18 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الحمصي (قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة القرشي (عَنِ الزُّهْرِيّ) محمد بن مسلم، وقد سبق ذِكرهم، أنه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللَّهِ) بالذال المعجمة، وهو اسم علم؛ أي ذو عياذة بالله، فهو عطف بيان لقوله أبو إدريس.
(ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمر الخولاني نسبة إلى خَولان بن بن عمرو بن مالك بن الحارث بن مرة بن أُدَد الدمشقي الصحابي الصَّغير التابعي الكبير من حيث الرواية.
روى عن عبد الله بن مسعود وعن معاذ على الأصح، وسمع عبادة بن الصَّامت وأبا الدرداء وخلقًا كثيرًا. ولد يوم
ج 1 ص 205
حنين. وقال ابن منجويه ولَّاه عبد الملك القضاء بدمشق، وكان من عبَّاد الشام وقرَّائهم، مات سنة ثمانين، روى له الجماعة.
(أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ) بضم العين، هو أبو الوليد بن الصامت بن قيس الأنصاري الخزرجي شهد العقبة الأولى والثانية وبدرًا وأحدًا وبيعة الرضوان والمشاهد كلها مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلم وهو أول من ولي قضاء فلسطين وكان طويلًا جسيمًا جميلًا فاضلًا.
وفي (( الاستيعاب ) )وجَّهه عمر رضي الله عنه إلى الشام قاضيًا ومعلِّمًا فأقام بحمص، ثمَّ انتقل إلى فلسطين ومات بها ودفن ببيت المقدس وقبره بها معروف، وقيل توفي بالرملة وكانت وفاته سنة أربع وثلاثين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. وقيل في خلافة معاوية سنة خمس وأربعين. روي له عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم مائة وأحد وثمانون حديثًا، اتفَّقا منها على ستة أحاديث، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بحديثين.
وعبادة بن الصامت فرد في الصَّحابة رضي الله عنهم وفيهم عُبادة بدون ابن الصامت اثني عشر نفسًا.
(رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) ومن لطائف هذا الإسناد أنَّ رجاله كلُّهم شاميُّون. ومنها أنَّ فيه التَّحديث والعنعنة. ومنها أنَّ فيه رواية القاضي عن القاضي، ومنها أن فيه رواية من رأى النَّبي عليه السلام عمَّن رأى النَّبي عليه السلام.
وقد أخرج متنه المؤلِّف أيضًا في (( المغازي ) ) [خ¦3999] و (( الأحكام ) ) [خ¦7213] ، وفي (( وفود الأنصار ) ) [خ¦3892] ، وفي (( الحدود ) ) [خ¦6784] ، ومسلم في (( الحدود ) )أيضًا، والترمذي، والنسائي، وألفاظهم مختلفة.
(وَكَانَ شَهِدَ) من باب علم؛ أي حضر (بَدْرًا) أي الغزوة العظمى لرسول الله صلَّى الله عليه وسلم بالمكان المعروف ببدر، وهو في الأصل ماء معروف على نحو أربعة مراحل من المدينة، وكان لرجل يدعى بدرًا فسمِّي باسمه يذكَّر ويؤنَّث، وهذه الغزوة هي أول وقعة قاتل النبي صلَّى الله عليه وسلم فيها المشركين على ما قاله العسقلاني. وإنَّما خَصَّ هذه بالذكر مع أنَّ عُبادة شهِد المشاهد كلها؛ لشرفها وفضلها على سائر الغزوات.
قال محمود العيني الواو في قوله (( وكان ) )هي الواو الداخلة على الجملة الموصوف بها؛ لتأكيد لصوق الصفة بموصوفها وإفادة أنَّ اتَّصافه بها أمر ثابت، وكذلك الواو في قوله وهو أحدٌ النقباء.
ولا شكَّ أن كون شهود عُبادة بدر أو كونه من النقباء صفتان من صفاته، ولا يجوز أن يكون للحال ولا للعطف على ما لا يخفى. انتهى.
أقول ليت شعري ما المانع من كونها اعتراضية، والجملة معترضة بين اسم إنَّ وخبرها المقدَّر، كما سيجيء تقديره.
ثمَّ إن قائل هذا القول يجوز أن يكون أبا إدريس فيكون متصلًا إذا حُمل على أنَّه سمع ذلك من عبادة، ويجوز أن يكون الزهري فيكون منقطعًا، وكذا الكلام في قوله
ج 1 ص 206
(وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ) جمع نقيب، وهو النَّاظر على القوم وضمينهم وعريفهم، وقد نقب على قومه ينقب نقابة مثل كتب يكتب كتابة، إذا صار نقيبًا، والمراد نقباء الأنصار وهم الذين تقدَّموا لأخذ البيعة لنصرة رسول الله صلَّى الله عليه وسلم (لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ) أي العقبة التي تنسب إليها جمرة العقبة، وهي بمنى، وعقبة الجبل معروفة، وهو الموضع المرتفع العالي، وهم كانوا اثني عشر رجلًا.
قال العيني وهم العِصابة المذكورة أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث، وأخوه معاذ، وهما ابنا عفراء، وذكوان بن عبد القيس، ورافع بن مالك، وعبادة بن الصامت، وعباس بن عبادة بن نضلة، ويزيد بن ثعلبة، وعقبة بن عامر، وقطبة بن عامر، فهؤلاء عشرة من الخزرج.
ومن الأوس أبو الهيثم بن التيهان، وعويم بن ساعدة.
اعلم أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم كان يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم، فبينما هو عند العقبة، إذ لقي رهطًا من الخزرج فقال (( ألا تجلسون أكلمكم ) )قالوا بلى، فجلسوا، فدعاهم إلى الله تعالى، وعرض عليهم السلام وقرأ عليهم القرآن، وكانوا قد سمعوا من اليهود أنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلم قد أطلَّ زمانه، فقال بعضهم لبعض والله إنه لذاك، فلا يسبقنَّ اليهودُ عليكم، فأجابوه، فلمَّا انصرفوا إلى بلادهم وذكروه لقومهم، فَشَى أمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلم فيهم، فأتى في العام المقبل اثنا عشر رجلًا إلى الموسم من الأنصار أحدهم عبادة بن الصامت، فلقيهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلم بالعقبة وهي بيعة العقبة الأولى، فبايعوه بيعة النساء يعني ما قال الله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ} [الممتحنة 12] ، ثم انصرفوا وخرج في العام الآخر سبعون رجلًا منهم إلى الحج فواعدهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلم العقبة أوسط أيَّام التشريق.
قال كعب بن مالك فلمَّا كانت اللَّيلة التي وعدناها بتنا أول اللَّيل مع قومنا، فلمَّا استثقل النَّاس من النوم تسللنا من فرشنا حتى اجتمعنا بالعقبة، فأتانا رسول الله صلَّى الله عليه وسلم مع عمه العباس لا غير، فقال العباس يا معشر الخزرج، إن محمدًا منَّا حيث علمتم
ج 1 ص 207
وهو في مَنَعةٍ ونُصرة من قومه وعشيرته، وقد أبى إلا الانقطاع إليكم، فإن كنتم وافين بما وعدتموه فأنتم وما تحمَّلتموه، وإلَّا فاتركوه في قومه، فتكلَّم رسول الله صلَّى الله عليه وسلم داعيًا إلى الله مرغبًا في الإسلام، تاليًا للقرآن، فأجبناه بالإيمان فقال (( إني أبايعكم على أن تمنعوني مما منعتم به أبناءكم ) )فقلنا ابسط يدك نبايعك عليه، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم (( أَخرِجوا إلي منكم اثني عشر نقيبًا ) )فأخرجنا من كلِّ فرقة نقيبًا، وكان عُبادة نقيبُ بني عوف، فبايعوه عليه السلام وهذه بيعة العقبة الثانية.
وله صلَّى الله عليه وسلم بيعة ثالثة مشهورة وهي البيعة التي وقعت بالحديبية تحت الشجرة عند توجهه من المدينة إلى مكة تسمَّى بيعة الرضوان، وهذه بعد الهجرة بخلاف الأُولَيين، وعُبادة شهدها أيضًا فهو من المبايعين في الثَّلاث رضي الله عنهم.
هذا ثُمَّ اعلم أنَّ خبر (( أنَّ ) )في قوله (( أنَّ عبادة بن الصامت ) )، مقدَّر تقديره قال، أو أخبر.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلم قَالَ) وهو ساقط من أصل الرواية، وسقوط هذا غير جائز، وإنما جرت عادة أهل الحديث بحذف قال إذا كان مكرَّرًا نحو قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم. ومن هذا ينطقون بها عند القراءة، وأمَّا هنا فلا وجه مجوِّز للحذف.
ويدلُّ عليه أنَّه ثبت في رواية البخاري لهذا الحديث بإسناده هذا في باب من شهد بدرًا، والظَّاهر أنَّها سقطت من النساخ من بعده فاستمرُّوا عليه. وقد روى أحمد بن حنبل عن أبي اليمان بهذا الإسناد أنَّ عُبادة حدثه.
(وَحَوْلَهُ) نصب على الظرفية، يقال حوله وحواله وحوليه وحوالَيه _ بفتح اللام في كلها _ أي محيطون به، خبر مقدَّم لقوله (عِصَابَةٌ) كائنة (مِنْ أَصْحَابِهِ) والعِصابة _ بكسر العين _ هي الجماعة من الناس لا واحد لها وهو ما بين العشرة إلى الأربعين، وأُخِذ إما من العصب بمعنى الشدِّ كأنه يشدُّ بعضهم بعضًا، ومنه العصابة؛ أي الخرقة تشدُّ على الجبهة. ومنه العَصَب؛ لأنَّه يشد الأعضاء.
وإمَّا من العَصْب الذي بمعنى الإحاطة يقال عصب فلان بفلان إذا أحاط به وجمع على عصائب وعُصُب، والجملة اسميَّة حاليَّة تشير إلى أنَّ المخاطبين العصابة وإلى المبالغة في ضبط الحديث، وأنه يرويه عن تحقيق وإتقان.
ومن ثمَّة ذكر أنَّ الراوي قد شهد بدرًا، وأنَّه أحد النقباء، إذ لا شك أنَّ في ذكره
ج 1 ص 208
إشعارًا بأنه ضابط مع ما فيه من ترجيح وتصحيح، إذ فضل الراوي وشرفه من مرجِّحات الرِّواية ودَلائل صحتها.
(بَايِعُونِي) وزاد في باب وفود الأنصار (( تعالوا بايعوني ) ) [خ¦3892] المبايعة على الإسلام عبارة عن المعاهدة والمعاقدة عليه، سُمِّيت بذلك؛ تشبيهًا بالمعارضة المالية كأنَّ كل واحد منهما يبيع ما عنده من صاحبه، فمن طَرَف رسول الله صلَّى الله عليه وسلم وَعْدُ الثواب، ومن طرفهم التزام الطاعة، كما في قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة 111] ، وقد تُعرف بأنها عقد الإمام العهد بما يأمر الناس به.
(عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا) أي على توحيده سبحانه وتعالى، وهذا هو أصل الإيمان وأساس الإسلام فلهذا قدَّمه على إخوانه، وقوله (( شيئًا ) )عام؛ لأنَّه نكرة في سياق النَّهي؛ لأنه في معنى النَّفي.
(وَ) على أن (لاَ تَسْرِقُوا) بفتح التاء وكسر الراء حذف مفعوله؛ للتَّعميم (وَلاَ تَزْنُوا وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ) خصَّ القتلَ بالأولاد مع أنَّ قتل غيرهم أيضًا منهيٌّ عنه بغير حق؛ لأنَّهم كانوا يقتلون الأولاد غالبًا؛ خشيةَ الإملاق، فخرج الكلام مخرجَ الغالب فلا يرد السؤال بالمفهوم على مذهبِ من قال به أيضًا؛ لأنَّ اعتبار المفهوم إنَّما هو إذا لم يكن الكلام خارجًا مخرجَ الغالب على أنَّه مفهوم اللَّقب، وهو مردودٌ.
ولأنَّ قَتْلهم أكثر من قتْل غيرهم وهو الوأد وهو أشنع القتل، ولأنَّه قتل وقطيعة رحم، فصرف العناية إليه أكثر.
(وَلاَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ) هو الكذب الَّذي يبهت سامعه ويدهشه؛ لفظاعتهِ كالرَّمي بالزِّنا والفضيحة والعار.
وقال الخطَّابي معناه هاهنا قذف المحصنات، وهو من الكبائر، ويدخلُ فيه الاغتياب لهنَّ ورميهنَّ بالمعصية.
وأمَّا في بيعة النِّساء فقال الهروي هو نسبة المرأة الولد الذي تزني به، أو تلتقطه إلى زوجها.
(تَفْتَرُونَهُ) من الافتراء، وهو الاختلاقُ، والفِرية الكذب، ويقال فلان يَفري الفِرَى، إذا كان يأتي بالعجب في عمله (بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ) أي من قِبَل أنفسكم فكنى باليد والرجل عن الذات؛ لأنَّ معظم الأفعال تقع بهما إذ كانت هي العوامل والحوامل للمباشرة والسَّعي، ولذلك يسمُّون الصنائع الأيادي، وقد يعاقب الرجل بجناية قوليَّة فيقال له هذا ما كسبت يداك، أو معناه لا تغشوه من ضمائركم؛ لأنَّ المفتري إذا أراد اختلاق قولٍ، فإنَّه يقدِّره ويقرِّره أولًا في ضميره، ومنشأ ذلك ما بين الأيدي والأرجل من الناس وهو القلب، والأول كناية عن إلقاء البهتان من تلقاء أنفسهم، والثاني عن إنشاء البهتان؛ أي جعله ناشئًا من دخيلة قلوبهم ومختلقها مبنيًا على الغش المبطن.
وقال الخطَّابي معناه لا تبهتوا الناس بالمعائب كفاحًا مواجهة، وهذا كما يقول
ج 1 ص 209
الرجل فعلت هذا بين يديك؛ أي بحضرتك. قيل وفيه نظر؛ لذكر الأرجل.
وأُجيب بأن المراد الأيدي، وذكر الأرجل؛ تأكيدًا وتابعًا له فالمخطئ مخطئ.
وقال محمد بن أبي جمرة يحتمل أن يكون قوله (( بين أيديكم ) )؛ أي في الحال وقوله (( وأرجلكم ) )؛ أي في المستقبل؛ لأنَّ السعي من أفعال الأرجل.
وفائدة هذا الإطناب حيث قيل تأتوا ووصف البهتان بالافتراء مع أنهما من ولد واحد وزِيد عليه بين أيديكم وأرجلكم، وقد كان يكفي أن يقال ولا تبهتوا هي مزيد التقرير، وتصوير شناعة هذا الفعل.
(وَلاَ تَعْصُوا) بضم الصاد، من العصيان خلاف الطاعة، وفي باب وفود الأنصار (( ولا تعصوني ) ) [خ¦3892] (فِي مَعْرُوفٍ) أي حَسن، وهو ما لم ينه الشارع عنه، أو مشهور؛ أي ما عُرف فعله من الشارع واشتهر منه. وقال البيضاوي المعروف ما عُرف حسنه من الشارع. وقال الزَّجاج أي المأمور به.
وقال في (( النهاية ) )هو اسم جامعٌ لكلِّ ما عرف من طاعة الله، والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشارع ونهى عنه من المحسَّنات والمقبَّحات، والمعنى ولا تعصوني إذا أمرتكم بالمعروف، وقيد به؛ تطييبًا لقلوبهم بأنَّه لا يأمر النبي صلَّى الله عليه وسلم إلا بالمعروف. وقيل تنبيهًا على أن طاعة المخلوق إنما تجب فيما كان غير معصية لله تعالى، وأن طاعته في معصية جديرة بغاية التَّوقِّي والاجتناب.
وقال النَّووي يحتمل أن يكون معنى الحديث ولا تعصوني ولا أحدًا ولي الأمر عليكم من أتباعي إذا أمرتم بالمعروف، فيكون التقييد بالمعروف عائدًا إلى الاتباع، ولهذا قال ولا تعصوا ولم يقل ولا تعصوني هذا، فتأمل.
واعلم أنَّه ذكر الاعتقاديات والعمليَّات كلتاهما، لكن اكتفى في الاعتقاديات بالتوحيد؛ لكونه هو الأصل والأساس، واقتصر على ذكر المنهيَّات؛ لأنَّ هذه المبايعة كانت في أوائل البعثة ولم تشرع الأفعال بعد.
ويقال لم يقتصر على ذكر المنهيَّات، كيف وقد قال ولا تعصوا في معروف، إذ العصيان مخالفة الأمر. وقدَّم ترك المنهيَّات على فعل المأمورات؛ لأنَّ التخلي عن الرذائل مقدَّم على التحلِّي بالفضائل، وترك سائر المنهيَّات، ولم يقل مثلًا ولا تقربوا مال اليتيم، وغير ذلك، إما لأنَّه لم يكن في ذلك الوقت حرام آخر، أو اكتفى بالبعض؛ ليقاس الآخر عليه، أو لزيادة الاهتمام بالمذكورات.
(فَمَنْ وَفَى) بالتخفيف، وفي رواية بالتشديد؛ أي ثبت على ما بايع عليه من العهد، يقال وفى بالعهد، وأوفى ووفَّى بالتشديد؛ أي ثبت عليه.
(مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) أي بالجنة، كما وقع
ج 1 ص 210
التصريح به في (( الصحيحين ) )من حديث عبادة في رواية الصُّنابحي، ثم إن هذا الكلام وارد على سبيل التفخيم والمبالغة في تحقيق وقوعه، كقوله تعالى {فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [النساء 100] ؛ لأن كلمة {عَلَى} تشعر بالوجوب، ولا يجب على الله شيءٌ بالأدلة القاطعة.
وقد يدلُّ عليه آخر الحديث أيضًا، فإن قوله فهو إلى الله إشارة إلى أنه لا يجب عليه عقاب عاصٍ، وإذا لم يجب عليه هذا لا يجب عليه ثواب مطيع، إذ لا قائل بالفصل بل الأجر من فضله وإحسانه.
ولمَّا ذكر المبايعة المقتضية لوجود العِوَضين أثبت الأجر في موضع أحدهما؛ لأنَّ فضله تعالى مشابه للأجر صورة؛ لترتبه على عمل العبد.
(وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوْقِبَ) أي به، كما في رواية أحمد؛ أي بسببه (فِي الدُّنْيَا) بأن أُقيم عليه الحد. قال ابن التِّين أي القطع في السرقة والحد في الزِّنا، وأما قتل الولد فليس له عقوبة معلومة، إلَّا أن يُراد قتل النَّفس، فكنى بالأولاد عنه. وفي طريق الصُّنَابحي عن عبادة في هذا الحديث {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الأنعام 152] هذا.
ولكن قوله (( فعوقب ) )به الظاهر أنَّه أعمُّ من أن تكون العقوبة حدًا أو تقريرًا، وهل يدخل في العقوبة المذكورة المصائب أوْ لا، فيه تردد.
ويدلُّ على المنع قوله (( ومن أصاب من ذلك شيئًا، ثم ستره الله ) )فإنَّ هذه المصائب الدنيوية من الآلام والأسقام وغير ذلك لا تنافي السر.
لكن ثبت الأحاديث الدَّالة على أنَّ المصائب تكفِّر الذنوب، فيحتملُ أنها تكفِّر ما لا حدَّ فيه، والله أعلم.
(فَهُوَ) أي العقاب (كَفَّارَةٌ) أي له، كما في رواية للمؤلف [خ¦4894] ، وكذا في رواية أحمد.
والكفَّارة هي الفَعْلة التي من شأنها أن تُكَفِّر الخطيئة؛ أي تسترها، وإذا كان كفَّارة فلا يُعاقَب عليه قيل إنَّ قتل القاتل حَدٌّ وارتداعٌ لغيره، وأما في الآخرة فالطلب للمقتول قائم؛ لأنَّه لم يَصِلْ إليه حقُّه، وفيه أنّه لو كان كذلك لم يجز العفو عن القاتل.
أقولُ وفيه نظر لا يخفى. نعم وردت أحاديث تدلُّ صراحة على أنَّ حق المقتول يصل إليه بقتل القاتل. منها ما رواه ابن حبَّان وصححه (( إنَّ السيف محَّاء للخطايا ) ). ومنها ما رواه الطَّبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال (( إذا جاء القتل مُحى كلَّ شيء ) )، ورُوي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما نحوه. ومنها ما رواه البزَّار عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا (( لا يَمرُّ القتل بذنب إلَّا محاه ) ).
وقال القاضي عياض ذهب أكثر العلماء إلى أنَّ الحدود كفَّارة؛ استدلالًا بهذا الحديث، وبنحو هذا الحديث الذي رواه الترمذي وصحَّحه من حديث علي رضي الله عنه مرفوعًا، وفيه (( ومن أصاب ذنبًا فعوقب به في الدنيا، فالله أكرم من أن يُثني العقوبة على عبده في الآخرة ) ). ومنهم من توقف؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه المروي عند البزَّار والحاكم، وقد صحَّحه أنَّه صلَّى الله عليه وسلم قال (( لا أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا ) ).
وأُجيب بأنَّ حديث عبادة أصح إسنادًا، وبأنَّ حديث أبي هريرة ورد أولًا قبل أن يعلم عليه السلام، ثمَّ أعلمه الله تعالى آخرًا، وعورض بتأخر إسلام أبي هريرة.
وتقدَّم حديث عبادة، إذ كان ليلة العقبة، وهاهنا كلام يطول ذكره.
ثمَّ إن قوله (( شيئًا ) )عام؛ لأنَّه نكرة في سياق الشَّرط، وقد صرَّح ابن الحاجب بأنه كالنفي في إفادة العموم؛ لنكرة وقعت في سياقه.
قال النَّووي عموم هذا الحديث مخصوص بقوله
ج 1 ص 211
تعالى {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء 48] ، فالمرتد إذا قُتل على الرِّدة لا يكون القتل كفارة له.
هذا ويحتمل أن يكون مخصوصًا بالإجماع أو لفظ ذلك إشارة إلى غير الشرك بقرينة الستر، فإنَّه يستقيم في الأفعال التي يمكن إظهارها وإخفاؤها، وأمَّا الشرك _ أي الكفر _ فإنه من الأمور الباطنة، فإنه ضد الإيمان وهو التَّصديق القلبي على الأصح.
وقال الطِّيبي قالوا المراد منه المؤمنون خاصَّة؛ لأنَّه معطوف على قوله (( فمن وفا ) )وهو خاص بهم لقوله (( منكم ) )تقديره ومن أصاب منكم أيُّها المؤمنون من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا؛ أي أقيم الحد عليه لم يكن له عقوبة؛ لأجل ذلك في القيامة.
وهو ضعيفٌ؛ لأن الفاء في (( فمن ) )لترتيب ما بعدها على ما قبلها، والضمير في منكم للعصابة المعهودة فكيف يخصَّص الشرك بالغير؟.
فالصَّحيح أنَّ المراد بالشرك الرِّياء؛ لأنه الشرك الخفيُّ قال تعالى {وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف 110] . ويدلُّ عليه تنكير شيئًا؛ أي شِركًا أيَّ ما كان.
وتُعقِّب بأنَّ عُرْفَ الشارع يقتضي أن لفظ الشرك عند الإطلاق يُحمَل على مقابل التوحيد سيَّما في أوائل البعثة، وكثرة عبدة الأصنام. وأيضًا عقب الإصابة بالعقوبة في الدنيا، والرياء لا عقوبة فيه، فتبين أنَّ المراد به الشرك، وأنَّه مخصوص كما عرفت.
تنبيه يُستفاد من الحديث أنَّ إقامة الحد كفارة للذَّنب ولو لم يتب المحدود، وهو قول الجمهور، وقيل لا بدَّ من التوبة، وبذلك جزم بعضُ التابعين، وهو قول المعتزلة.
ووافقهُم ابن حزم وابن الميسر بن البغوي وطائفة، واستدلوا باستثناء من تاب في آية المحاربين.
وأجمع علماؤنا رحمهم الله على أنَّ الطهرة من الذُّنوب ليست من أحكام الحدود؛ لأنها ليست أصلية فيها، فإنها تحصل بالتوبة بفضل الله سبحانه لا بالحدِّ، ألا ترى أنَّ الحد يقام على الكافر، ولا طُهرة له.
واحتجوا في ذلك بآية قُطَّاع الطريق ذلك لهم خزي في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم.
وأجابوا عن هذا الحديث بأنَّه محمول على ما إذا تاب في العقوبة جمعًا بين الأدلة.
وأجمعوا أيضًا على أنَّ التَّوبة لا تُسقِطُ الحدَّ في الدنيا، فاستثناء من تاب لإسقاطها عذاب الآخرة بفضله سبحانه وتعالى، والله أعلم.
(وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ) المذكور (شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ) وفي رواية زيادة وفي عطف الجملة المتضمِّنة للعقوبة على ما قبلها بالفاء [1] ، والمتضمِّنة للستر بثُمَّ تنفير عن مواقعة المعصية، فإنَّ السامع إذا علم أنَّ العقوبة مفاجأة لإصابة المعصية غير متراخية عنها، وأنَّ الستر متراخٍ بَعثَه ذلك على اجتناب المعصية وتوقِّيها.
(فَهُوَ) مفوِّض حكمه من الأجر والعقاب (إِلَى اللَّهِ) تعالى (إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ) بفضله (وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ) بعدله، ظاهره يشمل من تاب، ومن لم يتب من ذلك، كما قال بذلك طائفة.
وقال الجمهور إنَّ التوبة ترفع المؤاخذة، ومع ذلك فلا يأمن مكر الله؛ لأنَّه لا اطلاع له هل قُبلت توبته أو لا، وقيل يفرِّق بين ما يجب فيه الحد وما لا يجب، واختلف فيمن أتى ما يُوجِب الحد فقيل يجوز أن يتوب سرًا، ويكفيه ذلك.
وقيل بل الأفضل أن يأتي الإمام ويعترف ويسأله أن يقيم عليه الحدَّ، كما وقع لماعز والغامدية، وفصَّل بعض العلماء بين من يكون معلنًا بالفجور فيستحب أن يُعلن توبته
ج 1 ص 212
وبين من لا يكون معلنًا فلا يستحبُّ الإعلان.
وفيه دَلالة على أنَّ من مات من أهل الكبائر قبل التَّوبة إن شاء الله عفى عنه، وأدخله الجنة أوَّل زمرة، وإن شاء عذَّبه في النار، ثمَّ يدخله الجنَّة، كما هو مذهب أهل السُّنة.
ورُدَّ على الخوارج الذين يكفِّرون بالذُّنوب الكبائر وعلى المعتزلة الذين يوجبون تعذيب الفاسق إذا مات بلا توبة، كما أنهم يوجبون العفو بعد التَّوبة؛ وذلك لأنَّ الله تعالى أخبر بأنَّه تحت المشيئة ولم يقل فلا بدَّ أن يعذِّبه.
قال الطِّيبي وفيه إشارة إلى أنَّه لا يجوز الشهادة بالجنَّة ولا بالنار لأحد بعينه إلَّا من ورد فيه النص كالعشرة المبشَّرة رضوان الله عليهم أجمعين.
(فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ) المذكور من الأمور.
[1] في هامش الأصل والفاء هنا للتعقيب ثم التعقيب في كل شيء بحسبه، فيجوز هاهنا أن يكون بين الإصابة والعقاب مدة طويلة أو قصيرة وذلك بحسب الوقوع، ويجوز أن تكون الفاء للسببية كما في قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً} وأما ثم فإن وَضْعَها للتراخي وقد يتخلف، وهاهنا ثم ليست على بابها عَقيب الإصابة ولا يتراخى، فافهم.