1990 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهري (عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ) بالتصغير، واسمه سعد (مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ) هو عبد الرَّحمن بن الأزهر بن عبد عوف، وينسب أيضًا إلى عبد الرَّحمن بن عوف بن عبد عوف؛ لأنَّهما ابنا عم القرشي الزُّهري، مات سنة ثمان وتسعين.
وقال ابنُ الأثير قد غلط من جعله ابن عم عبد الرَّحمن بن عوف، بل هو عبد الرَّحمن بن أزهر بن عوف بن عبد عوف، وفي رواية الكشميهنيِّ ، وكذا في رواية مسلم.
(قَالَ شَهِدْتُ الْعِيدَ) زاد يونس عن الزُّهري في روايته الآتية في الأضاحي [خ¦5571] (( يوم الأضحى ) ) (مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ هَذَانِ يَوْمَانِ) فيه التَّغليب، فإنَّ الحاضر يشار إليه بهذا، والغائب يشار إليه بذاك، فلمَّا أن جمعهما لفظ هذان فقد غلَّب الحاضر على الغائب.
(نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَامِهِمَا) أحدهما (يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ)
ج 9 ص 535
كلمة (( من ) )متعلِّقة بقوله فطركم. وأغرب العيني حيث قال كلمة (( من ) )بيانية، وفي رواية يونس في الأضاحي (( أمَّا أحدهما فيوم فطركم ) ) [خ¦5571] .
(وَالْيَوْمُ الآخَرُ) بفتح الخاء (تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسكِكُمْ) بضم السين، ويجوز إسكانها؛ أي أضحيتكم، وفائدة وصف اليومين الإشارةُ إلى العلَّة في وجوب فطرهما، وهي الفصل من الصَّوم، وإظهار إتمامه وحده بفطر ما بعده وهو يوم الفطر، والأكل من النُّسك المتقرب بذبحه في يوم النَّحر، ولو شُرع صومه لم يكن لمشروعيَّة الذَّبح فيه معنىً، فعبَّر عن علَّة التَّحريم بالأكل من النسك؛ لأنَّه يستلزم النَّحر.
قيل ويستنبطُ من هذا المقام تعين السَّلام للفصل من الصَّلاة، وفي الحديث تحريم صوم يومي العيد سواء النَّذر والكفَّارة والقضاء والتمتُّع، وهو بالإجماع. وأمَّا في المذكورات ففيها خلاف بين العلماء.
وإذا قال لله عليَّ صوم يوم النَّحر أفطر وقضى، فهذا النَّذر صحيحٌ عندنا مع إجماع الأمَّة على أنَّ صومه وصوم الفطر منهيان ولو صام، فعن أبي حنيفة رحمه الله يتمُّ نذره؛ لأنَّ ما وجب ناقصًا يؤدَّى ناقصًا. وخالفه جمهور العلماء في ذلك.
ولو نذر صوم يوم قدوم زيد فقدم يوم العيد فالأكثر أنَّه لا ينعقد ولا يصحُّ صومه، وبه قال الشَّافعي وزفر وأحمد وهو رواية أبي يوسف وابن المبارك عن أبي حنيفة.
وروى الحسن عن أبي حنيفة أنَّه إن نذر صوم يوم النَّحر لا يصح، وإن نذر صوم غدٍ وهو يوم النَّحر صح. وقال مالك في رواية ابن القاسم وابن وهب عنه وهو قول الأوزاعي أنَّه يقضيه، وعن أكثر الحنفيَّة أنَّه ينعقد ويلزمه القضاء، وفي رواية يلزمه الإطعام. وعن الأوزاعي أيضًا أنَّه يقضي إلَّا إن نوى استثناء العيد، وعن مالك في رواية يقضي إن نوى القضاء وإلَّا فلا، وسيأتي في الباب الذي يليه [خ¦1994] عن ابنِ عمر رضي الله عنهما أنَّه توقَّف في الجواب عن هذه المسألة.
وأصل الخلاف في هذه المسألة أنَّ النَّهي هل يقتضِي صحَّة المنهي عنه أو لا؟ والأصل عندنا أن النَّهي لا ينفي مشروعيَّة الأصل.
وقال صاحب «المحصول» أكثر الفقهاء على أنَّ النَّهي لا يفيد الفساد، وأطال الكلام فيه، وعلى هذا الأصل مشى أصحابنا، ويؤيِّده توقُّف ابن عمر رضي الله عنهما كما سيأتي [خ¦1994] .
وقال ابن عبد الملك لو كان صومه ممنوعًا منه لعيَّنه ما توقف فيه ابن عمر رضي الله عنهما.
وعن محمَّد بن الحسن أن النَّهي يقتضي الصحَّة، واحتجَّ
ج 9 ص 536
لذلك بأنه لا يقال للأعمى لا يبصر؛ لأنَّه تحصيلُ الحاصل، فدلَّ على أنَّ صوم يوم العيد ممكن، وإذا أمكن ثبت الصحَّة.
وفيه أن الإمكان المذكور عقلي، والنِّزاع في الشَّرعي، والمنهيُّ عنه شرعًا غير ممكن فعله شرعًا. وتمام الكلام في هذا المبحث في أصول الفقه.
وفي رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر هنا زيادة وهي قوله هو البخاري نفسه هو سفيان بن عيينة أي في أبي عبيد .
قال ابن التِّين وجه كون القولين صوابًا ما روي أنَّهما اشتركا في ولائه، وقيل يحمل أحدهما على الحقيقة والآخر على المجاز بعلاقة أنَّه كان يلازم أحدهما بخدمته، أو للأخذ عنه، وقيل إنه انتقل من ملك أحدهما إلى ملك الآخر، وجزم الزُّبير بن بكَّار بأنه كان مولى عبد الرَّحمن بن عوف، فعلى هذا فنسبته إلى ابن أزهر هي المجازيَّة، ولعلَّها بسبب انقطاعه إليه بعد موت عبد الرَّحمن بن عوف.
واسم ابن أزهر أيضًا عبد الرَّحمن، وهو ابن عبد الرَّحمن بن عوف، وقيل ابن أخيه، ثمَّ كلام ابن عُيينة هذا حكاه عنه عليُّ بن المديني في «العلل» .
وقد أخرجه ابن أبي شيبة في «مسنده» عن ابن عُيينة، عن الزُّهري فقال عن أبي عبيد مولى ابن أزهر، وأخرجه الحميدي في «مسنده» عن ابن عُيينة حدَّثني الزُّهري، سمعتُ أبا عبيد. فذكر الحديث ولم يصفه بشيء.
ورواه عبد الرَّزَّاق في «مصنَّفه» عن معمر عن الزُّهري فقال عن أبي عبيد مولى عبد الرَّحمن بن عوف، وكذا قال جويرية وسعيد والزُّبيري ومكِّي بن إبراهيم عن مالك، حكاه أبو عمر، وذكر أنَّ ابن عُيينة أيضًا كان يقول فيه كذلك، والله أعلم.
والحديث أخرجه المؤلِّف في الأضاحي أيضًا [خ¦5571] ، وأخرجه مسلم في الصَّوم وفي الأضاحي، وأبو داود والتِّرمذي والنَّسائي وابن ماجه في الصَّوم.