فهرس الكتاب

الصفحة 3117 من 11127

1989 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) بن يحيى أبو سعيد الجعفي، قدم مصر وحدَّث بها، وتوفِّي بها سنة ثمان، ويقال سبع وثلاثين ومائتين، قال (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ) شكٌّ من يحيى في أنَّ الشَّيخ قرأ أو قرئ عليه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) بفتح العين، هو ابن الحارث (عَنْ بُكَيْرٍ) هو ابنُ عبد الله بن الأشج (عَنْ كُرَيْب) هو ابن أبي مسلم القرشي مولى عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما (عَنْ مَيْمُونَةَ) بنت الحارث أمِّ المؤمنين (رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ النَّاسَ شَكُّوا) بتشديد الكاف من الشَّك (فِي صِيَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَرَفَةَ) منهم من قال إنَّه صائم على عادته في الحضر، ومنهم من قال إنَّه غير صائم لكونه مسافرًا (فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ) صلى الله عليه وسلم (بِحِلاَبٍ) بكسر الحاء المهملة وتخفيف اللام، هو الإناء الذي يجعل فيه اللَّبن، وقيل الحلاب هو اللَّبن المحلوب، وقد يُطلق على الإناء ولو لم يكن فيه لبن (وَهْوَ وَاقِفٌ فِي الْمَوْقِفِ) جملة حاليَّة (فَشَرِبَ مِنْهُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ) ونصف إسناد هذا الحديث

ج 9 ص 533

الأوَّل مصريُّون، ونصفه الآخر مدنيُّون، وقد أخرجه مسلم في الصَّوم أيضًا.

واستُدلَّ بهذين الحديثين على استحباب الفطر يوم عرفة وفيه نظر؛ لأنَّ فعله المجرَّد لا يدلُّ على ذلك؛ إذ قد يترك الشَّيء المستحب لبيان الجواز، ويكون في حقِّه أفضل لمصلحة التَّبليغ.

نعم؛ يتم الاستدلال بما رواه أبو داود والنَّسائي وصحَّحه ابنُ خزيمة والحاكم من طريق عكرمة أنَّ أبا هريرة رضي الله عنه حدَّثهم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة.

وقد أخذ بظاهره بعض السَّلف فنقل عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنَّه قال يجب فطر يوم عرفة للحاجِّ.

وعن ابن الزُّبير وأسامة بن زيد وعائشة رضي الله عنهم أنَّهم كانوا يصومونه، وكان ذلك يعجب الحسن ويحكيه عن عثمان رضي الله عنه.

وعن قتادة مذهب آخر قال لا بأس به إذا لم يضعف عن الدُّعاء، ونقله البيهقي في «المعرفة» عن الشَّافعي في القديم، واختاره الخطَّابي والمتولِّي من الشَّافعية.

وقال الجمهور يستحبُّ فطره حتَّى قال عطاء من أفطره ليتقوَّى به على الذِّكر كان له مثل أجر الصَّائم.

وقال الطَّبري إنَّما أفطر صلى الله عليه وسلم بعرفة ليدلَّ على الاختيار للحاجِّ لكي لا يضعف عن الدُّعاء والذِّكر المطلوب يوم عرفة، وقيل إنَّما أفطر لموافقته يوم الجمعة، وقد نهى عن إفراده بالصَّوم، ويبعده سياق أول الحديث كما لا يخفى.

وقيل إنَّما كره صوم يوم عرفة؛ لأنه يوم عيد لأهل الموقف لاجتماعهم فيه. ويؤيِّده ما رواه أصحاب السُّنن عن عقبة بن عامر رضي الله عنه مرفوعًا (( يوم عرفة ويوم النَّحر وأيَّام منىً عيدنا أهل الإسلام ) ).

وفي الحديثين المذكورين من الفوائد أنَّ العيان أقطع للحجَّة، وأنَّه فوق الخبر، وأنَّ الأكل والشرب في المحافل مباح ولا كراهة فيه للضَّرورة، وفيهما أيضًا تأسِّي النَّاس بأفعال النَّبي صلى الله عليه وسلم، وفيهما أيضًا جواز الوقوف راكبًا وجواز الشُّرب كذلك، وفيهما إباحة الهديَّة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبول هديَّة المرأة المتزوِّجة الموثوق بدينها من غير استفصال منها هل هو من مال زوجها أو لا، ولعلَّ ذلك من القدر الذي لا تقع به [1] المشاحَّة، قال المهلَّب وفيه نظر؛ لاحتمال أنه من بيت ميمونة زوج النَّبي صلى الله عليه وسلم.

وفيهما أيضًا

ج 9 ص 534

جواز البحث والاجتهاد في حياته صلى الله عليه وسلم، والمناظرة في العلم بين الرِّجال والنِّساء، والتحيُّل على الاطلاع على الحكم بغير سؤال، وفيهما فطنة أمِّ الفضل وميمونة رضي الله عنها لاستكشافهما عن الحكم الشَّرعي بهذه الوسيلة اللَّطيفة اللَّائقة بالحال؛ لأنَّ ذلك كان في يوم حرٍّ بعد الظَّهيرة.

قال ابن المنيِّر في «الحاشية» لم ينقل أنَّه صلى الله عليه وسلم ناول فضله أحدًا، فلعله علم أنَّها خصَّته به، فيؤخذ منه مسألة التَّمليك المقيَّد. انتهى.

ولا يخفى بُعده، وقد وقع في حديث ميمونة رضي الله عنها فشرب منه؛ وهو مشعر بأنَّه لم يستوف شربه. وقال أخوه الزَّين ابن المنيِّر لعل استبقاءه لما في القدح كان قصدًا لإطالةِ زمن الشُّرب حتَّى يعمَّ نظر النَّاس إليه؛ ليكون أبلغ في البيان، والله أعلم.

[1] في (خ) (( فيه ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت