَ أبيه.
وأخرج متنه المؤلِّف في (( فضائل الأنصار ) ) [خ¦3784] أيضًا، وأخرجه مسلم أيضًا ولفظه (( آية المنافق، وآية المؤمن ) )، وأخرجه النسائي أيضًا.
(أنَّهُ قَالَ آيَةُ الإِيمَانِ) بهمزة ممدودة وياء تحتانية؛ أي علامة الإيمان الكامل، هذا هو المعتمد في ضبط هذه الكلمة في جميع الرِّوايات
ج 1 ص 202
في (( الصحيحين ) )وغيرهما.
ووقع في (( إعراب الحديث ) )لأبي البقاء العُكبري أنَّه الإيمان، والتَّقدير أن الشأن الإيمان حب الأنصار.
قال الحافظ العسقلاني وهذا تصحيفٌ منه، ثمَّ فيه نظر من جهة المعنى؛ لأنَّه يقتضي حصر الإيمان في حبِّ الأنصار، وليس كذلك.
هذا ثمَّ الآية أصلها أَوَية بالتحريك قلبت الواو ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، والنسبة إليها آوي، كذا قال سيبويه. وقال الفراء أصلها آيية على وزن فاعلة فحذفوا الياء الثانية الَّتي هي لام ثمَّ فتحوا الياء الَّتي هي عين؛ لأجل تاء التأنيث.
(حُبُّ الأَنْصَارِ) جمع ناصر، كالأصحاب جمع صاحب، ويقال جمع نصير، كشريف وأشراف، وهم ولد الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة، وكان الأنصار يعرفون قبل ذلك بابني قَيْلة بفتح القاف وسكون التحتانية، وهي الأم التي تجمع القبيلتين فسمَّاهم النبي صلَّى الله عليه وسلم الأنصار، فصار ذلك عَلَمًا عليهم.
وأُطلق أيضًا على أولادهم وحلفائهم ومواليهم، ويقال سمَّاهم الله تعالى بذلك فقال {وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [الأنفال 72] .
ثم الأنصار جمع قلَّة فلا يكون لِما فوق العشرة وهم ألوف، لكن القلَّة والكثرة إنَّما يعتبران في نكرات الجموع أمَّا في المعارف فلا فرق بينهما على أنَّ استعمال أحدهما في مقام الآخر كثير في كلامهم، فافهم.
وثمرة حب الأنصار إرادة الخير لهم، والكف عن إيذائهم، ولا يلزم منه أن يكون من لا يحبهم مؤمنًا، إذ لا يلزم من عدم العلامة على أنَّ المراد كمال الإيمان.
(وَآيَةُ النِّفَاقِ) الذي هو إظهار الإيمان، وإبطان الكفر سمِّي المنافق منافقًا؛ لأنَّه يستر كفره، ويغيِّبه، فشبَّه بالذي يدخل النفَق وهو السرّب يستتر فيه، أو لأنه نافق كاليربوع فشبِّه به؛ لأنه يخرج من الإيمان من غير الوجه الذي دخل فيه، أو لإظهاره غير ما يضمر تشبيهًا باليربوع فإنَّ النافقاء حجرة اليربوع يكتمها ويظهر غيرها، فإذا أتى من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانتفق؛ أي خرج.
فإن قلت مقتضى المقابلة أن يقال وآية الكفر، فلم عدل عنه؟.
يُجاب بأن الالتباس إنَّما هو بين الإيمان الحقيقي والإيمان الظَّاهري الَّذي هو النِّفاق، فاحتيج إلى بيان علامتهما لا بَيْن الإيمان والكفر، ومقابل الإيمان الحقيقي هو النِّفاق لا الكفر.
(بُغْضُ الأَنْصَارِ) أي من حيث أنهم أنصاره صلَّى الله عليه وسلم، كما يُومئ إليه وضع المظهر موضع المضمر،
ج 1 ص 203
ولا يجتمع ذلك مع التَّصديق بالقلب، فلا يلزم منه أنَّ مَن أبغضهم يكون منافقًا وإن كان مصدقًا بقلبه.
وإنَّما خصُّوا بهذه المنقَبة العظيمة والمنحة الجسيمة؛ لِما فازوا به دون غيرهم من القبائل من نصره عليه السلام وإيوائه ومن معه والقيام بأمرهم ببذل أنفسهم وأموالهم وإيثارهم إيَّاهم في كثير من الأمور على أنفسهم مع معاداتهم جميعَ الفرق من عُرب ومن عجم إيثار الإسلام، والعداوة تجرُّ البغض. وكذا هذه الفضائل تُوجبُ الحسد، والحسد يجرُّ البغض.
ومن ثَمَّة كان حبُّهم علامة الإيمان ترغيبًا في حبِّهم وكان بغضهم علامة النِّفاق تحذيرًا من بغضهم، ومجازاة لهم على عملهم. فمن أحبَّ الأنصار لهذه الخصال كان ذلك من دَلائل صحة إيمانه وصدقه في إسلامه، ومن أبغضهم كان بضدِّ ذلك.
ويُستدلُّ به على نفاقه وفسادِ سريرته.
قالوا وهذا جارٍ في أعيان الصَّحابة كالخلفاء وبقيِّة العشرة والمهاجرين، إذ في كلِّ واحد منهم له غناء في الدِّين وأثر حسن فيه، فحبهم لذلك المعنى محضُ الإيمان وبغضُهم محض النِّفاق. ويدلُّ عليه ما روي مرفوعًا في فضل أصحابه كلهم (( من أحبهم فبحبي أحبَّهم، ومن أبغضَهم فببغضِي أبغضهم ) ).
وقد ثبت في (( صحيح مسلم ) )عن علي رضي الله عنه أنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلم قال له (( لا يحبّك إلَّا مؤمن، ولا يبغضك إلَّا منافق ) ).
وقال القرطبي وأمَّا من أبغض _ والعياذ بالله تعالى _ أحدًا منهم من غير تلك الجهة بل للأمر الطارئ الذي اقتضى المخالفة لم يصر بذلك منافقًا ولا كافرًا، فقد وقع بينهم حروب ومخالفات، ومع ذلك لم يحكم بعضهم على بعض بالنِّفاق، وإنَّما كان حالهم في ذلك حال المجتهدين في الأحكام.
فإمَّا أن يقال كلهم مصيب أو المصيب واحد وله أجران، والمخطئ معذورٌ وله أجرٌ، فمن وقع له بغض لأحد منهم _ والعياذ بالله _ لشيءٍ من ذلك فهو عاصٍ تجب عليه التوبة ومجاهدة نفسه بذكر سوابقهم وفضائلهم ومالهم على كلِّ من بعدهم من الحقوق، إذ لم يصل أحد ممَّن بعدهم لشيءٍ من الدِّين إلَّا بهم وبسببهم، قال الله تعالى {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا} [الحشر 10] الآية.
فإن قلت إذا كان حب الأنصار آية الإيمان فبغضهم آية عدمه؛ لأنَّ حكم نقيض الشيء نقيض حكم الشيء، فما الفائدة في ذكر آية النِّفاق؟.
فالجواب على تقدير التسليم أنَّ الفائدة في ذكره التَّصريح به والتَّأكيد له، والمقام يقتضي ذلك كما بسط هنالك.
ج 1 ص 204
ثمَّ اعلم أنَّ أهل المعاني قالوا إنَّ المبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين يفيد الحصر؛ أي حصر المبتدأ على الخبر وبالعكس، لكن الظاهر أن الحصر هنا ادعائي تعظيمًا لحب الأنصار كأن الدَّعوى له لا علامة للإيمان إلَّا حبهم، وليس حبهم إلَّا علامته. ويؤيده ما جاء في (( صحيح مسلم ) ) (( آية الإيمان حب الأنصار ) )بتقديم الآية (( وحب الأنصار آية الإيمان ) )بتقديم الحب.
وقال الحافظ العسقلاني إن العلامة كالخاصَّة تطَّرد ولا تنعكس، وإن أخذَ من طريق المفهوم فهو مفهوم لقب لا عبرة به.
وتعقَّبه محمود العيني بأنَّه نظير قولك الضاحك الكاتب، فإنَّ معناه حصر الضاحك على الكاتب وحصر الكاتب على الضَّاحك وكيف يدعي فيه الاطراد دون الانعكاس فإذن آية الإيمان كما هي محصورة على حبِّ الأنصار، وكذلك حبُّ الأنصار محصور على آية الإيمان بمقتضى هذا الحصر.